خطة امريكية لحرب أهلية بلبنان.. الى جعجع: “اتّقوا غضب الحليم”

العالم – مقالات وتحليلات

“الحكيم” جعجع، قال في اللّقاء “إنّه سيمضي في المُواجهة ضدّ حزب الله حتّى النّهاية”، مُؤكّدًا “أنّ لديّ 15 ألف مُقاتل، ونحن قادرون على هذه المُواجهة لأنّ الحزب بات يُعاني من ضعفٍ كبيرٍ نتيجة الأوضاع في لبنان وفي الإقليم”، وعندما حذّره السيّد جنبلاط من خُطورة أقواله هذه ردّ “نحن اليوم أقوى ممّا كُنّا عليه أيّام بشير الجميل، وحزب الله أضعف ممّا كان عليه أبو عمّار (ياسر عرفات)”.

لا نَعرِف ما هي المعايير التي اعتمد عليها الدكتور جعجع في قِياسه وتقديره لقُدراته وقُدرات “حزب الله”، ولكنّنا، وبحُكم رصدنا للوقائع على الأرض ومُعايشتها نعتقد، بل نجزم، أنّ مُقاربته هذه غير دقيقة، لأنّ أيّ مُواجهة بين قوّات حزبه ونظيرتها في الجانب المُقابل، أيّ “حزب الله” ستكون نتائجها في غير صالحه وحُلفائه، حتّى لو كان يحظى بدَعمِ الولايات المتحدة والسعوديّة والإمارات ودولٍ أُخرى مثلما قال ولهذه الأسباب مُتفرّقة أو مُجتمعة:

أوّلًا: أنّ “حزب الله” الأقوى تسليحًا، ويملك في مخازنه المخفيّة في قلبِ جِبال الجنوب الشمّاء أكثر من 150 ألف صاروخًا، مُعظمها من النّوع الدّقيق الذي يُصيب أهدافه بكفاءةٍ عاليةٍ، وعشَرات الآلاف غيرها من صواريخ “كورنت” المُضادّة للدّروع، وترسانة من الطّائرات المُسيّرة.

ثانيًا: أنّ “حزب الله” يملك خبرات قتاليّة عالية جدًّا اكتسبها من معاركٍ شرسةٍ، وضدّ جماعات “جهاديّة” انتحاريّة قويّة، ومُدرّبة بشكلٍ جيّد، على يدِ دولٍ عُظمى مِثل الولايات المتحدة وتركيا، وما زالت قوّاته تُقاتل على عدّة جبهات في سورية، بينما كانت آخِر معركة خاضتها قوّات جعجع قبل 35 عامًا تقريبًا.

ثالثًا: مُقارنة السيّد حسن نصر الله بالرئيس الفِلسطيني الراحل ياسر عرفات، خصم مُعسكر جعجع في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، مُقارنةٌ خاطئةٌ في غير مكانها، فتَسليح التّحالف الذي كان يقف في خندقه الفِلسطينيّون إلى جانب أشقائهم اللّبنانيين، لم يكن بالقوّة المُتوقّعة تسليحًا، بينما كان الحِلف المُقابل، أيّ القوّات، يحظى بدَعمِ أمريكا و"إسرائيل" ودول عربيّة مِثل المملكة العربيّة السعوديّة.

رابعًا: نُقطة الضّعف القاتلة في “محور المُقاومة” أثناء الحرب الأهليّة التي انطلقت شرارتها عام 1975 كانت تتمثّل في نظرة الطّرف الآخَر وأنصاره الإقليميين والدّوليين، أنّ عرفات ورجاله ليسوا لبنانيين، وغُرباء عن البلد، لكنّ هذه القاعدة لا تَنطبِق على السيّد نصر الله وأنصاره، فهؤلاء لا يَقِلّون لُبنانيّةً عن السيّد جعجع وأنصاره، أيّ “أهل البلد”.

خامسًا: تحالف جعجع لم يَهزِم “محور المُقاومة” في حينها، والحل العسكري الذي فجّره لم يَحسِم الحرب الأهليّة لصالحه، وإنّما الغزو الإسرائيلي في حزيران عام 1982 الذي واجَه صُمودًا أُسطوريًّا، وخرجت قوّات المُقاومة الفِلسطينيّة بوِساطةٍ سعوديّةٍ أمريكيّة، إلى قبرص وتونس، ليحمل “حزب الله” راية المُقاومة بعدها ويُجبِر "الإسرائيليين" على الانسِحاب أذلّاء مهزومين من الأراضي اللبنانيّة عام 2000.

سادسًا: “حزب الله” تحت قِيادة السيّد نصر الله انتصر في جميع المعارك التي خاضها، وهزم “إسرائيل” وجيشها مرّتين، الأولى عام 2000، والثّانية عام 2006، فما هي المعارك التي انتصر فيها “الحكيم” سمير جعجع وقوّاته مُنذ الحرب الأهليّة؟

سابعًا: “حزب الله” ليس وحده، وينتمي إلى محور المُقاومة في المِنطقة، إلى جانب عشرات الآلاف من المُقاتلين العقائديين الأقوياء المُلتفّين حول قِيادتهم المدعومة بحاضنةٍ شعبيّةٍ بالملايين.

هذا الحديث عن الحرب ومُواجهة “حزب الله” الذي ورد على لِسان الدكتور جعجع، ولم يَصدُر أيّ نفي أو تكذيب له حتّى الآن، خطيرٌ جدًّا، من حيث مضمونه وتوقيته، ويُوحي بأنّ هُناك خطّة جاهزة لتفجير الحرب الأهليّة الثّانية في لبنان، وضعتها أمريكا و”إسرائيل” والمُطبّعون العرب الجُدد أبرز أهدافها القضاء على “حزب الله” وسِلاحه الذي يُشَكِّل تهديدًا وجوديًّا لدولة الاحتِلال الإسرائيلي.

السيّد جنبلاط كان “حكيمًا” لأنّه رفض عرض الدكتور جعجع بسحب نوّابه من البرلمان اللبناني جنبًا إلى جنبٍ مع نوّاب القوّات لخلق أزمة سياسيّة ودستوريّة وفراغ سياسي، ووَصَفَ أيّ شخص، من أيّ طائفة، يُفكّر بالدّخول في مُغامرةٍ عسكريّةٍ بأنّه “مجنون”.

نرى لِزامًا علينا في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” أنْ نُعيد تذكير الدكتور جعجع بأنّ الدّعم الإماراتي الأمريكي السّعودي ليس ضمانةً للنّصر، وإنّما للهزيمةِ والتّدمير، فهذا المُثلّث الذي خاض الحرب في اليمن، وقبلها في سورية والعِراق لم ينتصر مُطلقًا، بل طاردته الهزائم في جميع الجبهات، ونتمنّى على الدكتور جعجع أنْ يُراجع فُصول الحرب اليمنيّة المُستمرّة مُنذ ستّ سنوات، وموازين القِوى على الأرض، وفشَل طائرات “إف 16″ و”إف 15” الأمريكيّة الأحدث في حسم الحرب لصالح السعوديّة والإمارات، وضِدّ مَنْ؟ ضدّ حركة “أنصار الله” الحوثيّة التي تعيش في كُهوفِ صعدة، ولا تملك واحدًا على عشرين من قُدرات “حزب الله”، إنْ لمْ يَكُن أقل.

“حزب الله” ليس ضعيفًا، وإذا كان يُقدّم التّنازلات هذه الأيّام فإنّه يفعل ذلك تَجنُّبًا للمُواجهة، وحقنًا لدِماء اللّبنانيين، كُل اللّبنانيين، ومنها دِماء “الأشقّاء” في الجبل وحزب القوّات وحُلفائه، ونَختِم بالحكمة التي تقول “اتّقوا غضب الحليم”.

“رأي اليوم”