اميركا ودعواتها ايران للحوار.. دلالات التوقيت والتراجع

العالم – تقارير

فالرئيس الاميركي دونالد ترامب وصف اللقاء بالإيرانيين بأنه "سيكون جيداً لهم، وجيداً لنا، وجيداً للعالم أجمع، خاصة إذا استطعنا أن نفعل شيئاً ذا مغزى لا يكون إهداراً للورق مثل الاتفاق النووي السابق"، على حد زعمه.

كذلك فإن غريت ماركيز، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الإميركي، أكد أن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الإجراءات لإلغاء الحظر على ايران، وإعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بالكامل والسماح لها بتطوير التكنولوجيا، وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني بالنظام الدولي الجديد!

ايضا، وبعد الرفض الايراني لدعوة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للحوار مع طهران جددت الخارجية الأمريكية، التاكيد على ان واشنطن مستعدة لإجراء محادثات مع إيران دون شروط مسبقة.

وهذا ما جاء على لسان المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، هيثر نويرت التي اكدت ان واشنطن لم تتلقى أي اتصالات من الجانب الإيراني عقب دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاء نظيره الإيراني حسن روحاني، مشيرة الى انه لا يوجد أي اجتماعات مجدولة مع الإيرانيين حتى الان.

نويرت اكدت تطابق وجهات النظر بين وزير الخارجية مايك بومبيو وترامب حول دعوة التفاوض مع إيران دون شروط مسبقة، نافية وجود اي خلافات بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية بهذا الصدد.

الردود الايرانية على دعوة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للقاء المسؤولين الايرانيين  انهالت تباعا حيث قال وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف في تغريدة على تويتر انه ينبغي لأميركا ألا تلوم إلا نفسها لإنهائها المحادثات مع طهران عندما انسحبت من الاتفاق النووي، مشددا على ان التهديد والحظر والخداع الاعلامي اساليب عقيمة تتبعها اميركا للضغط على ايران.

بينما جاء رد الحرس الثوري صارما على لسان قائده محمد علي جعفري، حيث اكد ان الشعب الايراني لن يسمح لمسؤوليه بالتفاوض مع الشيطان الاكبر، مشيرا الى اَنّ ايران ليستْ كوريا الشمالية واَنّ المسوولينَ الايرانيين يعرفونَ جيداً هذه السناريوهاتِ المخادعة.

فيما اكد وزير الداخلية الايراني عبدالرضا رحماني فضلي انسحاب اميركا من الاتفاق النووي يدل على عدم امكانية الوثوق بها، مشيرا الى ان مؤامرات الاعداء ضد ايران جارية على ثلاثة مستويات وتشمل التهديدات العسكرية والعقوبات الاقتصادية واثارة التوترات والاستياء الاجتماعي.

من جهته صرح مستشار الرئيس الايراني، حسام الدين آشنا، بانه على اميركا اولا وقف حربها الاقتصادية ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية ثم طلب التفاوض معها.

ويأتي السؤال هنا، لماذا هذا التراجع في الموقف الاميركي بعد كل التهديد وفرض الحظر والانسحاب من الاتفاق النووي… إلى دعوة صريحة للحوار بدون شروط، خاصة وانها تأتي بعد ايام قليلة من التهديدات؟

المراقبون يقولون ان استراتيجية ترامب باتت معروفة لأي مبتدىء في علم السياسة، بأنه يصعد تهديداته أملا في إرهاب الخصم، لجره إلى مائدة المفاوضات، نزولاً عن الشجرة العالية التي صعد إليها، فهو لا يجرؤ على خوض الحروب التي تكلفه ودولته وحلفاه الكثير جدا.

هذا الانقلاب في موقف ترامب وإدارته جاء بعد أن أدرك جيدا بأن التهديدات التي أطلقها بخنق إيران اقتصاديا، والتلويح بالحرب ضدها، وتأسيس "حلف ناتو عربي" تكون "إسرائيل" العضو التاسع فيه، استعداداً للهجوم عليها، لم ترهب الإيرانيين مطلقاً، وجاء ردهم عبر التحذير بأن نصف صادرات النفط في العالم تقع تحت رحمة ايران وحلفائها وصواريخهم، وتهديدات ايران بإغلاق المضائق البحرية ان تم الاعتداء عليها او على صادرات نفطها.

كما جاء الرد الايراني على ترامب من الرئيس الايراني ومن قائد فيلق قدس الجنرال قاسم سليماني ومن قادة كبار آخرين في حرس الثورة الإسلامية.

ترامب، لا يستأسد إلا على العرب، وفي المنطقة الخليجية فقط، حيث يرضخون لإملاءاته، ويطيعون أوامره، ويلبون كل مطالبه المالية الابتزازية، ومعايراته بالحماية دون أي مقابل، إيثاراً للسلامة فقط، وتطبيقاً لنظريته بأنهم لا يستمرون أسبوعاً في الحكم دون الحماية الإميركية.الرئيس روحاني قال إنه رفض ثمانية عروض للقاء الرئيس ترامب، لأنه لا يثق برجل لا يحترم توقيعه، بعكس زعماء عرب يستجدون لقاء ترامب. العرب الذين يستجدون لقائه، وبين نظرائهم الإيرانيين.

كذلك فإن سياسية العنجهية لدى ترامب اوصلته الى خلافات كبيرة مع الاتحاد الاوروبي والصين وروسيا وكندا والمكسيك، وايضا استياء شعبي كبير في بريطانيا وغيرها من الدول..

اما تركيا التي كانت حليفة للولايات المتحدة، فتصر على عدم الامتثال لاجراءات الحظر التي يريد ترامب فرضها على ايران، وتأكيدها انها ستواصل التعامل مع ايران وشراء النفط والغاز منها، وتتعامل تجريا معها.

ايضا فان الادارة الاميركية هددت تركيا بفرض عقوبات شديدة بسبب احتجازها للقس الاميركي الذي تتهمه انقرة بدعممه للانقلاب الفاشل الذي حدث العام الماضي بتركيا، وبذلك تتجه تركيا شيئا فشيئا الى جانب ايران وروسيا.

وسبق ذلك تأكيد دول الاتحاد الاوروبي على انها ستلتزم ببنود الاتفاق النووي مع ايران، الذي خرجت منه الولايات المتحدة، اي بمعنى انها ستتعامل تجاريا مع ايران رغم الاجراءات الاميركية.

الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، قَبِلَ دعوة نظيره الإميركي للحوار، وذهب إلى قمة سنغافورة مرفوع الرأس، وتوقع الكثيرون من الشامتين أن يرضخ ويرفع الراية البيضاء، وها هي صحيفة "الواشنطن بوست" الإميركية تكشف أنه بدأ تطبيق برامج صاروخية جديدة أقوى بكثير من تلك التي تزدحم بها ترسانته العسكرية، ويمكن أن تضرب العمق الإميركي بفاعلية أكبر، ولم نسمع كلمة واحدة من ترامب الذي ابتلع لسانه، وتحلى بفضيلة الصمت.

كل هذه العوامل وغيرها جعلت امريكا في زاوية حرجة لم تعتد عليها سابقا، بالاضافة الى فشل الضغوط على ايران في تحقيق المآرب الاميركية وحلفائها.

الأمر المؤكد أن أعضاء حلف الناتو العربي الذي أمر ترامب بتشكيله، بالتنسيق مع نتنياهو، لشن حرب على إيران، يتصببون عرقا وهم يتابعون هذا الانقلاب في موقف معلمهم ترامب، وبسطه يد الحوار مع طهران ودون شروط، ولعلهم سيضربون كفاً بكف ندماً على انهيار رهاناتهم بهجوم إميركي إسرائيلي يدمر إيران، ويعيدها إلى العصر الحجري مثلما يأملون، وعلى إنفاقهم مئات المليارات لشراء طائرات وصواريخ استعداداً للمشاركة في هذا الحدث العظيم.

هذا هو دهاء الأكاديمية الإيرانية وما تحمله في طياتها من أصول الكبرياء والكرامة وعزة النفس، التي قل نظيرها في المنطقة..