كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

بثينة شعبان: ملامح عالم جديد

العالم – مقالات وتحليلات

فمنذ الحرب العالمية الثانية وبعد أن تقاسم الغرب مفاتيح التحكم في العالم وبعد أن قدّم نفسه للجميع على أنه المثال الأنموذجي في الحكم والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين البشر، بحيث وصل هذا الموقف حداً أن الغرب قد سعى إلى عولمة وإعادة ترتيب العالم، ليكون على شاكلته ولتنتهي بعد ذلك كلّ أزمات الحكم والدول والشعوب في قبضته، يقرر لها ما يناسب مصالحه، تمّ تكريس هذا المفهوم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، وتمّ حل حلف وارسو مع بقاء الناتو قوة عدوانية ضاربة وحيدة، وبقاء الولايات المتحدة القوة الامبريالية العظمى الوحيدة في العالم تجرّ بأذيالها الدول الاستعمارية القديمة الأوروبية التي بقيت تابعة لها في كلّ القرارات الدولية حتى وقت قريب، ولكنّ الانتخابات الأميركية الأخيرة، والأحداث المتسارعة التي تلتها بدأت تكشف عمق عيوب هذا النظام الأميركي والغربي، وهشاشته من الداخل.

في الحقيقة فإن وصول دونالد ترامب ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون كمرشحين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة، هو بحدّ ذاته تعبير عن أزمة النظام في الولايات المتحدة، لأن معظم الذين صوتوا لترامب قد فعلوا ذلك لسبب جوهري أنهم لا يريدون وصول داعية الحرب، والعدوان هيلاري كلينتون، وكأني بالشعب الأميركي يقول: «هما أمران أحلاهما مرّ»، ولذلك كانت نسبة الأميركيين الذين مارسوا حق الاقتراع نسبة منخفضة بشكل غير مسبوق، وتشير الدراسات أنها لم تتجاوز الـ15بالمئة من الشعب الأميركي، وهذا أمر يدل على إخفاق النظام السياسي الأميركي، وعدم تمثيله للشعب الأميركي.

لذلك وبدلاً من الاستغراب المستمر مما يقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون من الأجدى أن نتذكّر أن هذا الرئيس هو نتاج ذلك النظام الذي أرادوا أن يعممّوه على العالم برمته، وأصبح أي حكم لا يشبه الحكم الليبرالي الغربي، إما متهماً بالاستبداد، وإما عليه أن يكون خاضعاً لذلك الأنموذج الغربي الذي يزعمون أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.

لقد أخذت العولمة تفرض حتى المشرب والمأكل، وأساليب العمل، والتصرّف كي يتم هذا تحت لافتة كاذبة تزعم أنها تنشر الديمقراطية، وحقوق الإنسان، مع أن مراجعة سريعة لتاريخ ما قامت به الولايات المتحدة تكشف عن جرائم بشعة ارتُكبت بحقّ الشعوب، وذهب ضحيتها ملايين البشر وتسببت باندثار حضارات، وثقافات كاملة عن وجه البسيطة، من هيروشيما وناغازاكي إلى حروب فيتنام، وكوريا وكمبوديا، وأميركا اللاتينية، وأفغانستان، ويوغسلافيا، والعراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، هذا إذا لم نذكر دور الولايات المتحدة في إبادة الحضارات الأصلية على أرضها، ودروها الجوهري في مأساة شعب فلسطين وتشريده واغتصاب أرضه وحقوقه.

إن ما نشهده اليوم من انكشاف لحقيقة الدور العدواني الأميركي في العالم، وبداية انهيار ركائزه، يجب أن يشكّل مصدر سعادة لنا وللبشرية جمعاء، لأن هذا الدور العدواني الدموي الذي أتى بالكوارث على البشرية ينكشف اليوم على حقيقته أمام أعين الجميع بحيث يصبح العمل الدولي المنطقي ممكناً، ولو بعد حين.

في الآونة الأخيرة وبعد الاتفاق النووي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومجموعة الخمسة زائد واحد، وبعد اعتراض ترامب على هذا الاتفاق، أخذت بوادر الفرقة تظهر لأول مرّة بين الدول الأوروبية من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، فقد اتهمت الولايات المتحدة إيران بأن الصاروخ البالستي الذي أطلق من اليمن على السعودية هو صاروخ إيراني، ولكنّ الأمم المتحدة سارعت إلى نفي ذلك، وحين اتخذ ترامب قراره باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل وقفت دول مجلس الأمن برمتها بما فيها بريطانيا وفرنسا، ضد هذا القرار، وبدت الولايات المتحدة معزولة على الساحة الدولية، وتأكد هذا ثانيةً من خلال التصويت على القرار نفسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

مؤخراً وبعد التظاهرات في إيران، أرادت الولايات المتحدة أن تنقل شأناً داخلياً إيرانياً إلى مجلس الأمن، الأمر الذي قوبل بالصمت أو الاستهجان حتى من الدول الحليفة للولايات المتحدة تاريخياً لأنه يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، ويقوّض الأسس التي قام عليها مجلس الأمن.

ما يمكن قوله هنا هو أن أزمة الحكم الداخلية الأميركية قد انتقلت إلى مستوى دولي آخر، وأنّ انحدار الولايات المتحدة كقوة عدوانية عظمى، قد أصبح أمراً واقعاً لا جدال فيه، أي إننا نشهد انهيار النظم السياسية التي تمّ تأسيسها من «المنتصرين» بعد الحرب العالمية الثانية، على حين تعمل الصين وروسيا ودول أخرى، لإرساء أسس تحتفظ من خلالها البلدان بهويتها وثقافتها، وتتعاون على العمل بشكل متكافئ، وبنديّة واحترام بين الدول على أساس القوانين الدولية.
إن ما نشهده اليوم هو حالة صحيّة قد لا تتيح للولايات المتحدة مرة أخرى اتهام بلد بحيازة أسلحة الدمار الشامل، وشنّ حرب عليه من دون أدنى دليل، كما فعلت بالشعب العراقي، وقد لا تتيح لها في المستقبل اتخاذ إجراءات قسرية أحادية الجانب كما فعلت بحق الشعب السوري، وقد نكون اليوم في مسار مراجعة كلّ الوبال والخراب، الذي سببته الولايات المتحدة وقوتها العسكرية على العالم ونخطّ تاريخاً جديداً للإنسانية يصبح فيه الاختلاف بين الحضارات والثقافات نعمة، وتصبح العولمة والعنف والإرهاب والليبرالية المرافقة لهما، شيئاً من الماضي لا يرتضيها أحد لبلده أو لنفسه.

ما يحدث اليوم يدعو للتفاؤل والعمل الجاد، كما تعمل الصين وروسيا والهند وجنوب إفريقيا، ودول أخرى، علينا جميعاً أن نعمل ونشارك في إعادة صياغة هذا العالم الجديد بعد أن أصبحت الهيمنة الغربية في حالة انحدار أكيد، وربما سقوط قريب.

بثينة شعبان 

2-10