تونس تحتج وتحتفل في ذكرى انتصار الثورة!

العالم_تقاریر

أربعة أسابيع من الاحتجاجات الشعبية العارمة في تونس، والتي بدأت بإحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على استهداف مصدر رزقه من قبل الشرطة البلدية في ولاية سيدي بوزيد، كانت كافية لإنهاء حكم استمر 23 عاما للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، الذي اضطر لمغادرة البلاد تاركا إياها في حالة هي خليط من الغليان والفلتان.

وفتحت الإطاحة به الباب على مصراعيه أمام تغيير جذري وكامل للمشهد السياسي الذي اتسم في عهده بانغلاق تام، حيث غُيبت المعارضة الحقيقية وهيمن حزب التجمع الدستوري الديمقراطي على الحياة السياسية في البلاد.

ففي يوم 18 ديسمبر 2010 خرج آلاف التونسيين الرافضين لما اعتبروه أوضاع البطالة وعدم وجود العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم. أدى ذلك إلى اندلاع مواجهات بين مئات من الشبان في منطقة سيدي بوزيد وولاية القصرين مع قوات الأمن لتنتقل الحركة الاحتجاجية من مركز الولاية إلى البلدات والمدن المجاورة كالمكناسي والرقاب وسيدي علي بن عون ومنزل بوزيانو القصرين وفريانة ونتج عن هذه المظاهرات التي شملت مدن عديدة في تونس عن سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادمهم مع قوات الأمن، وأجبَرت الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون، كما أعلن عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014 .

كما تم بعد خطابه فتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد 5 سنوات من الحَجب، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضاً طفيفاً. لكن الاحتجاجات توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية مما أجبر الرئيس بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ بحماية أمنية ليبية إلى السعودية يوم الجمعة 14 يناير 2011.

فأعلن الوزير الأول محمد الغنوشي في نفس اليوم عن توليه رئاسة الجمهورية بصفة مؤقتة وذلك بسبب تعثر أداء الرئيس لمهامه وذلك حسب الفصل 56 من الدستور، مع إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول. لكن المجلس الدستوري قرر بعد ذلك بيوم اللجوء للفصل 57 من الدستور وإعلان شغور منصب الرئيس، وبناءً على ذلك أعلن في يوم السبت 15 يناير 2011 عن تولي رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت إلى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال فترة من 45 إلى 60 يومًا. وشكلت الثورة التونسية المفجر الرئيسي لسلسلة من الاحتجاجات والثورات في عدد من الدول العربية.

لاحظ الجميع الصمت العربي الشامل تقريبا لمدة 48 ساعة بعد تنحي زين العابدين بن علي ولم نسمع تعليقات لمعظم الزعماء العرب إلا بعد هذين اليومين وخرجت في مجملها واحدة، والسبب في هذا التأخر هو صدمة الحدث والذهول الذي أصاب الزعماء العرب الذين تخيل كل منهم نفسه في هذا الموقف.

ولكن السبب الأهم والأساسي هو انتظار الرأي الأمريكي والفرنسي لأن معظم الزعماء العرب لا يأخذون قراراتهم إلا بعد الاطمئنان أنها ليست ضد التيار الأمريكي. وفى الحالة التونسية كان من الضروري الانتظار للقرار الفرنسي كذلك. وبالتالي خرجت البيانات العربية متفقة ومطابقة للبيان الأمريكي والفرنسي.

الثورة التونسية شهدت العديد من النتائج على المستويين الداخلي والخارجي:

فعلى المستوى الداخلي كانت أهم هذه النتائج هي كسر حاجز الخوف الذي أكد بأن الشعب قادر على الفعل متى أراد طالما وجد الأمل والإصرار، بالإضافة إلى التطور الواضح في السياسة الإعلامية التونسية حيث بدأت الوسائل الإعلامية المختلفة تدرك جدية رسالتها وتعمل على طرح العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي كانت منذ وقت قصير من الممنوعات والمحرمات وتصل إلى حد الكبائر. وأضحى القارئ للصحافة التونسية اليومية يتابع تحقيقات وأخبار وأحاديث صحفية تقربه من شواغله وتفتح له أبواب التقائه بالمسئول وبالحدث وبالتالي تأتى الصراحة والشفافية في التعامل بين المؤسسات من ناحية والمواطن من ناحية أخرى.

هذا بالنسبة لبعض النتائج التي تحققت على المستوى الداخلي.

أما على المستوى الخارجي فقد كان للثورة التونسية تأثير كبير على العديد من الدول ليست العربية فقط وإنما امتد إلى الصين أيضا و التي قامت بتعديل الدستور الصيني هذا بالإضافة إلى نتائج الثورة التونسية على الدول العربية التي نشرتها معظم الوسائل الإعلامية وأصبحت حديث هذه الوسائل وأهمها بالطبع ما حدث في مصر من تنحى الرئيس مبارك عن السلطة, ومحاولات القذافى في ليبيا لكسب الرأي العام من خلال توزيع الأموال والسكن والقروض من غير ضمانات على الشعب..وتوزيع ملك البحرين 1000 دينار لكل عائلة بحرينية، وإعلان الرئيس اليمني علي عبدالله صالح عدم ترشيح نفسه للرئاسة، ورفع قانون الطوارئ في الجزائر بالإضافة إلى قيام السلطات الكويتية بصرف منح مالية للشعب، وتم إقالة الحكومة الأردنية وتشكيل حكومة جديدة. هذا إلى جانب الكثير من النتائج التي ترتبت على ثورة الأحرار في تونس.

تونس تحتج وتحتفل في ذكرى انتصار الثورة !

اليوم الاثنين المصادف 2018/12/17 شهد الشارع التونسي احتفالات واحتجاجات في الذكرى ال8 لإنتصار ثورة الكرامة بمحافظة سيدي بوزيد، وسط تونس.

وتخلد مدينة سيدي بوزيد، ذكرى الحدث، هذا العام بندوات فكرية وأنشطة ثقافية وفنية ورياضية، بالإضافة إلى عدد من العروض الموسيقية والسينمائية، ويوم ترويجي للسياحة البديلة.

وشهدت المدينة الليلة الماضية، أجواء احتفالية لافتة، من خلال عرض للفرق الكشفية، تحت عنوان “مشاعل ثورة الحرية والكرامة”، شارك فيه العشرات من الشباب والأطفال، رافعين العلم التونسي، والعلم الفلسطيني الذي وشّح الشارع الرئيس وساحة الثورة.

وتفاعل أهالي المدينة مع العرض الذي اختتم بأداء النشيد الرسمي حول مجسم عربة البوعزيزي، التي كانت متنفسًا للأطفال الصغار الذين توافدوا مع عائلاتهم، لالتقاط صور تذكارية.

من جانب آخر خرج عدد من العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا في معتمديات ولاية سيدي بوزيد بتونس، في مسيرة احتجاجية انطلقت من أمام مقر الاتحاد الجهوي للشغل بسيدي بوزيد وجابت عددا من شوارع المدينة ورفع المحتجون خلال هذه المسيرة شعارات تطالب بالتشغيل. وأفادت الكاتبة العامة للاتحاد الجهوي للمعطلين عن العمل بسيدي بوزيد، حياة عمامي، بأنه لم يتم تحقيق شعارات الثورة التونسية.

وقالت عمامي: "المطلب الأساسي الذي قامت عليه الثورة والشعار الأول الذي رفع بها هو 'شغل، حرية، كرامة وطنية'، إلا أنه وفي ذكراها الثامنة ما زال شباب الجهة وشباب تونس يعاني البطالة".

وطالبت المتحدثة بايجاد "حلول جذرية وعاجلة لملف التشغيل، خاصة أن أعدادا كبيرة من المعطلين عن العمل من حاملي الشهادات العليا تجاوزت سنوات بطالتهم العشر سنوات، بما يعتبر تعد صارخ على حقهم في العمل الذي يضمنه الدستور"، وفق تعبيرها.

وفي نفس السياق قال وزير الشؤون المحلية والبيئة التونسي، مختار الهمامي، هناك جملة من المبادئ يجب تثبيتها وتفعيلها بعد مرور هذه السنوات (8 سنوات على الثورة)، وهي الحق في التشغيل، وتقليص الفوارق بين المحافظات وإعطاء محافظة سيدي بوزيد المنزلة التي أسس لها الدستور.

ومن جانبه قال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي ضرورة إيجاد الحلول، وتمتيع أعوان الوظيفة العمومية بزيادة محترمة في أجورهم تمكّنهم من مجابهة غلاء الأسعار والوضع المعيشي المتردي.

و أكّد الطبوبي أنّ اتّحاد الشغل لا يزال يؤمن بالمطالب الأساسية التي ثارَ من أجلها الشباب، والوضع الحالي يتطلب الواقعية وتحمّل الالتزاما.

وأشار الطبوبي إلى أن اتّحاد الشغل بصدد الإعداد والتأطير للإضراب العام في الوظيفة العمومية والقطاع العام المقرر يوم الـ17 من كانون الثاني/ يناير 2019.

وكان الاتحاد العام التونسي للشغل، دعا أمس الأحد، المواطنين في المدينة، إلى عطلة محلية، بمناسبة الاحتفالات.

وما زال التونسيون ينتظرون ثمار ثورتهم، في ظل فشل الحكومات المتعاقبة بتجاوز العراقيل، أمام عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.