كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

انطوان تشيكوف من الطب والقصة الى المسرح

انطوان تشيكوف من الطب والقصة الى المسرح

شكلت الدراما الاجتماعية النفسية لنصوص تشيكوف المسرحية في النصف الثاني من حياته الابداعية منعطفا حاسما في تاريخ المنصات المسرحية الاوربية الحديثة التي كان يتربع وراء استارها (ابسن) النرويجي و(سيترنبرج) السويدي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين.
ان السيرة الابداعية القصية في حياة انطون تشيكوف المولود في روسيا عام 1860 تثبت ان هذا المبدع القدير في شؤون المسرح قد عانى من الاحباط والفشل المرير على قدر نجاحه الكبير والمتألق في اواخر حياته، حتى وان كان ناجحا منذ البدء في كتابة اجمل القصص القصيرة في ذلك الزمن، وهو الذي عاصر وعايش كتاب اوعمالقة روسيا العظام وقتذاك، امثال: تولستوي وديستويفسكي وغوركي وشدرين واخماتوفا.
وعلى الرغم من ان تشيكوف كان من عائلة غير ميسورة، الا انه درس الطب في جامعة موسكو وتخرج منها في العام 1884. وحينما كتب ونشر قصصه القصيرة عندما كان طالبا جامعيا اجتذبت هذه القصص اهتمام كبار النقاد الروس والاوربيين، امثال بيلنسكي ودوبرليوف على وجه الخصوص، حيث عد مجددا لهذا الفن السردي بعد التجارب الكلاسيكية الاولى لدى ادغار آلن بو الامريكي وألن جي موبسان الفرنسي وكارتين مانسفيلد البريطانية.
وفي هذا الشأن، قال انطوان تشيخوف قولته الشهيرة.. الطب مهنتي والقصة القصيرة عشيقتي.

فشل مسرحي وكابدات منذ البدء
يؤكد المؤرخ المسرحي جون رسل تلير في موسوعته المسرحية التي ترجمها باخلاص الراحل سمير عبدالرحيم الجلبي ذمن اصدارات سلسلة المامون العراقية عام 1990، بان تشيكوف بعد تخرجه من الجامعة عكف على كتابة المسرحيات الساخرة ذات الفصل الواحد، معتمدا على اسس المسرحيات الكوميدية الفرنسية التي كانت رائجة في روسيا آنذاك، الا انه عدل فيها لتلائم المشاهد الروسية والشخصية الروسية. وكان من اكثرها رواجا مسرحيات (الدب 1888/ الاقتراح 1889/ الزفاف 1890). الا ان هنا، في الوقت نفسه، عنصرا مأساويا في موهبته القصصية وحد تعبير له في مسرحيته الاولى (في الطريق 1884) التي تكاد ان تكون مأساوية كلها.
وعندما حاول تشيكوف عام 1887 كتابة مسرحية بالطول الطبيعي بعنوان (ايفانوف) انتج نصا كئيبا عن زواج مؤلم مبني على حب قصير، وحتى حينما اخرجت هذه المسرحية دون تحقيق نجاح كبير لم يكن حظ مسرحيته الثانية (شيطان الغابة 1889) افضل منها، وكذلك كان حظ الثالثة (النورس) عندما قدمت على المسرح الامبراطوري عام 1896. ولم تنشر هاتين المسرحيات الثلاث، كما انها لم تمثل حتى عشرينيات القرن الماضي.
والحق، كاد كاوتشيخوف – كما يؤكد المؤرخ المذكور – ان يهجر كتابة النصوص المسرحية الى الابد، ولكن نميروش – داشنتكو شريك المخرج الروسي الشهير قسطنطين ستانسلافسكي في مسرح (موسكو الفني الجديد) وقتذاك، اقنعه بالعدول عن هذا القرار من اجل اعادة تقديم مسرحية (النورس) في العام 1889.

نجاحات منقطعة النظير
حقق تقديم مسرحية (النورس) او (طائر البحر) كما ترد في بعض ترجماتها المسرحية المتعددة اولا التوازن الدقيق بين المأساة والملهاة، او ما يعرف لدينا بـ(التراجيد كوميديا) وهو اهم مساهمة لتشيخوف في الدراما المسرحية بعد الفشل السابق لمسرحياته المذكورة، على الرغم من ان وضع الشخصيات مأساوي من نواح كثيرة وتنتهي المسرحية بانتحار، الا انها من وجهة نظر اخرى لا معقولة في المسرح (اتراها حقا اسست لمسرح العبث واللامعقول ايضا؟!) عندما تمنح امكاناتها الهزلية على نطاق كامل: (ام انها كانت نصا غير واضح عموما حتى وقت قريب في الاخراج البريطاني والامريكي لمسرحيات تشيكوف الذي مال الى اكثر مما ينبغي الى تأكيد نوع من الشعر الحزين على حساب العناصر الاخرى التي تعادله في الاهمية؟!.
الوقائع والدراسات النقدية المتعددة، تؤكد ان لمسرحية (النورس) اساس ثوري آخر في مؤلفات تشيكوف الاخرى. إذ انها برهنت بالملائمة الجديدة ازاء التمثيل والاخراج الذي اتسم به مسرح موسكو الفني في تلك الفترة. وهو ما شجع مسرحية (النورس) لتشيكوف على أليف مسرحيات اخرى، منها (الخال فانيا 1899) التي كانت اعادة لمسرحيته (شيطان الغابة) وتعد من نواح كثيرة اقل اعماله ارضاء. الف بعد ذلك (الشقيقات الثلاث) عام 1901 ومسرحية (بستان الكرز) عام 1904. وهما رائعتا تشيخوف الحقيقيتين.

تشيكوف في المسارح العراقية
انتبه المسرح العراقي في وقت مبكر الى اهمية نصوص انطوان تشيكوف المسرحية، فعملت فرقة (مسرح الفن الحديث) البغدادية منذ خمسينيات القرن الماضي على هذا النص الموندرامي شبه منسي في المسارح العالمية والذي لا يعتد به البته، وهو (مضار التبغ) الذي يحكي عن قصة ممثل اشبه بالنجم قادته الشيخوخة الى ان يكون من عمال كواليس السكارى او المحششين تحت الستائر وحده عن مجده الزائل. وكان بطل هذه (الموندراما) التشيكوفية الاشيانة المريرة الاستاذ سامي عبدالحميد، التي مازال يقدمها باستمرار طيلة عهود مضت وانقضت، ومازال مصرا على تقديمها في اي مناسبة اواحتفالية كأنها لسان حاله او جلباب تاريخه المسرحي الطويل.
كانت ايضا ثمة محاولات بسيطة للمخرج الراحل مهند طابور لبعض مسرحيات تشيكوف في معهد وكلية الفنون الجميلة في سبعينيات وثمانينيات القرن الفارط، باعتباره احد خريجي المعاهد المسرحية السوفيتية وقتذاك، ولكن عروض هذا الراحل العزيز لم تلق صدى مهما او استجابة حقيقية، لاسباب شتى!
وحده الفنان د. صلاح القصب من قدم انطوان تشيكوف برؤية فلسفة (مسرح الصورة) التي نهض عليها منذ اكثر منذ ثلاثة عقود خلت، وان كان غير أمين لنصوص تشيكوف الشهيرة في (طائر البحر) و(بستان الكرز) و(الشقيقات الثلاث) ولكنه للحق، كان المجلى الاول والرائد المؤسس لنصوص تشيكوف في المسرح العراقي.
لقد استوعب القصب درس (الشقيقات..) و(البستان ..) في هاتين المسرحيتين العظيمتين لتشيكوف من خلال الحبكة، التي هي مجرد تفاعل الشخصيات واحتدامها في الاقاليم الروسية، فقدم لنا عرضين متميزين، ام لن يكن عرضه الاول (طائر البحر) قد سبقهما الى الاوساط العربية والدولية، ضمن علاقة فكرية او سيوسيولوجية كفنان في علاقة الابداع الفني بالمستهلك، وبالخصوص في تفاعل المتفرج مع النص الادبي. وهو درس جميل بالمساءلة الجمالية والفكرية حقا، في شكل او بناء انشائي قد يتيح مجالا للفسق والجنون والحقد، او مكانا ضربت فيه حفلات الموتى وقداس الشياطين.

تشيكوف في معضلة تاريخية فكريا
هل كان تشيكوف اخيرا، عقائديا او ثوريا او من اصحاب النزعة الماركسية السائدة في عموم روسيا في ذلك الزمن، ام انه مجرد طبيب فاشل لم يتدارك مرضه المعروف في (السل) من دون علاج شخصي يذكر، ام انه مبدع اراح واستراح بأقصيصه ومسرحياته الشهيرة، ووعى من يكونون حوله من الاطباء والممرضين الاخرين في لحظة احتضاره لنزع اجهزة التنفس من مناخيره ويكرع آخر كأس (فودكا) في حياته ثم يموت موتته الجميلة التي لا تقدر بثمن..؟!
ان من المسائل المثيرة في التاريخ الثقافي الروسي التي لا يمكن الاجابة عنها، موقف تشيكوف من الثورة البلشفية الروسية الكبرى عام 1917، الا انه لسوء الحظ توفي عام 1904 وهو في أوج عطائه، وكان مايزاال في بداية قبوله العام في روسيا وخارجها كمبدع من اعظم كتاب الدراما الحديثة.