‘جبهة النصرة’.. إعادة تدوير أم اعتدال مقنع؟

العالم-تقارير

كورونا ذلك الوباء الذي اتم تمدده في مختلف دول العالم، وعزل الملايين في بيوتهم، وقضى على مستقبل سياسيين، اطاح بالمجموعات المسلحة ارضا جراء ارتفاع حرارة الخلافات الناشئة بينهم، وحمّلوا الجائحة العالمية، مسؤولية خلافاتهم فالفيروس الذي وزع الوباء على العالم، حمل السبب في استقالة العديد من قادة جبهة النصرة، في ظلم واضح له، فهو ليس السبب الرئيسي، وانما التهميش وسوء التعامل مع قادة النصرة هو السبب، وبحسب مصدر مطلع، فإن استقالة "جمال زينية" المدعو ابو مالك التلي، ابرز القياديين في جبهة النصرة، والمسؤول السابق للجبهة في جبال القلمون في ريف دمشق، جاءت عقب خلاف مع شخصيات مقربة من مسؤول الجبهة الملقب "أبو محمد الجولاني"، أحدها مع المدعو "مظهر ألويس"، وخاصة في ملف "العدل" وتعيين "قاضٍ" يأتمر بأمره. كما أشار "المصدر" إلى أن "التلي" هُمّش في الفترة الأخيرة بشكل كبير من قبل "الجولاني"، إذ لم يعد يستشار ويؤخذ برأيه، الأمر الذي كان يزعجه،
وشهدت السنوات الماضية صراعاً بين تيارات "جبهة النصرة" بعد رفض الكثير من قادة الارهابيين الاتفاقات التركية-الروسية حول مصير إدلب وريفها.

الا ان سبب الاستقالة الحقيقي يأتي ضمن محاولة الجانب التركي لإعادة انتاج جبهة النصرة، عبر ابعاد الشخصيات الارهابية المتطرفة من قيادة الجبهة، وإخراج هؤلاء الارهابيين بمظهر المتوازن والمعتدل، وفق استراتيجية هي الأقرب الى حفلة تلميع لشخصيات وإنهاء شخصيات اخرى، والحديث الدائم عن سلوكيات جديدة للنصرة التي يراد لها من قبل تركيا ان تتحول الى جبهة ما تسميها المجموعات المعتدلة، لهذا يجب اعادة تصنيع تلك المجموعات على المقاس الامريكي عبر تركيا، وتسويقها كمكون اساسي من مكونات المناطق التي تتواجد فيها الى الان المجموعات المسلحة، ما يعني انهم سينضمون الى الحصة التركية المعترف بها أميركياً ومن قبل الغرب.

إن مقررات اجتماعات استانا احدثت تغيرات واسعة في الميدان العسكري، ومن خلفه الحراك السياسي الذي يبدو اليوم صاحب الثقل الأهم في صياغة مستقبل إدلب ومحيطها، وتتظاهر تركيا بعدم الخروج عن تلك التوافقات ومن بينها محاربة الارهاب، في محاولة من الجانب التركي تحييد الخيار العسكري لانهاء تواجد الارهابيين في تلك المنطقة، وبنفس الوقت تسعى تركيا ان تكون قادرة على التأثير في القرار السياسي حول ادلب، بالقوة نفسها التي كانت طيلة فترة الحرب عبر دعمها اللا محدود للارهابين، لذلك تعمل على تكتيك "تبديل بندقية الارهابيين من كتف لكتف" فبالنظر لقادة جبهة النصرة المستقيلين، نعلم تماما ان دورا قادما يحضر لهم، عبر تسمية جديدة ومنتج ارهابي جديد، قد يتعدى الحدود السورية، وذلك عبر دراسة الاسماء التي اعلنت خروجها من عباءة جبهة النصرة مثلاً، "أبو اليقظان المصري"، حيث يعتبر "المصري" أحد المسؤولين البارزين السابقين في "حزب النور السلفي" في مصر، قبل القدوم إلى سوريا مطلع 2013، والعمل "شرعياً" ضمن صفوف ما يعرف بـ"حركة أحرار الشام". وبعد ثلاث سنوات من العمل ضمن صفوف "أحرار الشام" فيما يسمى لواء "مجاهدون أشداء" انشق المصري عن الحركة في أيلول 2016، وانضم اللواء عقب انشقاقه إلى "جبهة فتح الشام" بالكامل (جبهة النصرة)، وكان يعمل في حلب. وكان "أبو اليقظان" أحد أبرز شرعيي الجناح العسكري في "تحرير الشام".

اما "أبو مالك التلي" واسمه الحقيقي جمال زينية، والذي شغل عقب تشكيل "جبهة النصرة في الشام"، منصب أميرها في القلمون الغربي، قياديٌّ "شرعي" وعسكري في العقد الخامس من العمر. أبو مالك كان من بين ستة موفدين أرسلهم أبو محمد الجولاني، بتكليف من أبو بكر البغدادي، بإمرة شخص يلقّب بـ"أبو العيناء"، اتّخذوا من مدينة القصير مركزاً لهم، ثم بدأوا بدعوة المسلّحين إلى مبايعة التنظيم. قُتِل أبو العيناء بعد وقت قصير، ليولّى "أبو البراء" الشامي إمارة النصرة في حمص، وإلى جانبه كان أبو مالك. كان هذا الثلاثي العصب الأساس الذي غرس البذرة الأولى لتنظيم القاعدة في محافظة حمص (إلى جانب الشيخ أبو جندل الحمصي الذي قُتل في مطار الضبعة في ريف القصير عام 2013) ومنذ بدء الشقاق بين النصرة وداعش في الميدان السوري، تميّز الفرع القلموني لتنظيم القاعدة عن أشقائه. ومع وصول أعمال القتل والتصفية المتبادلة إلى مستوى غير مسبوق، خرج أبو مالك التلّي ببيان يرى فيه أن كل من يعتدي على أحد من عناصر داعش كأنما يعتدي على جماعة التلي. أعطى ذلك انطباعاً بأنه يتمتع بهامش حرية مستقل عن القيادة المركزية، لجهة العلاقة مع تنظيم داعش. وعزز ذلك علاقة الصداقة التي تربطه بما يسمى مسؤول داعش السابق في القلمون أبو عبدالله العراقي الذي كان مسؤولًا عن خطف راهبات معلولا وجنود لبنانيين. وبعد معارك عرسال في القلمون، انتقل إلى إدلب في آب 2017، وأصبح عضو مجلس الشورى لـ"جبهة النصرة". ويحسب "التلي" على التيار التكفيري في النصرة، والرافض للاتفاق التركي- الروسي، إلى جانب القياديين "أبو الفتح الفرغلي" و"أبو اليقظان المصري" قبل استقالته، بالاضافة الى هذه الاسماء يبرز اسم طلحة الميسر "أبو شعيب المصري"، الذي فصله ما يسمى "تحرير الشام"، في تموز 2019، بعد خمسة أشهر من استقالة "الشرعي" البارز فيها "أبو اليقظان المصري". ونشر "تحرير الشام" بيانًا داخليًا، حينها، جاء فيه أن فصل "أبو شعيب المصري" جاء بسبب عدم التزامه المتكرر بسياسة "الجماعة"، وهناك ايضا "أبو العبد أشداء" الذي يعتبر من المسؤولين البارزين الذين كانوا في صفوف "جبهة النصرة"، وانضم إليها بعد انشقاقه عن "أحرار الشام" نهاية عام 2016، مع أكثر من 100 مقاتل في كتيبته "مجاهدون أشداء"، أغلبيتهم من حلب. وتولى قيادة الكتلة العسكرية لحلب المدينة، ثم أصبح مسؤولا إداريًا لما يسمى "جيش عمر بن الخطاب".

تصريحات التلي في بيان استقالته، عن تعطيل صلاة الجمعة، والاشارة الى الاعتصامات التي تنفذها جبهة النصرة على الطريق الدولي الواصل بين حلب واللاذقية، وهو المسؤول عن دماء سالت في سوريا واعمال ارهابية عديدة، في محاولة للعب على الوتر "الشرعي"، والتغطية على مشروع تركيا تفكيك جبهة النصرة عن اساسها التكفيري، والجميع يعلم ان المحاولات التركية، مع ابو مالك التلي شخصياً بدأت منذ مدة، وهذا الجهد التركي جعل أبو مالك التلي يعمل على تأسيس قوة عسكرية مستقلة عن الجولاني تحمل اسم "جيش الشام"، وتؤكد المصادر أن التلي دعا الشباب الآتين من حمص ومن القلمون للإنضمام الى الجسم العسكري الجديد حاصرا اعضاء جيش الشام المزمع انشاؤه بأبناء الشام وتحديدا أبناء مدينة حمص والمنطقة الوسطى وريف دمشق دون غيرهم، كل ذلك يأتي في خضم الكثير من التطورات السياسية والميدانية الهامة، واللعب التركي والامريكي على نغمة اعادة تصنيع الارهابيين.

*حسام زيدان