’المنطقة الآمنة’ التركية.. ما هدفها؟

العالم – سوريا

مع استمرار الخلاف والحوار التركي – الأميركي حول موضوع أس-400 لم يكن الأمر محرجاً للطرفين حتى يتّفقا على فكرة المنطقة الآمنة، حتى لو اختلفا على الأمتار. فالجيش التركي يستعد لاجتياح شرقي الفرات والتوغل بعمق 30-35 كلم فيما يقول الجانب الأميركي “يكفيكم 15 كلم” وكأن إبعاد المسلحين الكرد جنوباً سينهي المشكلة التي يسميها الأتراك خطر الاٍرهاب .

ومن دون أن يخطر على بال أحد أن المساومة الأميركية – التركية، وبالتالي الاتفاق المحتمل على المنطقة الآمنة سوف يكون على حساب الدولة السورية، وسبب مشكلتها في المنطقة هم الكرد وكما كانوا في عفرين ليثبتوا بذلك عدم وفائهم لدمشق!

فقد أضاء الرئيس بوتين في كانون الثاني/ يناير 2018 الضوء الأخضر للجيش التركي ليجتاح عفرين التي لم يسلمها الكرد آنذاك للجيش السوري.

وأضاء بوتين الضوء الأخضر قبل ذلك في آب/ أغسطس 2016 أي في الذكرى الـ 500 لمعركة مرج دابق فدخلت القوات التركية جرابلس ومنها إلى الباب ثم أعزاز، إذ يسيطر الجيش التركي الآن ومعه نحو 50 ألفاً من مسلحي الفصائل المختلفة على نحو 350 كلم من الشريط الحدودي السوري مع تركيا، وهي “منطقة آمنة” عملياً.

وسيخلق التوغل التركي شرقيّ الفرات، وهذه المرة بضوء أخضر أميركيّ، وضعاً جديداً بوجود القوات التركية داخل الأراضي السورية، ولتمتد “المنطقة الآمنة” على طول الحدود المشتركة من القامشلي حتى عفرين، وتقع إدلب إلى جوارها.

فقد اعترف بوتين وترامب لتركيا بحقّ محاربة الاٍرهاب في البداية ضد داعش وبعدها الكرد، فيما يعترض الجميع، بما فيهم تركيا، على أي عمل عسكري سوري في إدلب، التي يوجد فيها أكثر من 20 ألفاً من مسلحي النصرة وهم إرهابيون وفق التصنيف الدولي، وإدلب حالها حال كل المناطق غربيّ الفرات وشرقيّه فهي أرض سورية.

ومن دون أن يحالف الحظ الرئيس بوتين في التأثير على إردوغان إن كان في موضوع إدلب أو غربيّ الفرات عموماً وذلك بسبب العلاقة العضوية المتشابكة بين إردوغان وكل الفصائل الإسلامية في سوريا التي كان وما زال إردوغان هو اللاعب الأساسي فيها بسبب توجهاته الدينية التي أراد من خلالها أن يحيي ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية مع الربيع العربي.

ويفسر ذلك الدعم التركيّ لكل الفصائل المسلحة، ومنها التركمانية، واعتراض أنقرة على أي عمل عسكري ضدهم في أي مكان كان غربيّ الفرات، ما دام إردوغان يقول إنه “حامي حمى المسلمين والإسلاميين ضد الظالم والمظلومين”.

ولعب الغرب دوره في هذه الحماسة عندما سعى لتسويق تجربة العدالة والتنمية “الاسلامية العلمانية الديمقراطية” التي لم يبق منها أي شيء سوى التناقضات، ومنها حديث الرئيس رجب طيب إردوغان المتكرر عما يسمّى خارطة الميثاق الوطني لعام 1920 وكانت تضم الشمال السوري الذي يتحدث البعض عن رغبة إردوغان في ضمّه لتركيا، كما ضمّ أتاتورك هاتاي (إسكندرون) عام 1938 وسيطر أجويت على شمال قبرص عام 1974.

ومن دون أن يكون واضحاً كيف ومتى ومن سيجبر الرئيس إردوغان على إخراج قواته من الشمال السوري غربيّ الفرات وشرقيّه بعد توغّل الجيش التركي في المنطقة، مع استمرار وجود المرتزقة والقوات الفرنسية والبريطانية في المنطقة، التي سيعملُ الجميع فيها من أجل ترسيخ فكرة التقسيم بدعم الميليشيات الكردية الماركسية اللينينية التي لا تؤمن إلا بترامب، وأمام أنظار العسكر الأتراك في المنطقة الآمنة وليس مُهماً عمقها.

ويبقى الحل غربيّ الفرات مؤجّلاً بسبب حسابات الرئيس بوتين الخاصة بمكاسبه في تركيا على حساب سوريا التي بات واضحاً أن أزمتها ستبقى في مهب رياح أستانا وسوتشي وجنيف ما دام مفتاح الأزمة بيد أنقرة وبرضى موسكو وواشنطن. وتقول الثانية إنها مع الأسد والثالثة تراهن على بقائه، ولكن بشكل ضعيف من دون أن يزعج (الأسد) ومعه إيران وحزب الله الحليف الأهم وهي "إسرائيل" والكل معها.

اللهم إلا إذا فاجأ الجميع وأثبت أنه وريث “الاتحاد السوفياتي العظيم” وهو ما يحتاج إلى معجزة يتمناها الكثيرون، والأهم أولئك الذين قاوموا وصمدوا فحققوا انتصارات عظيمة على كل الأعداء وعلى كل من كان صديقاً فغدر!

الميادين