كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

ضد المحاصصة.. المحسّنة

-1
هل يمكن ان يتحقق التغيير المنشود في هياكل دولة المحاصصة من خلال التزام الكتل السياسية بتقديم مرشحين الى المناصب يتمتعون بالكفاءة والتخصص والخبرة؟
مسؤول كبير يتولى متابعة ملف الاصلاح في ماكنة الدولة قال “نعم” وقد ودافع عنه بعبارات لم تكن لتخلو من هجاء لنظام المحاصصة وذم تجربة  السنوات الاثني عشرالماضيات، والنتيجة انه قال الشيء ونقيضه، وذلك إذا ما تأملنا جيدا كيمياء الفكرة التي تكشف عن كوارث وذنوب، لا شكلها الذي يبدو بريئا.
لانتحدث عن توزيع الحقائب الوزارية وهيئات السلطة التشريعية، فانها استحقاقات انتخابية دستورية وتمليها فروض التوافقات والتحالفات والاوزان مما هو معروف في الدول الديمقراطية، وخارج هذا الاطار، فان اختيار “الكفوء والمتخصص والخبير” الى منصب مرموق من قبل كتلة سياسية يجعله تحت إمرة وإملاءات وتابعية الكتلة، جهة الاختيار، وصاحبة الفضل في تعيينه، بصرف النظر عما يحمله من شهادات وقدرات وحسن ادارة، ولدينا أمثلة لا حصر لها عن موظفين كبار غضبت عليهم كتلهم فاضطروا الى تبديل ولائهم الى حيث يتقون إملاءات ولاتهم وتغيير خيمتهم الى حيث يأتمنون الحساب.
لكن الخطيئة التي ضربت نظام العدالة وشوّهت قيم النزاهة والمساءلة وسمعة الوظيفة والمسؤولية تتمثل في تمتع الموظف “المحاصصي” الذي يرتكب مخالفات وشنائع وتجاوزات ادارية ومالية بحماية الكتلة التي اختارته للمنصب، واحيانا تتداخل كواليس الكتل النافذة لتتبادل التغطية على الموظفين الفاسدين كما يتبادل المحاربون الاسرى، او كما يحدث في العالم السفلي للمافيات.
-2
للمحاصصة خطايا، من بينها تبليط الطريق امام التعيين بالواسطة الى مواقع تتحكم برقاب الناس.. ولهذه تداعيات من حافظتي:
فقبل ان اتجه الى الصحافة والكتابة السياسية كنت اكتب القصة واتذكر ان آخر محاولة قصصية لي، لم تكتمل، وكانت تتضمن محاولة موظف  “عيّن بالواسطة” وترقى بالمصادفة وصار يتحكم بزملائه ويمعن في إذلالهم، لكنه بقي يشعر بالدونية بسبب مؤهلاته المتدنية وكفاءته الضعيفة، بل ان الكثير من زملائه كانوا ينعتونه سرا فيما بينهم بما يشبه الوشوشة بـ”الدوني” فجاء الدوني، وذهب الدوني، وتغيّب الدوني، ويريدك الدوني، وقال لي الدوني.. وهكذا، وقد توقفت عن اتمام القصة، عند هذا الحد، بعد ان اخفقتُ في تطوير الحدث وتنمية شخصية البطل قدما نحو الهدف الذي وضعته للقصة، آنذاك، وهو التحذير من الكلب إذا استكلب، ومن الدوني إذا استقوى.
على ان ثمة الكثير من الموظفين المكافحين، الصادقين مع انفسهم، المشهود لهم بالكفاءة والمثابرة والنزاهة والنضال والفروسية، الواثقون من انفسهم، يمكن ان يترقوا، ويصعدوا سلالم الوظائف، او ان يشقّوا طريقهم الى ذرى المواقع الوظيفية او الاجتماعية، وهم يكسون موقعهم الرفيع بالحياء والتواضع ونكران الذات والعفة، ويتصرفون كما لو ان المرتبة العليا قد تزول يوما، وان فلك الاقدار قد يدور على نفسه خارج ما هو متوقع او منظور، فيسقط الاعلون اذلاء، ويرتفع الادنون كرماء، ويحل الحساب بمن تجبّر وطغى، فلم يجد اياما كافية للبكاء، وتجازي الحياة مَن عَدِل وعفّ فيجد متسعا من الوقت للاعتزاز بالنفس، والقضية، في نهاية المطاف، لاتتعلق بملامة النفس او امتداحها، ولا بحظوظ الصعود والسقوط، بل (اصلا) في معدن النفوس والضمائر.
في تلك القصة، التي بقيت عالقة في منتصف الطريق، طوال نيف واربعين سنة، كان الدوني يركب كل ريح حتى وإن كانت صادرة عن مروحة، وهو يُظهِر لك وجها بشوشا وكلاما ناعما لمّا يكون مغلوبا، ويشهر لك اسنانا وخناجر حين ينقلب غالبا. تربكه السلطة حين لاتكون في متناول يديه، وتسكره السلطة حين يمسك بخناقها. يحترمك بافراط لمّا تنكر وجوده  وهو في ادنى سلالم الوظيفة ويبطش بك بلا رحمة حين تطأ ذيل ثوبه وهو في موقع القوة. مشرع الابواب حين لانحتاج اليه، وبلا ابواب عندما يعتلي اقدارنا. ينادينا بالنشامى عندما يريد ان يصعد على اكتافنا، ويسمينا بالنفايات حين ندافع عن حقنا في ان نعيش بكرامة.
القصة التي كتبتُ بدايتها منذ زمن بعيد لم تكتمل، مثلما ترون، كما لو اني اكتبها الآن، إذ تجري محاولات تصنيع دونيات محسنة عبر محاصصة، يشتمها اصحابها بالنهار، وينامون على وسائدها في الليل.

“لايغرنك سهولة الصعود، إذا كان المنحدر وعراً “
رسول حمزاتوف