العصيان المدني يشل السودان والمجلس العسكري يغير موقفه

العالم – تقارير

واستجابت قطاعات واسعة لدعوة العصيان المدني في مختلف الهيئات الحكومية والشركات الخاصة والمرافق الخدمية، وبدت الشوارع خالية من المارة.

وأظهرت صور بثها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاقا شاملا في الأسواق الرئيسية بمختلف المدن السودانية، وتعطلا في حركة المواصلات والنقل، لا سيما في مطار الخرطوم، فضلا عن شلل شبه كلي في عمل المصارف والمستشفيات.

ودخل موظفون من بنك السودان المركزي العصيان، مما أدى إلى توقف العمل في القطاع المصرفي، حيث أغلقت معظم البنوك أبوابها أمام العملاء. وعلى شارع الستين الرئيس بالخرطوم أغلقت أفرع بنوك تنمية الصادرات والبركة والخرطوم أبوابها تماما.

وقالت وكالة رويترز إن مطار الخرطوم لم يسيّر إلا عددا قليلا جدا من الرحلات، وإن المسافرين تكدسوا في صالة السفر. وأضافت أن معظم مكاتب السفريات أغلقت بسبب انقطاع الإنترنت، وأن أسعار التذاكر ارتفعت.

بدوره قال الناطق الرسمي باسم مطار الخرطوم، محمد المهدي، إن بعض شركات الطيران العالمية أوقفت رحلاتها إلى مطار الخرطوم، فيما استمر بعضها برحلاته، بينما استمرت الرحلات الداخلية بصورة طبيعية.

وقال المهدي في حديث لوكالة "سبوتنيك"، اليوم الاثنين: "أغلقت بعض خطوط الطيران العالمية رحلاتها إلى مطار الخرطوم منها طيران الإمارات والاتحاد وخطوط الطيران المصرية، فيما تواصل بعض خطوط الطيران العالمية والمحلية رحلاتها إلى مطار الخرطوم منها الإثيوبية وخطوط طيران تاركو وشركة بدر للطيران السودانيتين".

وتوالت أنباء عن وقوع قتلى على يد قوات أمنية في اليوم الأول للعصيان المدني، في حين انتشرت قوات لإزالة المتاريس من بعض الطرق في العاصمة الخرطوم.

وبعد ساعات من بدء سريان العصيان المدني، أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية وهي لجنة غير حكومية مقتل أربعة أشخاص في الخرطوم وأم درمان، اثنان منهم برصاص قوات أمن، في حين لقي الآخران حتفهما جراء تعرضهما للضرب والطعن، وفقا للجنة.

وأوضحت اللجنة أن سقوط هؤلاء الضحايا يرفع عدد القتلى إلى 118 شخصا منذ فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم في الثالث من يونيو/حزيران الجاري. في المقابل، كانت وزارة الصحة قالت يوم الخميس الماضي إن عدد القتلى لا يتجاوز 61 قتيلا.

ووفقا لشهادات عدة، أطلقت قوات الأمن الرصاص في الهواء والغاز المدمع، لتفريق متظاهرين في العاصمة حين كانوا يحاولون إغلاق الطرق بالمتاريس استجابة لدعوات العصيان المدني.

وأفاد شهود للجزيرة نت بأن قوات الدعم السريع دخلت أحياء جنوب الخرطوم وبدأت إزالة المتاريس. وفي شارعي الأربعين والموردة بأم درمان، وقف متظاهرون على المتاريس حاملين لافتات داعية إلى العصيان في حضور قوات من الجيش.

من جانبه، اتهم تجمع المهنيين السودانيين أحد أبرز مكونات قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري الانتقالي بإغلاق المستشفيات الحكومية والخاصة وحمله مسؤولية وفاة أي مريض أو مصاب.

وحذر التجمع في سلسلة تغريدات على تويتر من "وضع صحي كارثي" بعد "اقتحام قوات أمنية الصندوق القومي للإمدادات الطبية والسيطرة عليه".

وكان التجمع قد أكد أن حملة العصيان المدني ستتواصل إلى حين نقل السلطة من القادة العسكريين إلى حكومة مدنية.

في المقابل، أدت الاستجابة واسعة النطاق للعصيان المدني إلى تصليب موقف قوى الحراك، إذ كشف تجمع المهنيين، الذي يقود قوى الحرية والتغيير في السودان، عن خطة تحركه في الأيام القادمة، لضمان استمرار العصيان المدني الشامل حتى تسليم السلطة لحكومة مدنية.

وأعلن التجمع في تغريدات له على حسابه بموقع تويتر استمرار العصيان المدني اليوم الإثنين وغداً، وحتى تتسلم سلطة مدنية الحكم في البلاد، مؤكداً أنه لا تصالح ولا تنازل أو مهادنة ولا مصافحة مع من وصفهم بالمجرمين.

وأكد التجمع ضرورة تجنب أي مواجهة مع قوات الدعم السريع والأجهزة الأمنية، والحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات عموماً، والعصيان المدني خصوصاً.

وأعلن التجمع أيضاً أنه شكل وحدات تتجول في البيوت والدواوين للتوعية وتوصيل المعلومات وشرح أهداف العصيان المدني الشامل.

كما كشف أيضاً عن وجود «ناس مسؤولين عن ضمان وجود مصادر الأكل والشرب لسكان كل حي، خاصة كبار السن والأطفال والمحتاجين».

وفي تغريدة أخرى، تحدث تجمع المهنيين أيضاً عن «ناس مسؤولين عن نقل مرضى الحالات الطارئة للمستشفيات بالتنسيق مع اللجان الطبية الفرعية».

وفيما يخص العصيان المدني الذي دعت إليه قوى الحرية والتغيير احتجاجاً على فض الاعتصام، بدا كلام الناطق العسكري السوداني متناقضاً.

إذ قال إن العصيان يشكل ضغطاً على حياة الناس ومعيشتهم، ثم قلل من حجم العصيان المدني، معتبراً أن المؤسسات الحكومية عملت الأحد بشكل جيد ولم تتأثر به كثيراً، بينما أكدت المعارضة التقيد بالعصيان بنسبة كبيرة.

وعلى المستوى السياسي، أكد الفريق شمس الدين كباشي، المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي، أن المجلس مستعد للاستماع إلى مطالب المعارضة، واستئناف المفاوضات التي أوقفها بعد اقتحام مقر الاعتصام.

واعترف كباشي في مقابلة مع الجزيرة مباشر بأن المجلس قطع الإنترنت عن الخرطوم، دون أن يقدم أسباباً لذلك.

كما أقرّ بوقوع "خطأ في التنفيذ" خلال العملية الأمنية التي أفضت إلى فض الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، الذي خلف عشرات الضحايا من المعتصمين.

وأضاف كباشي أن التخلص مما سماه "بؤرة كولومبيا" دون التعرض للاعتصام كان محل اتفاق مع قوى الحرية والتغيير، لكن الخطأ وقع في التنفيذ.

وأشار إلى أن السلطات شكلت مجلساً للتحقيق في ملابسات ما جرى الإثنين الماضي أمام القيادة العامة.

الى ذلك قررت السلطات السودانية الاثنين، الإفراج عن قادة الحركة الشعبية وهما ياسر عرمان ومبارك أردول وخميس جلاب، وذلك في اليوم الثاني من العصيان المدني و

لكن سرعان ما اقدمت على ابعادهم إلى عاصمة جنوب السودان جوبا، حسب مصدر بالحركة.

وقال المصدر، للأناضول، مطالبا بعدم الكشف عن اسمه إن نائب رئيس “الحركة الشعبية قطاع الشمال” ياسر عرمان، وأمينها العام إسماعيل خميس جلاب، ومتحدثها الرسمي مبارك أردول وصلوا إلى جوبا بالفعل.

من جانبه، قال عرمان، للأناضول: "السلطات السودانية رحلتنا إلى جوبا بطائرة عسكرية مكبلي اليدين والرجلين ومعصوبي العينين".

وأضاف: "تم إبعادنا قسريا بدون رغبتنا والمسؤولين في جوبا استقبلونا بصورة جيدة عبر القاعة الرئيسية في المطار".

ويقاتل الجناح المسلح لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال"، القوات الحكومية في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان منذ 2011

وخطوة الإفراج عنهم جاءت في ظل تصاعد المطالب بذلك محليا ودوليا.

والسبت، طالب السفير البريطاني لدى الخرطوم، عرفان صديق، المجلس العسكري الانتقالي بالإفراج فورا عن قادة الحركة الثلاثة.

وقال صديق، في تغريدة عبر "تويتر"، إنه "من غير المقبول أن يظل عرمان وأردول وجلاب رهن الاعتقال في السودان بدون أية أخبار عن وضعهم".

وجدد المجلس العسكري الانتقالي السبت، الإعراب عن رغبته في استئناف التفاوض مع "قوى إعلان الحرية والتغيير" بشأن المرحلة الانتقالية.

بينما قدمت قوى التغيير شروطا لاستئناف المفاوضات، أبرزها: اعتراف المجلس بارتكابه جريمة فض الاعتصام، وتشكيل لجنة تحقيق دولية لبحث ملابسات فض الاعتصام..

وبدأ الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في 6 أبريل/ نيسان الجاري، للضغط من أجل رحيل عمر البشير، ثم استمر للضغط على المجلس العسكري، لتسليم السلطة إلى المدنيين، في ظل مخاوف من التفاف الجيش على مطالب الحراك الشعبي، كما حدث في دول عربية أخرى، حسب المحتجين.

وعزلت قيادة الجيش، في 11 أبريل/ نيسان الماضي، البشير من الرئاسة، بعد 30 عاما في الحكم، تحت وطأة احتجاجات شعبية، انطلقت أواخر العام الماضي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.