خلاصة ابحاث مارك أوين جونز في ‘القمع السياسي في البحرين’

العالم – البحرين

موقع جدلية: ما الذي جعلك تضع هذا الكتاب؟

مارك أوين جونز: باشرتُ بالدكتوراه في بداية العام 2011، مباشرة قبل بدء انتفاضة البحرين. في البداية، كانت خطتي هي دراسة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في البحرين، لكن الأمر تغير فجأة مع اتساع نطاق وحشية النظام. كوني نشأت في البحرين، شعرت أنه من الخطأ عدم محاولة فهم المزيد حول ما كان امتيازي عزلني على الأرجح عنه خلال طفولتي. تذكرت انتفاضة التسعينيات، لكنني شعرت أنها بعيدة للغاية بالنسبة للتّجربة التي عشتها -كنت أيضًا صغيرًا جدًا. لقد شعرت بالاشمئزاز أيضًا من مدى العنف الذي يستخدمه النظام السياسي والدولة؛ من وحشية الشرطة إلى التعذيب والطائفية. صدمتني سلسلة كاملة من الأساليب، من العنف إلى الدعاية، وبدا مفهوم "قمع الدولة" مصطلحًا ساعد على فهم ما يحدث.

وأثناء بدئي في استكشاف السياق التاريخي، أصبحت أكثر فضولًا بشأن الحلقات المتكررة للخلاف في البحرين. إنّ وجود ثوابت معينة على مدى المائة عام الماضية، مثل الحكم العائلي وحقيقة أن البحرين كانت دائمًا تخضع لنوع ما من الانقلاب الإمبراطوري (الإمبراطورية البريطانية، الهيمنة الأمريكية، القوة السعودية)، جعل "الربيع العربي" في البحرين – الذي يوصف في كثير من الأحيان بأنه استثنائي- أقل استثنائية. كنت أرغب في استكشاف أنماط وأساليب وتفسيرات القمع في دولة صغيرة مثل البحرين، التي كانت تفتقر تاريخيًا إلى سيادتها.

وفي حين كنت متحمسًا بشكل واضح إزاء المسعى الأكاديمي، شكّل الكتاب على المستوى الشخصي الكتاب عملية مهمة لتصحيح المعلومات الخاطئة بالنسبة لي، وفيه، توصلت إلى واقع مخفي عن كثير من الناس مثلي في البحرين.

موقع جدلية: ما هي الموضوعات والقضايا والأدبيات التي يعالجها الكتاب؟

جونز: تميل دراسات المجال، مثل التخصصات الأخرى، إلى تطوير مصطلحاتها ومصطلحاتها ذات الصلة. يبدو أن نماذج الطائفية والديمقراطية والسلطوية في صعود، كما يبدو أن الأدبيات التي تدفعها مخاوف أمنية عبر المحيط الأطلسي سيطرت على الخليج (الفارسي) على وجه الخصوص. قد يكون من الصعب الخروج من هذا النموذج؛ حتى لو تعلق الأمر بمفاهيم أساسية ومهمة ومفيدة، أعتقد أنه من الجيد دائمًا الابتعاد عما أصبح في بعض الأحيان غرف صدى تأديبية والتحول أيضًا إلى أدبيات العلوم الاجتماعية الموجودة خارج دراسات الشرق الأوسط. باستخدام إطار القمع، شعرت بطريقة ما أنني أتجنب التقاليد والقيود التأديبية من دون أن أدّعي بأسلوب ماكر إضاعة الوقت. وكانت أيضًا فرصة للإضافة إلى دراسات القمع، التي ركزت غالبًا على التحليل الكمي والمتغير، وكذلك البحث التاريخي والنوعي.

كانت هذه الرحلة صعبة، خاصة لأن القمع مفهوم يمتد إلى عدد من التّخصصات. ونتيجة لذلك، يغوص الكتاب في جوانب علم الجريمة، والدراسات القانونية النقدية، والاتصالات، والعلوم السياسية، والتاريخ، والعلوم الاجتماعية. ينبع سبب هذه الانتقائية حقًا من محاولة الإجابة بشكل أفضل على أسئلة معينة حول سبب حدوث القمع، وماهية الأساليب التي تشكل القمع. نادرًا ما تحترم هذه الأسئلة حدود التّخصصات. في الواقع، ووفقًا لما أشار إليه تشارلز تيلي مرة، يستحق القمع تقريبًا أن يكون له تاريخه الخاص. وكأي رؤية مفاهيمية محددة، قادني التركيز على القمع بشكل طبيعي إلى بعض الاكتشافات المثيرة للاهتمام.

الكتاب أيضًا تنقيحي في هذا الصدد (كما يجب أن يكون أي تاريخ حديث، فعلًا). وهو يقدم رؤية ثاقبة مثيرة للاهتمام حول "مُشَرّعي" القمع، هؤلاء الأشخاص المنخرطين بشدة في تحديد السياسة القمعية. وبالتالي، يكشف عن دور المسؤولين البريطانيين ومسؤولي آل خليفة، المثير غالبًا للقلق، في تسهيل بعض أساليب القمع، سواء كانت ضد الحركات النقابية أو القوميين العرب. يستكشف الكتاب عددًا من حلقات الخلاف من عشرينيات القرن الماضي حتى العام 2011. وعلى هذا النحو، يقارن كيف قمع نظام آل خليفة مجموعة واسعة من الحركات، من الحركات الديمقراطية والقومية التي وُلِدت في الثلاثينيات والخمسينيات، إلى حركة اليسار المتزايد في السبعينيات، وكذلك الحركات الإسلامية بعد الثمانينيات. ومن دراسة الأدوار المحددة لشخصيات من بينها تشارلز بلجريف ورئيس الوزراء، إلى استكشاف كيفية تنفيذ تخطيط المدن من أجل الحد من المعارضة، يغوص الكتاب على نحو عميق في هيكليات القمع والسيطرة.

غالبًا ما يُفهم مفهوم القمع على أنه محدد للغاية -استخدام عنف الدولة-، لكنه في الواقع مصطلح شامل. ويمكن أن يعني أي استراتيجية تُستَخدَم لتعطيل وجود وفعالية وتنظيم الحركات الاجتماعية. بشكل أساسي، يُعد الكتاب تأريخًا للبحرين، ولكن مفهوم "القمع" يتوسطه – ويُقسَم إلى أربع فئات منفصلة، أوسع نطاقًا: إدارة الدولة، وانتهاكات النزاهة الشخصية، والرقابة القانونية، والتحكم بالمعلومات.

موقع جدلية: كيف يتصل هذا الكتاب بعملك السابق و/أو يختلف عنه؟

جونز: تناول عملي بشكل عام أشكالًا مختلفة من السلطة والسيطرة. أعتقد أن ما يعجبني بشأن هذا الكتاب هو أنه يحاول صياغة مفهوم أوسع للقمع، ما يسمح بقراءة ملتزمة وواسعة النطاق (آمل ذلك). لا يركز عملي الحالي فقط على البحرين، ولكن الشرق الأوسط، الأوسع نطاقًا. ومع ذلك، فإنه يركز بشكل أو بآخر على الدور الأكثر تحديدًا للتحكم بالمعلومات و "الاستبداد" الرقمي.

موقع جدلية: من تأمل أن يقرأ هذا الكتاب؟ وما هو نوع التأثير الذي تريده؟

جونز: لقد كنت دائمًا آمل أن يُشَكل الكتاب مقدمة رئيسية عن السياسة البحرينية والتاريخ الحديث. هناك بعض الكتب الممتازة عن البحرين، لكنني أردت أن يرتبط هذا العمل ببعضه البعض من خلال عناصر من شأنها أن تكون مصدر اهتمام لأولئك الذين يعيشون ويقاومون في البحرين: وهي المقاومة والقمع السياسي. إن وجود مثل هذه الهيكليات أمر أساسي للغاية لفهم تقاطع الرأسمالية، والثروة النفطية، والإمبريالية البريطانية، والقوة السعودية، والحكم القبلي، والطائفية. أعتقد أن أي شخص مهتم بدراسات الحركة الاجتماعية والسياسة العامة والشرق الأوسط سيجد هذا الكتاب مثيرًا للاهتمام. كما أنه سيجذب علماء العلاقات الدولية والمؤرخين وعلماء السياسة وأولئك الذين ينظرون في كيفية تأثر القمع بعوامل متعددة، بما في ذلك تغيير الدّول المهيمنة. يجب أن يكون إطار القمع الذي كوّنته في الفصول الأولى مفيدًا أيضًا لأي شخص يدرس أشكال السيطرة، إذ إنّه مخطط تم تطويره من البحث الاستقرائي حول البحرين، وأيضًا أدبيات القمع الأوسع نطاقًا.

موقع جدلية: ما هي المشاريع الأخرى التي تعمل عليها الآن؟

جونز: حاليًا، لديّ عقد مع شركة هيرست حول "الاستبداد الرقمي والخداع في الشرق الأوسط"-، ومن المخطط صدور العمل في أوائل العام المقبل. يعتمد العمل على الكثير من تجاربي العملية، وبحثي في ​​عمليات التضليل المختلفة داخل منطقة الشرق الأوسط، والمتعلقة بها أيضًا. ومن الخطاب الآلي للكراهية، إلى جريمة قتل خاشقجي، وإلى صناعة عشرات الصحفيين المزيفين، يوثق الكتاب دراسات حالة متعددة للتّضليل الرقمي. أتناول أيضًا بعض هذه التحقيقات (وجوانبها المنهجية) وأضعها وفقًا لترتيبها الزمني. بالإضافة إلى هذه الأنشطة، أرغب بإطلاق مشروع لإنشاء أرشيفات صوتية لأصوات [شخصيات] ذات مغزى في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

موقع جدلية: ما هي آراؤك بشأن موقف الباحث أو وضعه فيما يتعلق بالسياق الاجتماعي والسياسي للدراسة؟

جونز: السبب الذي أطرح من أجله هذا السؤال لا يعود ببساطة إلى الانشغال المعاصر بأصل المؤلف، بل لأنني كطفل ذي ثلاث ثقافات (وأصبح الآن بالغًا)، كنتُ منزعجًا من هيمنة السياسات الإقصائية وفقًا للهوية في كثير من الأحيان. أذكر في بعض الأحيان أنه قيل لي في العام 2011 في وقت واحد، أمران متناقضان: "أنت بحريني حقيقي" و "أنت خائن للبحرين". لقد بيّنت العبارتان بدقة كيف تكون الهوية ذاتية بالكامل، وكيف يكون تصنيفها من قبل أطراف ثالثة تعبيرًا عن تعسف متأصل لدى تلك الفئات. كان ذلك أيضًا بمثابة تذكير قوي بمدى تقلب الهوية، والطبيعة العابرة لتعريفها، وعبثية الأشخاص الذين يعتقدون أن لهم الحق في نسبتها.

يعكس الكتاب حقيقة أنني أعتبر نفسي، من بين أمور أخرى، بحرينيًا، وهو مفهوم لم يتم تحديد تعريفه. أن تكون بحرينيًا بالنسبة لي، وبالنسبة لآخرين كثيرين أعرفهم، قد يكون مرتبطًا بشكل جزئي بالجنسية. المواطنة الرسمية، كما أناقش الأمر في كتابي، هي في النهاية نظام لمكافأة أولئك الذين يوالون عائلة حاكمة. الانتماء أمر آخر، وقد تأثرت عقلي بتربيتي في البحرين. إن أنظمة الامتياز في البحرين معقدة، وقد حظيتُ، ككثيرين آخرين، بالامتيازات بموجب جوانب مختلفة من وضعي وخلفيتي، سواء بشرتي البيضاء أو جنسيتي أو الطبقة العاملة التي ينتمي إليها والداي. أعتقد أنه من المهم الاعتراف بعناصر الهوية المتداخلة عندما لا يزال هناك اتجاه ينذر بالخطر تجاه سياسات الهوية، خاصةً كـ "أطفال الثقافة الثالثة ، الذين يمتلكون مسارات محددة للتطور النفسي والاجتماعي. إن التركيبة الديموغرافية للخليج تنتج الكثير منّا، وغالبًا ما نتواءم بشكل غير مريح مع عوالم مختلفة، ونكافح من أجل التكيف بدلًا من الشعور بأننا ننتمي.

ترجمة مرآة البحرين