قصة تأثير “البقلاوة الطازجة الإماراتية” على السياسة الأمريكية

العالم – الامارات

وقالا إن وزارة العدل الأمريكية في تهم كشفت عنها هذا الأسبوع أظهرت الطريقة التي حاول فيها حليف أمريكي شراء تأثير في أمريكا. وقالا إن التبرعات التي تحدثوا فيها عن مساهماتهم للحملة الانتخابية جاءت عبارة عن توصيلات “بقلاوة” طازجة ووصفوا هيلاري كلينتون “بأختنا” و”السيدة الكبيرة”.

وأشاروا إلى الراعي للتبرعات من خلال الحروف الأولى للقبه بالإنكليزية “أتش أتش” اختصارا لعبارة “سموه” ويعنون به الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات، والذي يصفه الكاتبان بأنه واحد من أهم حلفاء الولايات المتحدة بالشرق الأوسط وأكبر من ينفق على شراء التأثير في واشنطن.

ويشيران إلى رسالة نصية كتبها جورج نادر المستشار المقرب من ولي عهد أبو ظبي في حزيران (يونيو) 2016: “سنرسل لكم ملاحظة بتعليمات من سموه”، متحدثا عن دفعة بقيمة مليون دولار بـ”البقلاوة” وذلك حسب لائحة الاتهام التي كشفت عنها وزارة العدل هذا الأسبوع.

وفي رسالة نصية أخرى كتبها بعد أشهر لأحمد خواجا، رجل الأعمال من كاليفورنيا والمتهم بأنه كان قناة التبرعات غير القانونية، قال نادر: “سأغادر في الصباح الباكر لكي أكون مع سموه” و”أخبرته عن المناسبة الرائعة مع أختنا وشعر بالنشوة ويريد معرفة المزيد مني شخصيا”.

ويقول الكاتبان إن لائحة الاتهام ضد نادر تشمل على أنه قام بتمرير 3.5 ملايين دولار كتبرعات غير شرعية من خلال خواجا ولشراء التأثير في واشنطن، بداية مع هيلاري كلينتون وحلفائها في واشنطن ومن ثم مع حملة دونالد ترامب وحلفائه بعد فوزه بالانتخابات، للحصول على “محاباة” و”دعم مالي ممكن” من حكومة أجنبية لم يتم الكشف عن اسمها. إلا أن قراءة معمقة للائحة التهم التي جاءت في 64 صفحة تكشف بوضوح أن الدولة هذه هي الإمارات العربية المتحدة حيث كان نادر يدير أعمالا ويعمل مستشارا لمحمد بن زايد.

وفي ضوء النقاش حول التدخل الأجنبي في السياسات الأمريكية فالخطة التي وردت في لائحة الاتهامات تعتبر الأجرأ التي تقوم بها حكومة أجنبية أثناء حملة انتخابات. ورغم قيام جماعات لوبي تعمل نيابة عن عملاء أجانب بالمساهمة وبشكل روتيني في الحملات الانتخابية لكن من النادر ما ربط رئيس دولة شخصيا بتهم التهرب من قوانين تمويل الانتخابات. وهو آخر الأمثلة عن حليف أمريكي يحاول تشكيل السياسة الأمريكية من الداخل. وهذا أمر مثير للدهشة لأن محمد بن زايد المعروف أيضا بـ”م ب ز” يعتبر من الأكثر إنفاقا على جماعات اللوبي ومراكز البحث الأمريكية.

ويقول بن فريمان، مدير مبادرة التأثير الأجنبي والشفافية بمركز السياسة الدولية، إن “الإمارات هي رمز عن صناعة التأثير الأجنبي بشكل عام ولكنهم بارعون بها وبشكل استثنائي” و”هذا مثال عن المدى الذي ذهبوا إليه للحصول على ما يريدون. فزعيم دولة يعتقد أنه حليف لأمريكا يقوم بخرق قوانين تمويل الحملات الانتخابية من أجل تمرير المال لسياسيين، وبالنسبة لي فهذا جنون”. وتقول الصحيفة إن ممثلا عن السفارة الإماراتية في واشنطن رفض التعليق.

لفت جورج نادر انتباه المحققين أولا لجهوده في بناء علاقات مع حملات ترامب وإدارته لاحقا نيابة عن محمد بن زايد

ولفت جورج نادر انتباه المحققين أولا لجهوده في بناء علاقات مع حملات ترامب وإدارته لاحقا نيابة عن محمد بن زايد. وبعد الانتخابات حاول نادر مساعدة رجل أعمال روسي مقرب من فلاديمير بوتين في التواصل مع ترامب. وبعد تنصيب ترامب قام نادر بمساعدة محمد بن زايد بترتيب لقاء في منتجعه بجزر سيشل لرجل أعمال روسي وإريك برينس، المتبرع للحزب الجمهوري وصاحب شركة تعهدات أمنية. وقدم نادر شهادة العام الماضي للمحقق الخاص روبرت مولر الذي حقق في التدخل الروسي في انتخابات عام 2016 وهو الآن في السجن بتهم تتعلق بأفلام إباحية لأطفال.

وكل من نادر وخواجة هما أمريكيان من أصول لبنانية. فأحمد خواجة الذي يستخدم اسم “أندي” هو مؤسس شركة تخليص مالية، وتوصل لتسوية مرتين مع مفوضية التجارة الفدرالية بتهم تتعلق بمساعدته مواقع إنترنت على تبييض الأموال، وصودر منه 13 مليون دولار عام 2009 وقصر بقيمة 15 مليون دولار في بيفرلي هيلز العام الماضي. وهو شخص يحب المظاهر فمع توسع شركته تزوج من عارضة أزياء مولودة في ليتوانيا واشترى عددا من السيارات الراقية بما فيها فيراري وبدأ يحضر وزوجته الحفلات الباذخة وإظهار الغنى – مجوهرات وملابس من المتاجر الراقية.

وفي عام 2014 أنتج خواجة برنامج “عارضة أزياء أصبحت نجمة” وصور فيه فتيات شابات يحطن به على يخت. بل وقدم خواجة تبرعات سياسية قبل عام 2015 وهو العام الذي التقى به بنادر أثناء زيارة للإمارات العربية المتحدة. وأرسل خواجة الذي يتقن اللغة العربية رسالة إلى ولي العهد محمد بن زايد طلب فيها مقابلة “سموه ومناقشة خطط شركتنا لنقل المعرفة في مجال التكنولوجيا والتعليم والخدمات المالية إلى الإمارات”.

ولا يعرف إن تمت المقابلة أم لا لكن خواجة بدأ بعقد مقابلات مع نادر ومناقشة بعض المبادرات التجارية. وفي نفس الوقت بدأ خواجة أيضا بتقديم آلاف الدولارات إلى الحزب الديمقراطي. واستطاع الوصول إلى مناسبات كلينتون وكبار مستشاريها بما في ذلك حفلة جمع تبرعات عقدها خواجة في بيته مع بيل كلينتون في حزيران (يونيو) 2016 وبحضور نادر عادة. وتكشف عدة رسائل نصية بينهما كيف طمأن نادر خواجة بوصول كميات كبيرة من المال للتبرع بها.

ففي رسالة كتبها نادر في 18 تموز (يوليو) تحدث عن “بقلاوة طازجة مصنوعة باليد والحفلات الخاصة فقط في طريقها إلى بيتك وتصل نهاية الشهر. والصينية الأولى في الطريق!”.

وأضاف: “عندما تذوقها وتحب المختارات فسيصل المزيد”. ورد خواجة قائلا: “وصلت صباحا مجموعة من قطع البقلاوة 2.7 قطعة”، وذلك بعدما تلقت شركته تحويلة من 2.5 مليون يورو من نادر.

وفي رسالة أخرى بعد أسبوعين وعد نادر بأنه سيضغط على المخبر لكي يخبز مزيدا من البقلاوة. وتكشف الرسائل أن نادر ظل على اتصال مع الأمير محمد بن زايد وأخبره بالتطورات. وكتب في حزيران (يونيو) 2016: “سأسافر صباح السبت وأحاول متابعة أختنا الكبيرة وزوجها، وسأراه يوم الأحد وهي الثلاثاء، سيدي أرغب برؤيتك غدا حسب رغبتك للحصول على نصيحتك وتعليماتك ومباركتك”. وكانت الرسالة موجهة لمسؤول إماراتي هو نفسه محمد بن زايد.

نادر إلى بن زايد: سأسافر صباح السبت وأحاول متابعة أختنا الكبيرة وزوجها، وسأراه يوم الأحد وهي الثلاثاء، سيدي أرغب برؤيتك غدا حسب رغبتك للحصول على نصيحتك وتعليماتك ومباركتك

وفي مناسبة أخرى كتب قائلا: “لقد حظيت بلقاء رهيب مع أختنا (أتش) وستكون مسرورا”. وفي نفس الوقت كان نادر يعمل على بناء علاقات مع فريق ترامب. وكتب لمسؤول إماراتي في تموز (يوليو) 2016: “أحاول التواصل مع رموز في المعسكرين وأقوم بتطوير علاقة ثابتة ومتواصلة وبناءة مع المعسكرين”. وحضر كل من نادر وخواجة حفلة كلينتون ليلة الانتخابات في مانهاتن حسب أشخاص على معرفة بها. وبعد يوم واحد من الانتخابات تكشف لائحة الاتهامات كيف بدأ خواجة ونادر بتحويل الدعم باتجاه ترامب حيث بدأ بتبرع مليون دولار لحفلة التنصيب. وبعد شهر كتب خواجة في رسالة لنادر: “لا أستطيع الحديث أنا مع ترامب” حيث أرسل صورة له مع الرئيس المنتخب في حملة جمع تبرعات بمنهاتن.

وعلى ما يبدو لم يسأل الجمهوريون الكثير من الأسئلة حول تحول خواجة من الدعم للديمقراطيين إلى الجمهوريين. وشوهد جامع التبرعات للجمهوريين إليوت برويدي وهو يصف خواجة كواحد من أهم المتبرعين. وبدأ برويدي الذي حاول الحصول على عقود عسكرية مع محمد بن زايد بتطوير علاقة مع نادر عام 2017. ويتعرض للتحقيق من السلطات الفدرالية بتهمة العمل كوكيل لدولة أجنبية -الإمارات- ولم يسجل لدى السلطات.

ففي الرسائل النصية التي حصلت عليها نيويورك تايمز كتب موظف جمهوري لبرويدي بداية عام 2017: “اتصلت مع أندي خواجة (ربما خمس مرات) وذكرته بأن يحول 250.000 دولار غدا”. وبعد خمسة أيام تبرع خواجة وزوجته بالمبلغ المطلوب للجنة الوطنية للحزب الجمهوري. وكتب برويدي لاحقا لموظف في الحزب الجمهوري: “أظن أن كل الأموال هي خضراء في اللجنة القومية للحزب الجمهوري” وذلك بعدما اكتشف أن خواجة سيتبرع بالمزيد.

القدس العربي