كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

الجسر اقتصادي للحل في سوريا مرتبط بملف إعادة الإعمار

العالم – مقالات وتحليلات 

يقول ماركس أن السياسة اقتصاد مكثف، وبما أن الحرب هي سياسة مكثفة فإن نسبة الكثافة الإقتصادية تصبح فيها أعلى من أي منسوب آخر، إذ لا تقتصر على كونها سبباً أساسياً، بل إنها تصبح أيضاً ناتجاً أساسياً.

هكذا كان العامل الإقتصادي في أساس نشوب الحرب على سوريا، بصرف النظر عما لعب عليه مدبروا ومديروا هذه الحرب من مكبوتات ومن تشوهات اجتماعية وثقافية. وعما لعب عليه (الإسرائيلي) كي يخرج من خلال جميع هذه التشابكات والتناقضات بتحقيق مصلحة وجوده.

وإذ أصبحت الأسباب وراء ظهرنا، فإن النتائج هي ما يتشكل أمامنا ويرسم مستقبل أولادنا في سوريا والمنطقة، حيث يشكل رهان الحفاظ على الإستقلالية الإقتصادية، على دولة الإنتاج وعلى دولة العدالة الإجتماعية رهان الحرب المدنية أو الباردة التي بدأت معالمها تتشكل بوضوح منذ ما قبل نهاية العمليات العسكرية، فمنذ أن كان الجميع غارقين في غبار النار والدمار، وغبار حديث عن حل سياسي أو حل عسكري، كان الحكماء خلف الكواليس ينسجون حلولهم الإقتصادية، فتشتد المعارك إن تعثرت وتحسم الامور إن حسمت.

وكذا كان الجيش العربي السوري وحلفاؤه يدافعون بدمائهم، ليس فقط عن وجود سوريا ووجودنا الفعلي وإنما عن مصالح البلاد والمنطقة. هكذا رحنا نسمع عن جسر اقتصادي للحل مرتبط بشكل جوهري بملف إعادة الإعمار.

مؤتمرات عديدة صغيرة ومحدودة عقدت تحت هذا العنوان، إلى أن جاء عام 2016 حافلاً ومدوّلاً، حيث صدر تقرير البنك الدولي الذي حمل عنوان: "سوريا إعادة الإعمار من أجل تحقيق السلام"، كما قدمت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريريكا موغيريني، ورقة لخصت الحل النهائي المرضي لجميع الأطراف – حسب تعبيرها بأربعة بنود: نظام مساءلة سياسيّة، اللامركزيّة، المُصالحة، إعادة الإعمار.

مؤخراً، جاء مؤتمر "الإسكوا" في بيروت في 7 و8 آب/أغسطس الجاري ليصدر تقريره: سوريا سبع سنوات من الحرب، مقدراً تكاليف إعادة الإعمار بأربعمئة مليار دولار،  والغريب أن ذلك تزامن مع اعتراف دونالد ترامب بأن سوريا تعرضت لحرب عدوانية سببتها مصالح مالية للقوى العابرة للقارات، وليضيف أن على هذه القوى وعلى الدول التي مولت حربها أن تدفع ثمن إعادة الإعمار.

عناوين خطيرة ليس فقط في مضمونها كل على انفراد، وليس في تناغمها كما كان الحال منذ بداية عصر العولمة تحت خيمة الشركات العابرة للقارات. وإنما فيما بدا الخبراء الدوليون يتحدثون عنه من بروز صراع بين هذه الشركات التي أطلق عليها إيناسيو رامونيه عام 1990 لقب "سادة العالم الجدد"، حيث يعتبر هؤلاء الخبراء أن كلاً من بوتين وترامب، يخوضان حرباً معها – كل على طريقته وإن بشكل منفصل – حرب تقوم على العودة إلى البحث عن مصالح الأمم المستقلة بدلاً من إلغاء السيادات والحدود. مما يعني إعادة الشركات إلى بيت الطاعة القومي والوطني،  ويفسر قدراً من منافسات إعادة الإعمار في سوريا.

هنا يكمن جوهر اللقاء التاريخي بين الرئيسين بعد أن عادت بلادهما قوتين عظيمتين، لا قوة عظمى تتبعها الأخرى.

وعليه يقول هؤلاء الباحثون أن التشبيك الذي يجري وراء الكواليس لمرحلة إعادة الإعمار يجري على هذا الأساس، وبالتالي، فإن كل قوة راحت تبحث عن حصتها بيدها، فمن جهة نجد المنظمات الدولية بفروعها، من "الإسكوا" إلى البنك الدولي إلى دي ميستورا الذي راح يصرح بأن روسيا لا تستطيع إعادة الإعمار بمفردها وبالتالي عليها وعلى السوريين أن يوزعوا.

نبرة تناغمت مع الحراك الأوروبي، فرأينا إيطاليا تحاول أن تظهر كصوت مستقل عبر موغيريني والشركات الإيطالية، كما رأينا فرنسا تعلي الصوت (عبر رئيس وزرائها) في وجه روسيا بأن هذه الأخيرة لا تستطيع التكفل بأربعمئة مليار دولار منفردة، ليعقب ذلك تطور في العلاقات يحمل ماكرون إلى موسكو بحجة الأولمبياد، ليحمّل الروس بالتالي شحنة مساعدات إنسانية الى سوريا.

أنجيلا ميركل انضمت بدورها إلى قافلة طالبي ود موزع الحصص،  حتى تشيكيا ارتأت أن تبادر بمفردها، علّ وعسى. تجليات لا تتأخر في أن تنعكس على الأطراف العربية التي لم تعرف يوماً أن تكون أكثر من صدى.

غير أن أهم ما في هذا المشهد المؤلم هو انعكاساته على سوريا ما بعد الحرب العسكرية، حيث حجز الحلفاء حصصهم برضى الدولة ولا يعلم أحد كيف ستتوزع حصص الأعداء ممولي القتل والدمار والخوذ البيضاء، وكيف ستبنى التحولات الإقتصادية مستقبلاً.

التطورات العسكرية السياسية على الأرض وعلى الساحات الدولية عدلت في أولويات الملفات التي طرحتها موغيريني، حيث ابتعد ملف المساءلات السياسية، ونجح ملف المصالحات في تحقيق إنجازات كبيرة، ليبرز إلى الواجهة اليوم ملف «عودة اللاجئين»، الذي لا ينفصل عن حاجات الدول المضيفة للتخلص من عبئهم وحاجة الدولة السورية إلى استعادتهم، فيما يؤدي في العمق الى البعد الإقتصادي. مثله مثل ملف «المعابر وطرق الترانزيت» الذي بدأ بتحرير الجرود اللبنانية، وتقدم وتراجع على العراقية، فيما يبدو الآن مرشحاً للتزحزح من الجانب الأردني.

غير أن الأكثر إثارة للأسئلة يبرز من تفصيل عبور أول سفينة سوريا مضيق البوسفور، انطلاقاً من اللاذقية وتحديداً لشركة "نبتنوس" للملاحة البحرية التي أنشأت خط حاويات بحري بإسم "لا ميرلين" يربط اللاذقية بمرسين، بطرابلس، بالإسكندرية، ببنغازي.

ملامح صغيرة جداً من مشروع مارشال هائل وخطير، قد تتكشف ملامحه الإقتصادية شيئاً فشيئاً، ولكن ما يبقى عصياً على التنبؤ هو ما سيحمله من تغييرات جوهرية على النظام السياسي الاقتصادي لسوريا. وبالتالي للمنطقة.

* حياة الحويك عطية / سوريا الآن