كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

قِيادة فِلسطينيّة «بديلة» من رحم الاحتلال وبدعم أمريكيّ؟ ما هو مصير عبّاس وسلطته؟

لا نَستبعد وجود مِثل هذهِ المُحاولات ولا نَستغربها، ونتوقّع أن تتضاعف وتيرتها في الأسابيع والأشهر المُقبلة، خاصّةً بعد أن أوقفَ الرئيس محمود عباس جَميع اتصالاتِه ولقاءاتِه مع المَسؤولين الأمريكيين بعد قرار الإدارةِ الأمريكيّة الحاليّة نَقل السفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلّة، وحَرّض على الذّهاب إلى الجمعيّة العامّة للأُمم المتحدة لتجنّب “الفيتو” الأمريكي وإدانة الاعتراف الأمريكي بالقُدس المُحتلّة عاصِمةً لإسرائيل، لَعِبَ دورًا كبيرًا في تحشيد الأصوات لإدانة قرارات ترامب هذه.

السلطة الفِلسطينيّة على علمٍ بهذه الاتصالات الأمريكيّة والإسرائيليّة التي تتم من وراء ظَهرِها، وأفادت مصادر فلسطينيّة مُقرّبة من السّلطة في رام الله لـ”رأي اليوم” أن الرئيس عباس يعيش حالةً من الغَضب الشديد ليس بسبب نقل السفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلّة، وإنّما أيضًا من الاتفاق الأمريكيّ الإسرائيليّ الذي جَرى التوصّل إليه مُؤخّرًا، وفي سِريّةٍ مُطلقة، بإيجاد قيادةٍ فِلسطينيّة بديلة، تَرضخ للإملاءات الإسرائيليّة، وهذا ما يُفسّر قراره بعدم لقاء مايكل بنس، نائب الرئيس الأمريكي، وتَجميد جميع اللقاءات مع القُنصل الأمريكي في الأراضي المُحتلّة، وعدم أهليّة الإدارة الأمريكيّة لرعاية أي عمليّة سلام لأنّها لم تَعُد وَسيطًا نزيهًا.

الصّفقة الكُبرى التي تَوصّل إليها المَبعوث غرينبلات وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر تنص، حسب بعض التّسريبات، على إقامة كيانٍ فِلسطينيٍّ هَزيل في الضِفّة الغربيّة دون أي سيادةٍ أو حدود، والاعتراف بالقُدس المُحتلّة عاصِمةً مُوحّدة للدولة الإسرائيليّة وتَكون صلاحيّاته، أي الكَيان الجديد مَحدودةً جدًّا، لا تَزيد عن السّلطات البلديّة، وإقامةِ دولةٍ فِلسطينيّةٍ في قِطاع غزّة تُضاف إليها بَعض الأراضي من صَحراء سيناء لتسمينها، وتَحمِل هذهِ الدّولة اسم فِلسطين، وتَقديم رَشوةٍ ماليّةٍ كُبرى في المُقابل.

الرئيس عباس، مِثلما وصلنا من معلومات، رفض جميع هذه الأفكار، وأصرّ على قِيامِ دولةٍ فلسطينيّةٍ مُستقلّةٍ عاصمتها القدس، وتَعرض لضُغوطٍ شَديدةٍ من قِبل القيادة السعوديّة والأمير محمد بن سلمان، الذي يُقيم علاقة صداقة قويّة مع كوشنر، صهر ترامب، للتّجاوب مع المُقترحات الأمريكيّة، وتلقّى عرضًا ماليًّا بأكثر من عشرة مليارات دولار كمُكافأة له في حال القُبول، حسب المصادر الفِلسطينيّة السّابقة نفسها، والزّيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس عباس للرياض، ولقائِه مع العاهل السعودي كانت بهَدف مَحو أضرار الزيارة الأولى قبل شهر، وهذا ما يُفسّر صُدور بيان بعد اللقاء مع العاهل السعودي يُؤكّد أن المملكة تَدعم دون تَحفّظ قِيام دولةٍ فِلسطينيّةٍ مُستقلّة عاصمتها القدس الشريف، وتأكيد الرئيس عباس أكثر من مرّة أن القِيادة السعوديّة تَدعم المَوقف الفِلسطيني، وقِيام الدّولة المُستقلّة، وتُعارض بشِدّة القرار الأمريكيّ بتَهويد المَدينة المُقدّسة ونَقل السّفارة الأمريكيّة إليها.

جميع المُحاولات السّابقة التي بَذلتها إسرائيل وأمريكا لإيجاد قيادةٍ فلسطينيّةٍ بَديلة وآخرها روابط القُرى مُنيت بالفَشل الذّريع، وقُوبِلت بالرّفض الشّعبي، والتمسّك بمُنظّمة التحرير كمُمثّل وحيد، فرَغم تحفّظات الأغلبيّة من الفِلسطينيين على بعض سياسات الرئيس عباس ومن بَينها التّنسيق الأمني، والفَساد، وتَجميد المُؤسّسات الوطنيّة الفِلسطينيّة مِثل المجلس الوَطني والمَجلس التشريعي، واختصار السّلطة في مَجموعة أفراد تتحكّم في القَرار الفِلسطينيّ، فإنّ الفِلسطينيين لا يُمكن أن يَقبلوا بقِيادةٍ بديلة تأتي من رَحِم الاحتلال وتُفرّط بالثّوابت الفِلسطينيّة، وتكون أداةً لتَنفيذ المَشاريع الأمريكيّة والإسرائيليّة.

تجربتنا مع السّلطة الفِلسطينيّة طِوال السنوات الماضية مُخيّبة للآمال، فقد قَدّمت الكثير من الوعود بوَقف التّنسيق الأمني، وسَحب الاعتراف بإسرائيل، وإلغاء اتفاقات أوسلو، ولكنّها لم تُنفّذ أي من هذهِ الوعود رغم صُدورها عن الرئيس عباس نَفسه، والمجلس المركزي الفلسطيني، ونأمل أن تكون التعهّدات الحاليّة في وَقف الاتصالات مع أمريكا، والبَحث عن وسيطٍ نَزيه في العمليّة السلميّة، ودَعم الانتفاضة، تَعهّدات جديدة سيَتم الالتزام بِها وتَنفيذها.

إذا أوفتْ هذهِ القِيادة بالعَهد، وانحازت إلى الشارع الفِلسطيني ومَطالبه، ودَعمت الانتفاضة، سَتجد كل الدّعم والتأييد، أمّا إذا تراجعت، والتّراجع غير مُستبعد، فإنّ الانتفاضة ستَضعها في سلّةٍ واحِدةٍ مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

نحن في هذهِ الصحيفة “رأي اليوم” لن نَكون إلا في مُواجهة أي قِيادةٍ بَديلة تُحاول أمريكا وإسرائيل فَرضَها على الشّعب الفِلسطينيّ، وسَندعم أي قيادة تَقِف في خَندق الانتفاضة، وتَحترم الثّوابِت الفِلسطينيّة، وتلتزم بالمُصالحة الفِلسطينيّة شَريطةَ أن تكون على أرضيّة المُقاومة بأشكالِها كافّةً.

الرّد على مُؤامرة القِيادة البَديلة تتمثّل في تَعزيز الوِحدة الوطنيّة، وإعادة تَفعيل المُؤسّسات الوطنيّة المُنتخبة، وإجراء انتخاباتٍ رئاسيّةٍ وتَشريعيّةٍ لتَصعيد قِياداتٍ جديدةٍ قادِرةٍ على تَحمّل مَسؤوليّة المَرحلة ومُتطلّباتِها.

أي قِيادة بديلة تُولد على يَد القابِلتين الأمريكيّة والإسرائيليّة هي قِيادةٌ مَشبوهةٌ، وغير وَطنيّة، وعَميلة، يَجب أن تُواجه بالرّفض والمُقاومة من الشّعب الفِلسطينيّ في الوَطن والمَهجر.

“رأي اليوم”