كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

الأردن: حكومة الرزاز تحت نيران النواب

العالم – مقالات وتحليلات

هل يفعلها مجلس النواب الأردني ويسقط حكومة الرئيس عمر الرزاز في اختبار الثقة البرلمانية؟!

نظريا، يستطيع مجلس النواب أن يفعل ذلك وهو يمتلك الحق الدستوري بأن لا يعطي الثقة لأي حكومة. أما عمليا، ومنذ عودة الحياة الديموقراطية في الأردن عام 1989 لم يتجرأ أي برلمان على إسقاط حكومة، أو عدم منحها للثقة!

حتى الآن لا تسمح الدولة الأردنية ومؤسسات صنع القرار فيها، أي ثنائية "الديوان الملكي ودائرة الاستخبارات"، بمكاسرة بين الحكومة ومجلس النواب تخرج عن حدود اللعبة المسموح بها. كثيرا ما قيل في الأردن أن سياسة "الألو"، وتعني الاتصالات، قد بدأت لحماية الحكومة وحشد التأييد لها لتفوز بمعركة الثقة أو لمواجهة أزمة اقتصادية وسياسية.

لم يسقط البرلمان حكومة في الأردن، وإن كانت حكومات كثيرة مرجحة للتعثر وعدم الحصول على الثقة لولا التدخل لإنقاذها في اللحظات الأخيرة. وقيل لي قصة إبان جلسات الثقة بالحكومة الأولى للدكتور عبد السلام المجالي وذلك في عهد الراحل الملك حسين؛ كانت كل المؤشرات حينها تؤكد أن الحكومة لن تحظى بالثقة وبأن الرئيس المجالي لم ينجح في حشد المؤيدين له في البرلمان، وصباح التصويت على الثقة استدعى الملك على مأدبة إفطار أعضاء كتلة التجمع الديموقراطي العربي، وكانت مزيجا من "الليبراليين واليساريين"، وشرح لهم باستفاضة الظروف الحساسة التي يمر بها الأردن وتمنى عليهم دعم حكومة المجالي، إثر هذا الإفطار المفاجئ للنواب اتفقت الكتلة على توزيع الأدوار، فحجب بعض النواب الثقة ومنهم من امتنع عن التصويت وبعضهم منحها، وبهذا حصلت حكومة المجالي على ثقة 41 صوتا من مجموع 80 نائبا في البرلمان آنذاك، فكان نجاح على حافة الهاوية.

لا أتذكر ولا أعرف إن تكررت هذه الحوادث بتدخل مباشر من الملك لإسناد الحكومات بعد ذلك، ولكن السنوات الماضية كانت تشي بأن جهاز الاستخبارات بات قادرا على إدارة المشهد بالتعاون مع الحكومة.

من يستمع من خارج الأردن، ولا يعرف تفاصيل المشهد النيابي، لخطابات الثقة من النواب بحكومة الرزاز يصل الى قناعة محتمة بأن هذه الحكومة راحلة ولن تحظى بالثقة البرلمانية. لكن رغم هذه النيران التي وصلت لحدود التخوين أحيانا، واتهامات الفساد أحيانا أخرى، والاحتجاج على الوزراء لدرجة اتهام بعض النواب وزير الاتصالات مثنى الغرايبة بأنه كان من المشاركين في "حراك آذار (مارس) 2011" في أول الربيع العربي وطالب بإسقاط النظام الأردني، رغم كل هذا السجال والخطب النارية فإن الحكومة ستحوز على الثقة.

في الأيام الماضية راجت رواية، أو لنقل إشاعة، تعتقد أنه ليس مرغوبا باستمرار بحكومة عمر الرزاز، التي جاءت بعد موجة الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة هاني الملقي، ولهذا فإن "الدولة العميقة" لا تهتم بإسنادها وستعطي البرلمان فرصة لاستعراض قوته واستعادة هيبته المفقودة حتى ولو كان الثمن إسقاطها.

لا تجد لهذه الرواية أو الإشاعة مؤيدين يتوقعون حدوثها، وإن كان هناك من بدأ يسترسل بتحليلات عن مخاطر دعوات الرئيس الرزاز لمشروع نهضوي وعقد اجتماعي جديد ويستحضر نظرية المؤامرة على الأردن، ويرى أن هدف هذه الأطروحات هو تفكيك الدولة.

الحقيقة التي يجب أن تقال؛ حظي الرزاز بتأييد شعبي لافت عند اختياره رئيسا للوزراء، وأظهر استطلاع الرأي الذي أعلنه مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية أن تفاؤل الناس بالرزاز وصل إلى 81 في المئة، وهذه نتيجة تستحق التوقف، ولم تتحقق في استطلاعات الرأي السابقة، وهي بذات الوقت مقلقة لمراكز القوى ولخصوم توجهات الرزاز.

من الواضح حتى الآن أن الرزاز يريد أن يخوض معاركه بقوته الذاتية، ولا يريد أن تتدخل مؤسسات صنع القرار لمساندته وتوفير مظلة الدعم. وهو يريد بهذا التوجه أن يحاول استعادة "الولاية العامة" للحكومة التي اتهم بأنه لم ينجح بالظفر بها عند تشكيله لحكومته، وبأنه لم يكن صاحب القرار الأول في اختيار فريقه الوزاري، وبأن العديد من الوزراء فرضوا عليه.

شجع إحساس بعض النواب بأن الرزاز يخوض معركة الثقة وحيدا ودون غطاء مباشر من "القصر والاستخبارات" على شيوع ظاهرة الاتهام والتنمر والاستقواء، ودفع نوابا مخضرمين إلى إعلان حجب الثقة عن الحكومة في أول الكلمات حتى يشجعوا زميلاتهم وزملاءهم على المضي في هذا التوجه.

لا يبدو أن "شهر العسل" بين حكومة الرزاز والبرلمان ممكنا، حتى وإن حظيت بالثقة البرلمانية. خطابات الثقة مقدمة لصراعات ومعارك شد وجذب، فهذا البرلمان ليس ممثلا لأحزاب وازنة، باستثناء كتلة الإصلاح التي يمثل غالبية نوابها حزب جبهة العمل الإسلامي، ويمكن القول إن 130 نائبا يعبرون عن 130 توجها و"حزبا" إن جازت التسمية، وهو ما يزيد من صعوبة بناء التفاهمات، وما يزيد من صعوبة الحال طغيان سمة "المحافظين" على البرلمان، وتعود النواب في علاقتهم مع الحكومات على سياسة التنفيعات والمقايضات التي تعزز مصالحهم، وهذا ما يتناقض مع فكر وتوجهات الرزاز الذي يطرح مفهوم الدولة المدنية في مواجهة الدولة الريعية.

في خطاب الثقة الذي ألقاه الرئيس عمر الرزاز، أكد أن حكومته تبحث عن حلول استثنائية وليست سحرية، وأنه يدرك حجم المصاعب التي تنتظره في مواجهة الأزمة الاقتصادية وتفاقم الفقر والبطالة والحصار السياسي للأردن.

لم يجترح الرزاز معجزات في خطاب الثقة. ذكر بديهيات أساسية لبناء الدولة، إذ ركز على مبادئ العدالة والحرية والمساواة والتعددية والتسامح وحقوق الإنسان.

وذكر بأن المال العام مال الناس، وبحق الناس بالمعرفة والوصول للمعلومات، وبحقهم في التعبير السلمي عن آرائهم.

قد تجد هذه المبادئ من يخالفها في برلمان محافظ، وقد تجد من يفسرها ويزجها في أتون الاتهامات المعلبة لمؤسسات المجتمع المدني وارتباطاتها الدولية، وقد تجد من يعارضها ويرفضها ولا يعتبرها أولوية لبلد يواجه تحديات أمنية.

لا تزال ظلال الاحتجاجات في الدوار الرابع تؤثر بالرزاز، فهو يعلم أن الطريق الأكثر وعورة وصعوبة هو الحصول على الثقة الشعبية، وليس ثقة مجلس النواب، ويعرف أن استمرار بقائه أو رحيله مرتبط بالقدرة على "نزع صاعق الانفجار" من الشارع وتقديم حلول ترضيه على المستوى الاقتصادي والمعيشي، ويقبل بها ولا تشعره بالخنوع على المستوى السياسي.

على وقع خطابات النواب بالثقة، إن التعامل مع البرلمان ليس المهمة الأصعب للرزاز، وإنما كيف يبني جسورا من الثقة مع الشارع الذي راهن عليه وأصيب بخيبة بعد تشكيل الحكومة!

كلمة السر هي ابتكار حكومة الرزاز لحلول استثنائية تتجنب فرض المزيد من الضرائب على الناس، وتشعرهم بتحسن ولو طفيف بمسار حياتهم، وتعيد صناعة الأمل والمستقبل أمامهم، وتؤكد لهم أن الأردن يتسع لأبنائه ويؤمن لهم حياتهم، وليس من الضروري أن يحزموا حقائبهم ويهاجروا، وهذا ما قاله الرزاز للشاب "قتيبة" حين سأله هل يهاجر أم يبقى في البلد، لأن هناك أملا!