كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

عطوان يتسائل: لماذا يهاجم هنري ليفي تركيا “فجأة” ويتهمها بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار سوريا؟

العالم – مقالات وتحلیلات

نكتب عن هنري ليفي، ونتوقف عند آرائه التي تضمنها مقال نشره في صحيفة "وول ستريت جورنال" المقربة من اليمين الأميركي، والرئيس ترامب، قبل أيام، لأنه كان يقف مع تركيا في الخندق نفسه في مواجهة سوريا، ويحتضنا معا، "الثورة السورية" بشقيها السياسي والعسكري منذ بدايتها، فما الذي تغير، ولماذا هذا الموقف الشرس، والمفاجئ، من قبله ضد تركيا؟

تركيا كانت، وحتى تقاربها مع روسيا وإيران قبل عامين النموذج الذي يتغنى به الكتاب أصدقاء إسرائيل، أميركيين كانوا أو فرنسيين أو بريطانيين، ويمتدحون نموذجها الإسلامي المعتدل الذي يرتكز على الديمقراطية والتنمية، ولكن الانقلاب حصل في رأينا عندما تقاربت القيادة التركية مع حركة "حماس"، واتجهت نحو روسيا بوتين، وأعلنت تطوير علاقاتها مع إيران، ورفض الانصياع للعقوبات الاقتصادية الأميركية ضدها.

الآن أصبحت تركيا، وحسب ما جاء في مقال ليفي، دولة تقدم السلاح للجماعات الإرهابية المرتبطة بـ"القاعدة" و"الدولة الإسلامية" أو "داعش"، وتهاجم طائراتها الأكراد في شمال شرق، وشمال غرب سوريا.

***

أذكر جيدا أنني اشتركت في برنامج تلفزيوني على قناة "بي بي سي" البريطانية باللغة الإنكليزية مع "المفكر" هنري ليفي، وفي برنامج News Night  الشهير، وكان يفتخر طوال الوقت أنه لعب دورا كبيرا، ومن منطلقات إنسانية، وانسجاما مع يهوديته ودعمه لإسرائيل، لتحريض الرئيس الفرنسي في حينها على التدخل لإنقاذ الليبيين في بنغازي من مجزرة مؤكدة لقوات معمر القذافي، وعندما قلت له، وماذا عن أطفال غزة الذين تقصفهم الطائرات الإسرائيلية، ألا يستحقون منك بعض التعاطف، فرد بأن إسرائيل تدافع عن نفسها في وجه حركة "حماس" الإرهابية، مما يعني أن المجازر الإسرائيلية مشروعة، وتنبأ بأن ليبيا ستكون واجهة للاستقرار والازدهار الاقتصادي، والديمقراطية.

الإعلام يلعب دورا رئيسيا في الغرب للتمهيد لسياسات ومواقف سياسية، وتدخلات عسكرية لاحقة، ومقال هنري ليفي هذا يصب في الخانة نفسها، ولا نستبعد، وفي ظل الأزمة المتفاقمة حاليا بين أميركا وتركيا، وكان آخر فصولها إطلاق النار على السفارة الأميركية في أنقرة، أن تكون هناك تحضيرات لطرد تركيا فعلا من حلف الناتو بعد أكثر من ستين عاما من العضوية قدمت خلالها خدمات جليلة لهذا الحلف باعتبارها ثاني أكبر القوى فيه، قرار بالطرد ربما يكون صدر بالفعل، ونحن على أبواب التنفيذ.

الهجوم الإعلامي هذا يتزامن أيضا مع حرب اقتصادية شرسة بدأت بمحاولة تدمير الليرة التركية، ولن يكون مفاجئا إذا ما جرى فرض عقوبات اقتصادية جديدة على تركيا لرفضها الإفراج عن القس أندرو برونسون، وتفعيل أنشطة الجماعة الكردية داخلها وفي سوريا، من خلال تسليحها ودعمها ماليا، وما دعوة أميركا لدول خليجية بإرسال 150 مليون دولار لدعم المناطق الكردية في شمال شرق سوريا إلا أحد المقدمات المهمة في هذا الإطار.

اختلفنا مع السلطات التركية بسبب تدخلها العسكري في سوريا، وما زلنا نختلف معها، وحذرنا من خطورة الانخراط في المخطط الأميركي لتدمير هذا البلد العربي وتمزيقه، رغم تحفظاتنا على بعض السياسات الداخلية، ومطالباتنا المتكررة بحتمية الإصلاح السياسي، ولكننا نعتقد أن تركيا ربما تواجه المؤامرة نفسها التي استهدفت سوريا على مدى السنوات السبع الماضية، وطعنها بخنجر أميركي مسموم بعد أن انتهى دورها في نظرهم.

أميركا، ونقولها للمرة المليون، لا تريد حلفاء، وإنما أدوات، توظفها في خدمة مخططاتها للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، ومنع أي دولة عربية أو إسلامية من امتلاك أسباب القوة، عسكرية كانت أو اقتصادية، ولهذا بدأت باحتلال العراق، وتدمير سوريا، وتغيير النظام في ليبيا، وفرض عقوبات على إيران، وإسقاط منظمة التحرير الفلسطينية في حفرة أوسلو التي تبدو بلا قاع، وحلب أرصدة الدول الخليجية بأشكال ابتزازية متعددة.

***

بعد أسبوع ستستضيف طهران قمة سوتشي الثلاثية، بحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب الرئيس المضيف حسن روحاني، وكنا نتمنى أن يكون الرئيس السوري بشار الأسد هو رابعهما، وبعد تحقيق المصالحة بين سوريا وتركيا وانسحاب الأخيرة من كل الأراضي السورية، على أسس جديدة من التعاون وعلى قدم المساواة، ومواجهة الاستكبارين الأميركي والإسرائيلي.

الرئيس أردوغان، وبعد أن اكتشف الوجه الأميركي القبيح، يجب عليه إجراء مراجعات جذرية لجميع السياسات الحالية، والاتجاه نحو الشرق، والانخراط في تحالف روسي صيني إسلامي يضم إيران وباكستان والعراق وسوريا وتركيا يتصدى للغطرسة الأميركية، وهوس الرئيس ترامب في فرض العقوبات، وإعادة التوازن العقلاني إلى سقف العالم.

الأميركان ومن خلال حربهم الاقتصادية ضد تركيا يريدون تركيعها، وربما تغيير النظام فيها أيضا، على غرار ما حاولوا مع سوريا، ويحاولون حاليا مع إيران، وقمة طهران الثلاثية نأمل أن تكون البداية لصحوة تركية، وقبل فوات الأوان.. فهل يفعلها أردوغان؟

* عبد الباري عطوان