كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

حول اول دورة مسائية في قسم المسرح

حول اول دورة مسائية في قسم المسرح قبل ان تطأ اقدامنا بوابة كلية الفنون الجميلة في العام 1994 نصحنا احد اساتذة هذه الكلية بالحكمة التالية: – من لايعرف شيئا ولايعلم انه لايعرف شيئا، فهو غبي. – ومن لايعرف شيئا ولكنه يعلم انه لايعرف شيئا فهو متواضع، فعلموه. – ومن يعرف شيئا ولايعلم انه يعرف شيئا فهو نائم، فأيقظوه. – ومن يعرف شيئا ويعلم انه يعرف شيئا فهو حكيم، فأتبعوه. قلنا له: إذن، من نتبع؟ قال: اتبعوني انا وحدي الى (الكافتريا) فسأعطيكم دروسا شبه مجانية في قواعد الرسم من اجل ان تجتازوا اختبار القبول في هذه الكلية. وحينما عرف اننا نهوى المسرح، خاب مسعى هذا الاستاذ في استدراجنا لشباك صيده كما يفعل مع المتقدمين لهذه الكلية الفنية العريقة.. والطريف، اننا عرفنا فيما بعد بان هذا الرجل هو المسؤول الحزبي لهذه الكلية، وقد اجبرته ظروف الحصار اللعين وقتذاك على ممارسة هذه المهنة غير المشروعة اكاديميا وقانونيا. وحينما ولجنا بوابة الكلية، واجهتنا الحدائق الخضراء الممرعة بالحشيش والزهور وحواجز نباتات (الآس). هنالك، في مستطيل الحديقة الاولى شاهدنا طالبا يجلس فوق منضدة بوضع (اليوغا) من دون قميصه وبنطاله، وكأنه (بوذا) الصيني بعد ان تجرد من مسؤولياته الامبراطورية وتفرغ الى عزلته التاريخية وصياغة تعاليمه التي لاتقدر بثمن. وفي حديقة مربعة من سياج (الآس) جلس سادة او طلبة الدراسات العليا، معرضين بعضهم عن بعض، لان كل واحد منهم منشغل بالقراءة. في حديقة اخرى مسدسة الاضلاع من ذات الجدار النباتي جلس سيد او طالب آخر يغني.. وفي حديقة اخرى دائرية السياج، جلس استاذان معروفان من اساتذة هذه الكلية على كرسيين منفصلين: احدهم يلقي قصيدة لـ(البحتري) والآخر يضرب برجله – على ما يبدو – على القافية او الايقاع نفسه. قال احد افراد مجموعتنا، وهو الشاعر (خزعل الماجدي): ما هذه المتاهة يا اصدقاء؟ قال الثاني من ذات المجموعة (الراحل طالب السوداني): نعم، نحن في (حية ودرج) اشارة لديوان الخزعلي. وقال الثالث الراحل (حنين مانع): من يدري؟ هل في الكليات الاخرى غير هذه الحالة؟ وقال الرابع الراحل (عادل كوركيس): في كل كلية أمان، ولكن هذه الكلية ربما اكثر امانا من الكليات الاخرى. ولم انبس انا ببنت شفة، وكذلك (فيصل جواد) والراحل (قاسم مطرود) وصحبتي الاخرين، امثال: صبحي الخزعلي وزهير البياتي، وآخرين فقد آثرنا الصمت وقتذاك. وفي خضم هذه الكلية الصاخبة الغامضة المتفردة. كانت جولتنا في ذلك الزمن المحاصر قد تمثلت بوجود أجساد واعضاء سكنتها الروح وانارها الوحي، فوجودها مضطربة من الاندهاش ونظراتها ثملة من الحماس، ووجناتها ملتهبة من الهيام وحدقاتها متسعة من الطوبى، وقد صعق احدهم ارتياع لذيذ، وخرقت الآخر لذة مريعة، منهم من تبدل مظهره من الاعجاب، ومنهم من تجدد شبابه من الغبطة. رؤية شبه تاريخية، شبه اكاديمية، شبه بوليسية واجهتنا نحن السبعة المعروفين في المشهد الثقافي العراقي، حينما ملأنا استمارات الانضمام لكلية الفنون الجميلة في الزمن التسعيني المنصرم، كأي دورة اولى في الدراسات المسائية تبتدعها جامعة بغداد في زمن ليس بالمستطاع البتة على بكاء مسلات السنين. وبينما كادت تنفجر ارواحنا في ترتيل جذل وقد سحرها ذلك الائتلاف بين مباهج دنيوية وسحر سماوي عظيم، إذ كنا نسأل في متاهة الكلية عن اصدقائنا الاساتذة، امثال فاضل خليل (العميد) صلاح القصب (رئيس قسم المسرح) وعقيل مهدي (رئيس قسم التربية الفنية) وآخرين كمهند طابور وميمون الخالدي وعادل كريم، واذا بأستاذ غريب الاطوار، ضعيف البنية، سبط الشعر، جميل الملبس، يقول لنا: هلموا معي لم تتهافتون يا بشر على قسم المسرح، ودونكم قسمي الخاص بـ(التصميم) ففيه تجدون ذواتكم، وشيئا من طموحكم المستقلبي، ضمن اشياء عجيبة لاتعقلوها. فصاح الراحل حنين مانع: .. نحن نعرفك يا استاذ (عزام) كفنان معروف، ارجوك التبسيط. قال عزام: قسمنا من لحم مشوي، والسطوح مغطاة بالكعك، اما الممر فيتكون من الصوصج الحار، وفي السواقي يسيل الحليب، وعند هذه السواقي توجد اشجار عليها الخبز الطازج. ومن العيون يتدفق النبيذ والويسكي والشمبانيا ومقطر العرق، فما بالكم لاتنتمون الى قسمي المرهف. ما الذي يمنعكم يا اغبياء الى الانتماء الى قسمي الخاص بالتصميم الفني والحياتي والسيوسيولوجي والديمغرافي؟! فبادر الراحل طالب السوداني: .. يكفيك يا استاذ عزام من هذه الهذر. لقد نذرنا انفسنا لقسم المسرح فقط وأياك، ان تقترب منا! من عجائب الاختبار في قسم المسرح في ذلك العام، ان يجلس الاستاذ الراحل اسعد عبدالرزاق في مواجهتنا نحن الاصدقاء التسعة، مع ثلة كبيرة من ضباط الامن والمخابرات الذين اعجبنا تسللهم لدراسة المسرح في ذلك الزمن. وكان بجانبه ميمون الخالدي ومنعم خطاوي وسعدي الواسطي. واجهنا الاستاذ اسعد عبدالرزاق في البداية التالية، قائلا: – اختبارنا لكم يا جماعة، شبه شفوي، يتعلق بالالقاء والصوت والخطابة والتمثيل التي لابد منها جميعا. ثم تنحنح هذا الاستاذ القدير، قائلا: – سأحدثكم يا ابنائي عن الفصول الاربعة في العراق، وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء، قبل اختباركم جميعا حول قبولكم في قسم المسرح. واضاف: في الربيع يكون كل شيء اخضر، وفي المروج توجد الزهور. اما الصيف فيكن حارا وتنضج فيه الثمار. اما الخريف فتكون الاوراق صفراء، ويكون الجو سيئا، في الشتاء النهار قصير والليل طويل، ويكون الجو فيه باردا وتغطي الثلوج الحقول، وهنا انتهى كلام الاستاذ المعلم، بعدها سأل طالب السوداني: – قل لي يا طالب، متى يستطيع المرء ان يقطف التفاح؟ نهض السوداني، واجاب: عندما يكون الفلاح غير موجود في الحقل. والكلاب غير موجودة ايضا. والاغرب من كل ذلك كله، ان نجد زميلا آخر كان يعد نفسه لهذا الاختبار، إذ كان يحفظ من هذه الاسئلة الامتحانية واجاباتها الكثيرة، حينما كتب في ورقة نماذج من هذه الاسئلة واجابتها، ومنها: – من كتب هملت؟ وليم شكسبير. – من حكم انكلترا في ذلك الوقت؟ إليزابيث ملكة انكلترا. – بأي شيء عرف المسرح الانكليزي؟ بالممثلين المتجولين. – متى عاش شكسبير؟ من سنة 1564 – 1616. وعندما جاء يوم الامتحان، كان يدمدم مع نفسه والاسئلة والاجوبة التالية: – من كتب هاملت؟ .. وليم شكسبير – من حكم انكلترا؟ … وهكذا، .. وعندما نودي عليه في مواجهة الاختبار، تقدم خائفا، فسأله الاستاذ عبدالرزاق: ما اسمك؟ صاح: وليم شكسبير. ضحك الاستاذ اسعد عبدالرزاق واراد ان يختبر هذا الطالب بسؤال خارجي. – اي مهنة تعلمت؟ اجاب الطالب المذكور: مهنة ملكة اليزابيث في بريطانيا، اندهش الجلوس، وسألوه سؤالا خارجيا: كيف تهيأت للامتحانات؟ قال الطالب المذكور: بالممثلين المتجولين. قال عبدالرزاق، هذا عظيم او ممتع، ولكن هل كنت مريضا قبل ذلك؟. اجاب الطالب: من عام 1564 – 1616. فما كان من الاستاذ اسعد عبدالرزاق، الا ان يشطب قبول هذا الشخص، ويقبل شلتنا المذكورة طلابا في قسم المسرح..