ردع رعاة الإرهاب قيمة إنسانية سامية

العالم-ايران

ولتفادي ذلك قد يعمد المهووسون بسياسة القوة إلى استعراض عضلاتهم المنفوخة بالسيلكون الصنعي والآيل حتماً إلى التلاشي لعلهم يوهمون المرجفين والمترددين ومن استمرؤوا الانبطاح أمام جبروت القوة لإبقاء رؤوسهم ملتصقة بالأرض بعيداً عن التفكير بمنطق أصحاب قوة الحق الذين لا يخشون في التعبير عن قناعاتهم الموضوعية لومة لائم، وهنا يجب الاعتراف بأن المعربدين يحققون الكثير من أهدافهم بمثل هذه اللغة التصعيدية، في صفوف الأتباع والمنبطحين الذين يزدادون انبطاحاً، لكنهم يدركون إن من يحملون فكر المقاومة ونهجها الفاعل لا يلقون بالاً لتهويلاتهم، ولا تتأثر برامجهم الإبداعية التي تستثمر في الإنسان وقدراته الخلاقة بتخرصات الساعين لفرض شريعة الغاب على العالم.

ما أقدم عليه ترامب ليس مفاجئاً، وواهمٌ من يظن أنه سيؤدي إلى تبدلات واضحة في سلوك إيران وبقية أطراف محور المقاومة، فالمناقشة العلمية والهادئة لهذا الأمر تقود إلى نتيجة عكسية، فكل ما يخطر على الذهن وما لا يخطر قد تقدم عليه إدارة ترامب وبشكل مفاجئ للتعويض عن الإخفاقات الجوهرية التي تمنى بها منذ أن صعد نجم المقاومة ثقافة ونهجاً وروافع سياسية مضمونة لمواجهة الإستراتيجية العدوانية الصهيو أمريكية التي لم تسفر حتى الآن إلا عن نتيجتين متناقضتين، تتمثل الأولى في القدرة الكبيرة على نشر الموت والخراب والدمار وقتل الأبرياء وإزهاق الأرواح وتدمير البنى التحتية وازدياد معاناة الناس في الدول المستهدفة أمريكياً لخدمة المصالح الصهيونية، وتتجلى الثانية بوضوح تام لا يشوبه لبس بانحسار النفوذ الأمريكي والخسائر المتتالية والمتراكمة في بيدر تآكل الأحادية القطبية وإلى غير رجعة، وهنا بيت القصيد، فما تسعى إليه إدارة ترامب لكسبه بالعربدة هو متآكل سلفاً كالماء المتسرب من بين الأصابع، ولن يفيد واشنطن التغني بأن راحتيها كانتا مملوءتين بالمياه، لأنه ماء آسن نمت على جنباته الإشنيات المسرطنة التي ستتلاشى حتماً عاجلاً أم آجلاً.

صحيح أن واشنطن وأتباعها لن يدخروا جهداً، وسيستخدمون جميع الوسائل الممكنة لإيلام إيران الثورة إذا استطاعوا وعلى شتى الصعد والمستويات، لكن الصحيح أيضاً أن قرار ترامب لن يؤثر على قوة الحرس الثوري الإيراني، ولن يؤدي إلا إلى مزيد من مراكمة أوراق القوة الإيرانية مقابل مراكمة الخيبات والإخفاقات الصهيو ـ أمريكية المتتالية بغض النظر عن حجم الكوارث الإنسانية التي يفرزها انحسار الهيمنة الأمريكية المتسارع بدلالاته وتداعياته، وهنا يمكن التوقف عند عدد من النقاط المهمة التي يستطيع القارئ أو المتابع أن يعيد مناقشتها ذاتياً للتأكد إن كانت صحيحة الدلالة والمضمون أم لا، ومنها:

1- قوة الحرس الثوري الإيراني اليوم أضعاف ما كانت عليه قوة الثورة الإيرانية في أيام انطلاقتها الأولى بقيادة سماحة الإمام الخميني قدس سره، ومع ذلك استطاعت تلك الثورة في الساعات الأولى لانتصارها أن تغلق السفارة الأمريكية، وأن تحول السفارة التي كانت مخصصة للكيان الصهيوني إلى سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

2- الحرس الثوري الإيراني أحد عوامل القوة لدى الدولة الإيرانية التي دخلت النادي النووي العالمي رغم أنف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وانسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الموقع بين إيران وبين الخمسة الكبار ومعهم ألمانيا لا يعني أن إيران لم تعد ضمن النادي النووي العالمي، والمسؤولون الأمريكيون يدركون هذه الحقيقة جيداً.

3- جميع الساحات التي حرصت واشنطن على إبعاد إيران عنها لضمان تفشي الإرهاب وتعميمه، هي اليوم ساحات مسكونة بالحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي كلتا الحالتين أثبت الحرس الثوري الإيراني قدرة إعجازية على مواجهة الفكر التكفيري الإرهابي والقضاء عليه، سواء اعترفت واشنطن بذلك أم أنكرت بسبب العمى في البصر والبصيرة التي لا تعترف بشروق الشمس من الشرق.

4- بعض بحارة الحرس الثوري الإيراني ومنذ سنوات استطاعوا أسر بحارة أمريكيين دخلوا المياه الإقليمية الإيرانية وعرضوهم على شاشات التلفزة وهم راكعون وأيديهم وراء رؤوسهم، وهذا يعني أن من يستطع أسر رعاة الإرهاب الكوني وعرضهم بهذه الصورة المذلة المهينة يدرك كيف يرغم أصحاب الرؤوس الحامية على إعادة حساباتهم السياسية عندما تصل المواجهة المباشرة إلى شواطئ الحتمية التي لا مفر منها.

5- الإرهاب التكفيري المنتشر ومنذ عقود هو صناعة الاستخبارات الأمريكية باعتراف المسؤولين الأمريكيين، وبالتالي لا يحق للمجرم الذي ثبتت عليه الجرائم بالدلائل الدامغة، وأهمها اعترافه الشخصي والاعتراف سيد الأدلة ـ لا يحق لهكذا مجرم ـ أن يغادر قفص الاتهام ليتصدر طاولة هيئة المحكمة، وينصب نفسه قاضياً يصدر الأحكام بالإرهاب على من استطاع وبكفاءة عالية أن يقوض الكثير من روافع ذاك الإرهاب الذي ما كان له أن ينتشر لولا الرعاية الصهيو ـ أمريكية المباشرة.

6- يحق للحرس الثوري الإيراني أن يفخر بأنه على لائحة الإرهاب وفق التصنيف الأمريكي، لأن هذا التصنيف يتضمن اعترافاً أمريكياً رسمياً بقدرة الحرس الثوري على ردع الراعي الأمريكي للإرهاب التكفيري بخاصة، ولعربدة ثقافة رعاة البقر "الكاوبوي" التي ثبت عقمها في التعامل مع ظاهرة المقاومة كبديل موضوعي ناجع لمنع أنصار شريعة الغاب من تحقيق أهدافهم الشريرة، وإرغام أصحاب الرؤوس الحامية ممن اعتادوا على الرقص بين الحفر على أن يعيدوا حساباتهم أكثر من مرة قبل الانطلاق للرقص على حافة الهاوية، ورؤية جثث المتساقطين من أتباعهم هناك وبقاء رموز المقاومة وأسود الكرامة شامخين يرفعون لواء السيادة والعزة والكرامة، وإن عظمت التضحيات.

اللواء الدكتور حسن أحمد حسن ، رئيس الدائرة السياسية في الجيش العربي السوري