سوريا.. مصير “داعش” بعد القرار الاميركي بالانسحاب

العالم- تقرير

وما أن اعلنت أمريكا وعلى لسان سمسار بيت الأبيض دونالد ترامب نيتها في سحب قواتها من سوريا، تنفيذ لوعود ترامب إبان حملته الإنتخابية، في إعادة القوات الأمريكية من معارك الشرق الأوسط العصيبة إلى بلادهم، حتى بدأت المخاوف والمخاطر تحيق بالتنظيم الإرهابي من كل حدب وصوب.

فالتنظيم الذي جاء اقتراح تأسيسه عبر مخطط أمريكي، تم تشييده بأموال سعودية، وأفكارها التكفيرية التدميرية، وتحشيد واستقطاب المغرر بهم من أكثر من خمسة وثمانين بلدا، كما أكدت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها.

فهذا التنظيم الذي حاولت واشنطن نقل بعض قادته من سوريا الى شمال العراق وافغانستان خلال الشهر الماضي، يعتقد المراقبون انه اصبح اليوم امام واقع مرير، يتجسد في خيارين لا ثالث لهما، وكل خيار لم يقل خطورة عن مثيله بالنسبة لمن بقي على إلتزامه بالتنظيم.

فالخيار الأول هو البقاء في إطار التنظيم الذي تخلت عليه كل القوى الرئيسية الداعمة له، بدءا من الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها الغربيات التي تخشى عودة بعض مواطنيها الذين إلتحقوا بالتنظيم، لأنهم سيسببوا الكثير من المشاكل لها، ما دفع هذه الدول بالتخلي عن هؤلاء بشكل تام، حتى انها تخلت عن استقبال زوجات مقاتلي التنظيم الذين قتلوا في المعارك المباشرة، بل وحتى رفض أبنائهم وعدم السماح لعودتهم الى موطن الآباء والأجداد.

ناهيك عن اسرى التنظيم الذين القي القبض عليهم في معظم البلدان بما فيها سوريا والعراق، والذي يبلغ عدد الذين وقعوا في اسر الجماعات الكردية السورية، أكثر من 4000 شخص حسب السيدة الهام احمد المسؤولة عن قسم الأسرى لدى الجماعات الكردية السورية. وتؤكد هذه المسؤولة أن هناك امرا واضحا بالنسبة لهؤلاء الأسرى وهو أنه "لا أحد يريد أن يأخذهم".

اما الخيار الثاني هو ان تقوم الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام ماتبقى من فلول تنظيم "داعش" الإرهابي كورقة ضغط لإملاء شروطها على الدول التي تخضع لسيطرتها، وأن تهددها بنقل تلك القوات الى اراضيها. لكن شواهد مؤكدة يعتمدها المحللون تشير إلى عدم جدوى هذا التلويح الأمريكي.

فعلى صعيد افغانستان التي نقلت المرحيات الأمريكية العديد من قيادات تنظيم "داعش" فور قرارها الإنسحاب من سوريا، فقد عمدت الحكومة الى المعارضة الداخلية المتمثلة بجماعة طالبان لإعتماد حوار مفتوح، يجنب البلاد الإنزلاق في حرب اهلية، كما كانت عليه قبل حوالي عشرة أعوام. ما جعل استمرار حضور فلول "داعش" على الاراضي الافغانية اصعب من اي وقت آخر.

وبالنسبة لسوريا فإن التنظيم الذي طرد من العراق، وتزداد عليه المضايقات في سوريا يوما بعد آخر، تقلص حضوره من تلك المنطقة الواسعة التي إحتلها في العامين 2014 و2015 من سوريا والعراق لتأسيس ما أراد تسميته بـ"دولة الخلافة" تراجع الى قريتين في شرق سوريا فقط. بل وان التفاهم والتعاون بين سوريا والعراق راح يؤسس لأرضية تمكن القوات العراقية وبتخويل من الحكومة الشرعية في سوريا من استهداف أوكار وملاجئ فلول التنظيم حتى داخل الأراضي السورية. الأمر الذي حمل فلول التنظيم للجوء الى شبكات التهريب التقليدية المتواجدة قرب الحدود السورية العراقية، عسى أن يتمكنوا من الهروب الى داخل العراق تحت غطاء ازياء الرعاة الرحل والى غير ذلك من اساليب التهريب.

اما العراق فقد اكد مسؤولون عسكريون فيه انه "سارع إلى تعزيز إجراءاته الأمنية على حدوده مع سوريا، وسط مخاوف من احتمال استعادة التنظيم صفوفه، خصوصا في ضوء الانسحاب الأميركي من سوريا". وفي هذا الإطار قامت بغداد بإرسال المزيد من القوات إلى الحدود، ونشرت عددا من المدفعيات والطائرات الحربية لضرب مسلحي تنظيم "داعش" داخل الأراضي السورية، وفق ما ذكرت الصحيفة الأميركية "وول ستريت جورنال"، في عددها يوم الجمعة 1 شباط 2019.

ناهيك عن ان العراق بدأ يتطلع الى إستكمال سيادته، حيث راح يطالب بخروج كافة القوات الأجنيبة بما فيها الأمريكية من اراضيه، حيث أعلنت قناة "السومرية نيوز" العراقية أن نائب قائد عمليات قوات الحشد الشعبي "رضوان العنزي"، أكد ان قيادة عمليات الحشد الشعبي في نينوى منعت يوم أمس الجمعة، القوات الامريكية من اجراء جولة ميدانية راجلة في أحدى مناطق مدينة الموصل"، مما أدى الى طلب القوة الأمريكية غطاء جوي للقوات تحسبآ لأي عمل ضدهم دون جدوى".

وفي النهاية السؤال الذي يبقى مطروحا على الساحة، ماهو مصير فلول التنظيم الذين يحمل معظمهم جنسيات أمريكية واوروبية، وماهو مصير اسرهم، بعد أن تخلت بلدانهم عنهم وعن استقبالهم؟ هذا السؤال أجاب عليه مسؤول في الإدارة الأمريكية لوكالة بلومبرغ في الثلاثين من يناير كانون الثاني الماضي مشترطا عدم ذكر اسمه، وقال ان واشنطن تفضل أن تتولى الدول التي قدم منها مقاتلو "داعش" مسؤوليتهم.

ولكن معظم الحكومات الأجنبية ترفض هذا الخيار، حيث يخشى البعض من أن تتسبب عودة المقاتلين في تطرف زملائهم في السجون، علما أن تسكينهم بشكل منفصل، قد يضر بالموارد والأنظمة القانونية أيضا. ولن يختلف الأمر بالنسبة للدول الأوربية في التخوف من إستقبال رعاياها الذين إلتحقوا بصفوف التنظيم، خشية أن يشكلوا تهديدا على المجتمع الأوروبي في قادم الأيام.

عبدالهادي الضيغمي