النفط السوري.. تسع سنوات من العقوبات والنهب

العالم – سوريا

منذ الأسابيع الأولى للأحداث في سوريا، سلكت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي طريق العقوبات الاقتصادية في مقاربة تعاملها مع الأزمة.

وكان لافتاً أن تركيز تلك العقوبات اتجه منذ البداية نحو قطاع الطاقة، وتحديداً النفط ومشتقاته، وتالياً فإن عقوبات قانون «قيصر» على قطاع الطاقة ليست بجديدة، وإن كانت هذه المرة تسعى للحيلولة دون وصول أي إمدادات للمشتقات النفطية، رغم إدراك الإدارة الأميركية أن ذلك سيترك انعكاسات سلبية خطيرة على معيشة السوريين العاديين ممن تقول بيانات الأمم المتحدة إن أكثر من 85% منهم يعيشون في دائرة الفقر.

الاستهداف المبكر

يستعرض مسؤول سابق في وزارة النفط والثروة المعدنية السورية، فضّل عدم ذكر اسمه، في حديث لـ«الأخبار» تسلسل العقوبات على القطاع النفطي منذ بداية الأزمة، فيشير إلى أنه بتاريخ 17/8/2011 صدرت حزمة من العقوبات الأميركية على قطاع النفط والغاز تضمّنت إيقاف الاستثمارات الجديدة في سوريا من قبل أي شخص أميركي، ومنع التصدير وإعادة التصدير والبيع بشكل مباشر أو غير مباشر من أميركا أو أي شخص أميركي، لأية خدمات لسوريا، بالإضافة إلى منع عقد أية صفقات أو خدمات مالية ذات صلة بالصناعة النفطية السورية من قبل أي شخص أو شركة أميركيين.

ثم ما لبث أن لحق الاتحاد الأوروبي بالإدارة الأميركية، ليبدأ في شهر أيلول/ سبتمبر من عام 2011 بإصدار سلسلة من القرارات، تضمّنت منع تصدير النفط الخام أو المنتجات النفطية من سوريا إلى دول الاتحاد الأوروبي، سواء كانت من مصدر سوري أو منقولة عبر سوريا، وكذلك منع القيام باستثمارات نفطية جديدة وحظر تأسيس أي مشاريع نفطية مشتركة. وبعدها، أصدر مجلس الاتحاد الأوروبي القرارين رقم 1244 ورقم 782 بتاريخ 1/12/2011 المتضمنين :

ــ حظر التعامل مع المؤسسة العامة للنفط ومكتب تسويق النفط.
ــ التأكيد على حظر شراء أو استيراد أو نقل النفط الخام والمنتجات النفطية من سوريا.
ــ حظر تقديم التمويل بشكل مباشر أو غير مباشر للصناعة النفطية.
ــ حظر بيع وتوريد وتحويل المعدات الرئيسية والتكنولوجيا المستخدمة في صناعة النفط والغاز في سوريا.
ــ حظر تقديم المساعدة الفنية والتدريب والتقنيات، وحظر تمويل أية عملية بيع أو توريد أو تحويل أو تصدير للمعدات الرئيسية والتكنولوجيا إلى أي مؤسسة تعمل في قطاع النفط والغاز في سوريا.
ــ منع تقديم أي قرض أو اعتماد مالي إلى المؤسسات العاملة في قطاع النفط والكهرباء.

ويضيف المسؤول السابق أنه «في 22/4/2013 شرع الاتحاد الأوروبي بسرقة النفط السوري وشرائه من المجموعات المسلحة بالقرار رقم CFSP/186/2013 الذي عدل القرار CFSP/739/2012 بشأن التدابير التقييدية ضد سوريا. ودخل حيز التنفيذ من تاريخ نشره في جريدة الاتحاد الأوروبي الرسمية بتاريخ 22/4/2013»،

وقد سمح هذا القرار بالتالي:

ــ السماح بشراء أو استيراد أو نقل النفط الخام والمنتجات النفطية من سوريا، وتوفير التمويل أو المساعدة المالية ذات الصلة، بما في ذلك المنتجات المالية، إضافة إلى التأمين وإعادة التأمين.

ــ السماح ببيع أو توريد أو نقل المعدات والتكنولوجيا الأساسية للقطاعات الرئيسية لصناعة النفط والغاز الطبيعي في سوريا أو إلى شركات سورية أو شركات مملوكة لسورية تعمل في تلك القطاعات خارج سوريا وتقديم المساعدة التقنية المناسبة أو التدريب وغيرها من الخدمات، فضلاً عن التمويل أو المساعدة المالية.

ــ السماح بمنح أي قرض مالي أو ائتمان أو استحواذ أو تمديد المشاركة في المشاريع السورية التي تعمل في قطاعات صناعة النفط السورية من الاستكشاف، الإنتاج أو التكرير، أو مؤسسات سورية أو مملوكة لسورية تعمل في تلك القطاعات خارج سورية، أو إنشاء أي مشروع مشترك مع شركة في سورية تعمل في قطاعات صناعة النفط السورية في الاستكشاف والإنتاج أو التكرير ومع أي مؤسسة فرعية أو تابعة تحت سيطرتهم.

وقد اشترط القرار لتنفيذ ما ورد أعلاه التالي:

ــ أن يتم التشاور مع «الائتلاف الوطني السوري» المعارض والقوى الثورية مقدّماً من قبل الدولة العضو المعنية.
ــ أن تكون الأنشطة المعنية ليست لصالح شخص أو كيان، بشكل مباشر أو غير مباشر، مشار إليه في المادة 25 (1).
ــ أن تكون الأنشطة المعنية لا تخرق أياً من المحظورات المنصوص عليها في هذا القرار، ويتعين على الدولة العضو المعنية إبلاغ الدول الأعضاء الأخرى عن أي إذن ممنوح لذلك.

خنق الإنتاج والتوريد

ترتّب على تلك العقوبات والقرارات الغربية، أضرار كبيرة لحقت بالصناعة النفطية والغازية، وسرقة التجهيزات والمعدات والنفط الخام. فقرار مجلس الاتحاد الأوروبي رقم CFSP/186/2013 تاريخ 22/4/2013 موضوع تعديل القرار CFSP/739/2012 بشأن التدابير التقييدية ضد سوريا (إجازة سرقة النفط)، شجّع المجموعات المسلحة على توسيع اعتداءاتها على آبار النفط والغاز والمنشآت النفطية والغازية، ولا يمكن تقدير نتائج هذا القرار حالياً بالنظر لأن الضرر الأكبر سيصيب الطبقة المنتجة، والتي قد تتخرّب كلياً نتيجة فتح الآبار بشكل عشوائي.

لكن الملاحظ حالياً هو الأثر البيئي الرهيب سواء على الطبيعة أو الإنسان، حيث انتشرت الأمطار الوبائية المرتبطة بعمليات التلوث نتيجة السرقة أو نتيجة التكرير البدائي للنفط.

وبحسب تقديرات «المركز السوري لبحوث السياسات» في تقريره الصادر منذ أيام فإن «الإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز قُدّر بحوالى 9.9 مليارات دولار أميركي خلال الفترة الواقعة بين عامي 2011 و2019»، مشكلاً بذلك نحو 2% من إجمالي الخسائر الاقتصادية المقدّرة للأزمة السورية منذ عام 2011 وإلى نهاية العام الماضي.

كما أن القرار المتضمّن حظر التعامل مع المؤسسة العامة للنفط، وإعلان «القوة القاهرة» من قبل الشركات النفطية الأجنبية، دفع هذه الشركات للتذرّع باعتبار هذه العقوبات قوة قاهرة بموجب المادة 22 من العقود نظراً إلى كونها خارجة عن إرادتها وتمنعها من تنفيذ التزاماتها العقدية، لذلك علّقت أعمالها وأوقفت جميع مساهماتها كتقديم التمويل اللازم والإدارة المالية والفنية، وكذلك تم توقيف أعمال الاستكشاف والتنقيب عن النفط في العقود المبرمة مع الشركات التي ما زالت في مرحلة الاستكشاف، وهذا ما جعل الحكومة تتكبّد دفع مبالغ مالية تزيد عن 20 ــــ 30 مليار ليرة سورية سنوياً لتمويل الشركات العاملة والمنتجة للنفط والغاز.

أما القرار الخاص بمنع تصدير النفط الخام، وحظر شراء أو استيراد المنتجات النفطية، فقد أدّى إلى توقف الواردات المالية من القطع الأجنبي للحكومة، وتأثيره المباشر على الاقتصاد، وانخفاض الإنتاج في الحقول المنتجة من 380 ألف برميل/يوم إلى 210 آلاف برميل/يوم، أي بخسارة حوالى 17 مليون دولار أميركي يومياً. وقد توقف لاحقاً الإنتاج نتيجة تعديات المجموعات المسلحة.

ولم يكن توقف العمليات المالية والمصرفية من تحويل قطع وتمديد أو تجديد أو إصدار كفالات مصرفية بأقل ضرراً، إذ عانى القطاع النفطي خلال السنوات السابقة من مصاعب كبيرة في فتح الاعتمادات المستندية بهدف توريد مستلزمات العمل من معدات ومواد الإنتاج في قطاع النفط والغاز، نتيجة للعقوبات المفروضة على مصرف سوريا المركزي والمصرف التجاري السوري.

*زياد غصن – الاخبار