عطوان: روايتان للإفراج عن الاسيريين السوريين والثانية أقرب

العالم – سوريا

هناك روايتان: الأولى تقول ان هذا الافراج جاء نتيجة التوصل الى "صفقة ما" بين الروس والإسرائيليين على أرضية إعادة رفات الجندي الإسرائيلي زخاري بوميل، الذي قتل في معركة سلطان يعقوب في جنوب لبنان عام 1982، اما الثانية، فتؤكد انه لم تكن هناك أي صفقة، وان سلطات الاحتلال الإسرائيلي أقدمت على هذه الخطوة لإظهار حسن نواياها تجاه الروس والسوريين معا، وكمبادرة من جانب واحد، ونجزم بأن النتائج ستكون عكسية.

نرجح الرواية الثانية، لعدة أسباب:

الأول: ان الشخصين المفرج عنهما ليسا على درجة كبيرة من الأهمية، فالأول متهم بتهريب المخدرات وتنتهي محكوميته في تموز (يوليو) المقبل، اما الثاني، فهو ليس من النشطاء البارزين في حركة "فتح" ومن المفترض ان يتم الافراج عنه بعد عامين، ان لم يكن قبل ذلك، ولم يقدم على تنفيذ أي عملية فدائية.

الثاني: الصفقات تتم في العادة بعد مفاوضات شرسة ولعدة اشهر، ويتدخل وسطاء دوليين، على غرار ما حدث في الصفقات التبادلية السابقة، ولا يوجد أي مؤشر يوحي بهذا الاحتمال، فتسليم رفات الجندي تم قبل أسبوعين فقط ومن الجانب الروسي دون علم الجانب السوري.

الثالث: جميع الصفقات التبادلية السابقة للأسرى، مثل تلك التي تمت عبر وسطاء بين الجبهة الشعبية القيادة العامة برئاسة احمد جبريل والاحتلال، وبإشراف الصليب الأحمر الدولي، ومستشار النمسا الأسبق برونو كرايسكي عام 1985، أدت الى الافراج عن مئات المعتقلين العرب في سجون الاحتلال (جرى الافراج عن 1150 معتقلا في ما يسميّ في حينها صفقة احمد جبريل مقابل الافراج عن ثلاثة جنود إسرائيليين)، واستغرقت المفاوضات 18 شهرا، والشيء نفسه يقال عن صفقة 1998 بين "حزب الله" و الاحتلال، واسفرت عن الافراج عن 500 اسير لبناني وعربي ورفاة 59 مقاوما لبنانيا، وكان من ضمن المفرج عنهم الشيخان مصطفى الديراني وعبد الكريم عبيد، والشيء نفسه يقال عن صفقة عام 2008 التي كان ابرز المفرج عنهم فيها الشهيد سمير القنطار.

الرابع: الحكومة السورية نفت أي علم لها بعملية نبش قبر الجندي بوميل من قبل وحدات تابعة للجيش الروسي في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك.

الخامس: لم نلاحظ أي اهتمام رسمي او شعبي سوري بالإفراج عن الاسيرين، او تنظيم أي استقبال لهما، مثلما لاحظنا ان وسائل الاعلام السورية، التقليدية او الرقمية، تجاهلت هذا الخبر.

من المعتقد ان القيادة الروسية التي تعرضت لنقد في بعض وسائل الإعلام العربية بسبب تقديمها رفات الجندي الإسرائيلي الى نتنياهو دون مقابل، مارست ضغوطا على "صديقها" الإسرائيلي (نتنياهو) لإثبات حسن نواياه والافراج عن بعض الاسرى، فأوعز بالإفراج عن المواطنين السوريين.

الافراج عن مواطنين سوريين أحدهما مهرب مخدرات تنتهي محكوميته بعد شهرين، يكشف عن سوء النوايا الإسرائيلية، ليست تجاه سورية، وانما تجاه "الحليف" الروسي أيضا، وانما العكس تماما، فلو كانت حكومة نتنياهو تقدر هذه الخطوة الروسية، لأفرجت عن المئات من الاسرى، واعادت رفات العشرات، او حتى المئات من جثامين الشهداء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والعرب الآخرين، ولكنها العقلية الإسرائيلية "البخيلة" التي تأخذ ولا تعطي مطلقا الا تحت الضغط والتهديد.

نأمل ان يكون "سوء النية" الإسرائيلي هذا تشكل درسا يتم الاستفادة منه في أي خطوة قادمة في المستقبل، من حيث عدم تقديم هدايا مجانية لنتنياهو وغيره على حساب الاسرى العرب ومحنتهم في سجون الاحتلال. فالجيش الروسي الذي يعتبر ثاني اكبر الجيوش واقوالها في العالم لا يجب ان يتجاوب مع أي محاولة لتقليص قدره وهيبته من قبل نتنياهو او غيره.

عبد الباري عطوان – راي اليوم