تمخضت ورشة كوشنر فولدت فأرا

العالم – البحرين

الاجتماع الذي لا يمكن بوصفه الا بالفشل لم يخرج بجديد فوق ما نشرته الإدارة الأميركية حول الخطة الاقتصادية على موقعها الإلكتروني، التي تتضمن حوالي 100 صفحة، تعكس إلى حد كبير جهل الفريق الأميركي بالسياسة والاقتصاد أيضا.

وتتضمن الخطة التي ستطبق على مدار عشر سنوات جمع 50 مليار دولار، وستوزع على النحو الآتي: الضفة الغربية وقطاع غزة 27.813 مليار؛ مصر 9.167 مليار؛ الأردن 7.365 مليار؛ لبنان 6.325 مليار.

أما عن تمويل الخطة فسيكون 13.380 مليار منح؛ و25.685 مليار قروض مع فوائد، و11.6 مليار من القطاع الخاص، مع أنه لا يدعم وإنما يستثمر إذا وجد بيئة مناسبة وممكنة للربح. كما تزعم الخطة أنها ستضاعف الإنتاج المحلي الإجمالي الفلسطيني، وتوفر مليون فرصة عمل، وتقلل البطالة إلى أقل من 10%، وستخفض معدل الفقر بنسبة 50%.

ويتضح من طريقة الطرح للخطة والبنود جهل اقتصادي وعملية قرصنة الهدف منها تكبيل أكثر للاقتصاد الفلسطيني، على غرار دول أخرى في المنطقة وقعت اتفاقيات سلام مع الاحتلال الإسرائيلي وكانت الوعود انها ستصبح دول اقتصادية متقدمة والنتيجة انها وقعت في فخ كبير وباتت دول تعتمد على المعونات وتعاني أزمات اقتصادية طاحنة.

كما تحاول الإدارة الامريكية اغراء الفلسطينيين بأموال أكثر من نصفها قروض وفوائد وفي حال وجد من سيمول القروض فإن كاهل الفلسطينيين سيثقل بالديون لسنوات طويلة قادمة ما يعني ان الاقتصاد الفلسطيني سيعاني مزيد من التكبيل والقيود.

لكن صوت الرفض للصفقة وورشتها الاقتصادية، كان عاليا لاسيما من مسؤولين وحركات عربية، ولم يجعل لضجيج تلك التصريحات طحينا.

وظهر ذلك عبر تجمع العشرات في تونس، أمام سفارة البحرين لدى البلاد، وتنظيم فصائل وقوى وطنية وإسلامية فلسطينية، بغزة، وتأكيد من رئيس وزراء لبنان "سعد الحريري"، ولجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي، على رفض صفقة القرن.

ووصل الأمر إلى تأكيد فلسطيني بأن ورشة المنامة فشلت، حسب توصيف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، "حنان عشراوي"، في مؤتمر صحفي برام الله.

وذهبت صحيفة "الغارديان" البريطانية في افتتاحية الثلاثاء، إلى القول بأن الخطة الاقتصادية التي طرحها جاريد كوشنر، "مسرحية هزلية"، تستحق "الاستقبال الساخر" الذي لاقته.

وقالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، إنه يمكن اعتبار ورشة البحرين قد فشل، نظرا للإمكانية القليلة لتنفيذ مخرجاته. وأكد، أن الفلسطينين يرفضون فكرة تقديم حوافز أو "رشوات" اقتصادية دون حل سياسي وخطة شاملة، بالرغم من ذلك استمر الورشة حول إمكانية جمع 50 مليار دولار للأراضي الفلسطينية.

ورفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في ورشة البحرين، ودعت البلدان العربية لمقاطعتها، متهمة الولايات المتحدة، بتنفيذ الخطوات العملية لـ"صفقة القرن"، بدءا بالشق الاقتصادي.

وحتى ضجيج "كونشر "عن استبعاد مبادرة السلام العربية لم يفلح ولم يخرج بنتيجة، حيث جدد رئيس السلطة الفلسطيني "محمود عباس"، والملك الأردني "عبد الله الثاني"، الأربعاء، في اتصال هاتفي، تمسكهما بمبادرة السلام العربية، القائمة على رؤية حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية).

وراى المتحدث باسم السياسة الخارجية للمجموعة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاشتراكي في البرلمان الألماني نيلز شميد أن "محاولة استخدام وعود مالية غامضة لإثناء الفلسطينيين عن فكرة وجود دولة لهم قد فشلت تماماً، حتى إسرائيل نفسها بدت حذرة بشكل ملحوظ سواء حيال الخطة أو مؤتمر البحرين" متوقعاً ألا ينجم عن الخطة بأكملها أي شيء.

واكد مهند الحاج علي، الباحث بمركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت، على أن "الفلسطينيين أثبتوا على مدار خمسة عقود منذ هزيمة حزيران 1967 أنهم مستعدون للانتظار والتضحية في سبيل تحقيق ما يريدون، ولا أعتقد أن مثل هذا النوع من التنازلات مقبول أبداً من جانبهم، رغم تقديمهم لتنازلات سابقة من خلال اتفاقية أوسلو أو غيرها. لكننا هنا نتحدث عن أمر مختلف فهذا إقرار تام بالهزيمة المختلطة بالمهانة، فلا دولة فلسطينية ولا عودة للاجئين وتوطين في دول أخرى مقابل بعض الأموال والمشاريع".

من جانبه قال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن "الخطة تطرح مشاريع في الدول العربية بهدف رمي قطاع غزة في حضن مصر، ودفع مصر والأردن للموافقة على التوطين، وإقامة مشاريع طرق وسكك حديد تدمج إسرائيل بالمحيط العربي، وتستجيب لاحتياجاتها."

وأضاف في مقال له "تمخضت صفقة ترامب فولدت فأرا". فالمبلغ المستهدف جمعه في ورشة المنامة حتى إن تم جمعه ليس مغريا على الإطلاق، وهو محاولة لتطبيق أوسلو (2) بحلة جديدة تعطي شرعية للاحتلال من دون عملية سياسية. فقد مولت الدول المانحة السلطة الفلسطينية منذ قيامها بأكثر من 35 مليار دولار، وانتهت القصة بتمويل الاحتلال وجعله احتلال خمسة نجوم وموت العملية السياسية".

وأشار إلى أنه لو كان السلام الاقتصادي يمكن أن ينجح لنجح خلال عشرات السنين، فقد حاول تطبيقه موشيه دايان وإسحاق رابين في السبعينيات، وشمعون بيرس في الثمانينيات والتسعينيات، وجون كيري في العام 2014، ويحاول نتنياهو تطبيقه منذ أكثر من عشر سنوات. فجذر الصراع سياسي ووطني، ويتعلق بحقوق الفلسطينيين وتطلعاتهم الوطنية، وسعيهم للحرية والعودة والاستقلال والعدالة والمساواة، ولا يمكن أن يوافقوا على بيع ذلك بأي مبلغ من المال.

ويرى المصري أن الخبرة الطويلة دللت على أن وعود تحسين مستوى الحياة والازدهار التي رافقت ما سمي "عملية السلام" منذ زيارة الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات للقدس، وتوقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية، ثم توقيع اتفاقية أوسلو ومعاهدة وادي عربة، لم تحقق شيئا، بل أصبحت الأطراف العربية التي شاركت فيها في وضع أسوأ مما كانت عليه بكثير.

وذلك وفقا لتوصية التي رفعها عدد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية إلى صناع القرار في إسرائيل الذين أخذوا بها، أكدت ضرورة إبقاء العرب، حتى "المعتدلين" والذين وقعوا معاهدات سلام مع إسرائيل، ضعفاء ومشرذمين وتابعين، لأنهم قاموا بذلك نتيجة لضعفهم، وأنهم سيسحبون الاعتراف بإسرائيل ما أن يشعروا بالقوة.

ويمكن اعتبار ان ورشة البحرين فشلت في تمرير صفقة القرن او الضغط على الفلسطينيين للقبول سواء بالمقترحات الاقتصادية او الحلول السياسية.

لكن ما سبق لا يعني أن إدارة ترامب لم تحقق شيئا، بل تسعى لتطبيع العلاقات الإسرائيلية العربية من دون التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية بل على حسابها، الصفقة ستفشل في تصفية القضية، ولكنها نجحت في تكريس الحقائق الاحتلالية، وجعلت النضال الفلسطيني أصعب، ما يوجب ردا فلسطينيا لا يكتفي بموقف الرفض المعلق بالهواء، وإنما يبني على الأرض بديلا متكاملا سياسيا جماهيريا إعلاميا اقتصاديا قانونيا كفاحيا سيكون قادرا على إفشال المخططات المعادية، والتقدم على طريق تحقيق الأهداف والحقوق الفلسطينية.