عطوان: خرائط أميركا الاستفزازية بشأن الجولان ستشعل فتيل المقاومة مجدداً

العالم – مقالات وتحلیلات

وتأتي هذه الخطوة "الاستفزازية" في وقت تشدد فيه الإدارة الأميركية الحصار الاقتصادي على سوريا، وتمنع وصول احتياجاتها من النفط والغاز عبر قناة السويس، أو الحدود الأردنية لمضاعفة معاناة المواطنين السوريين، ودفعهم للاحتجاج ضد الحكومة السورية.

***

تأييد الرئيس دونالد ترامب لضم هضبة الجولان لإسرائيل يأتي لحرمان سوريا كدولة من المخزون الاستراتيجي الهائل من النفط والغاز في جوفها، وتقديمه هدية للإسرائيليين وشركات النفط الأميركية التي ستحصل على امتيازات التنقيب والتصدير، تماماً مثلما فعلت عندما منعت القوات السورية من استعادة المناطق الغنية بالاحتياطات الغازية النفطية شرق دير الزور، ونصبت قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة منها حارساً عليها.

المؤلم أن دولاً، من المفترض أنها عربية، تشارك بهذا الحصار الأميركي لسوريا بفاعلية غير مسبوقة، فمصر منعت شحنات نفط إيرانية كانت في طريقها إلى الموانئ السورية من العبور عبر قناة السويس، أما السلطات الأردنية فأغلقت الحدود في وجه أي شحنات مماثلة قادمة من العراق، أو من مصافيها المحلية.

وبلغت الوقاحة بالملحق التجاري في السفارة الأميركية في العاصمة الأردنية إلى القيام باستدعاء رجال أعمال أردنيين وتحذيرهم بوضعهم تحت طائلة العقوبات الأميركية في حال انخرطوا في أي أعمال تجارية مع الدولة السورية، وكانت الإجابة بالسمع والطاعة.

لا غرابة، وبعد كل ما تقدم، أن تكون الإدارة الأميركية نفسها هي التي تقف خلف تراجع خطوات الانفتاح العربي الرسمي على سوريا، ومنع استعادتها لمقعدها في الجامعة العربية، وإعادة فتح السفارات في دمشق، أو حتى مناقشة هذه العودة في الاجتماع الأخير للقمة العربية في تونس.

إنه الخنوع العربي في أبشع صوره، ومن المفارقة أن "الدولة الإسلامية" (داعش) كانت أكثر "براغماتية"، ولا نقول إنسانية، في تعاطيها مع الأزمة السورية من دول تدعي أنها عربية وإسلامية، عندما كانت تبيع ما قيمته 40 مليون دولار من النفط والغاز إلى سوريا شهريا عبر سماسرة سوريين بعضهم في الجيش السوري الحر، مثلما كشف رازق قدير ماكسيمو الأذربيجاني، أحد قادة (داعش)، والمسجون حاليا لدى قوات سوريا الديمقراطية في حديث لمحطة تلفزيون "كردستان 24" قبل بضعة أشهر، ولم تظهر أزمة الوقود السورية هذه إلا بعد هزيمتها، وهذا يشي بالكثير.

قلناها في مقال سابق، ولا يضيرنا تكرارها اليوم، هضبة الجولان سوريا عربية، وستظل كذلك، وتغيير الخرائط الأميركية أو الإسرائيلية لن يغير من هذه الحقيقة مطلقاً، ونجزم بأن هذه الخطوات "الاستفزازية" ستعجل بتحريرها، وكل الأراضي العربية المحتلة الأخرى، لأنها ستؤدي إلى عودة المقاومة المسلحة وعملياتها، ضد القوات المحتلة، إسرائيلية كانت أو أميركية.

***

الأمة العربية، وفي طليعتها سوريا، لن تستسلم وترفع الرايات البيضاء، فمن استعاد سيادته على معظم أراضيه، وحارب بشجاعة طوال السنوات الثماني الماضية ضد جيوش أميركا وحلفائها، سيحرر هضبة الجولان المحتلة حتماً، ولن يتوقف عند حدودها، فالدولة العنصرية الإسرائيلية لم تعد تملك اليد العليا في المنطقة، والتفوق العسكري مثلما كان عليه الحال في الماضي، وما هذه السياسات الاستفزازية في تغيير الخرائط على الورق إلا دليل قلق ورعب وليس دليل قوة، فالعرب والمسلمون هم أهل المنطقة وسادتها، والآخرون غرباء مهما ادعو من امتلاك أسباب القوة، والمسألة مسألة وقت، ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً.

عار على العرب جميعاً، الذين يسبحون على محيطات من النفط والغاز أن لا يجد المواطن العربي السوري ما يملأ خزان سيارته من الوقود، ويضطر لركنها جانباً، والسير على الأقدام، وهو من سادة القوم، والعزيز الذي تريد أميركا إذلاله بتواطؤ عربي.

هذا الحال لن يدوم حتماً، والمؤمن بقيم عقيدته وعروبته مبتلى.. ولكنه بلاء لن يدوم، وربما يكون مقدمة للصحوة القادمة.. والأيام بيننا.

* عبد الباري عطوان