كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

كيف خسرت سوريا ثمانين طائرة في يوم واحد؟

في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد “نزع العجلة الرابعة” من الصراع العربي-الصهيوني، كما يصف موشيه ديان إخراج مصر من المواجهة مع كيانه بعقد إتفاق كامب ديفيد معها، كانت المواجهة السوريّة-الصهيونيّة على أشدها وخصوصاً في لبنان.

ما هي العقبات التي حالت دون تسليح سورية؟. ماهي شروط الرئيس “الأسد” للموافقة على إقامة القواعد السوفيتية؟. كيف خسر الجيش العربي السوري دفاعاته الجوية وثمانين طائرة في يوم واحد وبمعركة واحدة؟ مقاربة جديدة، ستقلب بالمعلومات الكثير مما نتداوله لتفسير هذه الأحداث وغيرها.

* حذر ومتألم في الخارجية، وخَرِف في الكرملين:

جاء نائب قائد الإسطول السوفيتي الجنرال “نيكولاي سميرنوف” إلى سورية، وتفقد المكان المحتمل لإقامة قاعدة سوفيتية على ساحلها. رأى القادة العسكريون فيها حليفاً إستراتيجياً يتمتع بموقع جيو-سياسي حاكم: النفوذ السياسي والعسكري في أكثر بقاع العالم أهمية، إطلالة بحرية إستثنائية على المتوسط من مضيق جبل طارق وصولاً إلى الدردنيل، موقع عسكري متقدم لكبح وتهديد القواعد الأمريكية في المنطقة برمتها من المتوسط حتى الخليج الفارسي… لكن الراحل الكبير حافظ الأسد لم يوافق على إقامة مثل هذه القاعدة إلا بعد تنفيذ عدة شروط، إلى جانب تسليح شامل للجيش العربي السوري وفصائل المقاومة الفلسطينية، أصرّ “الأسد” على نشر قواعد صواريخ مضادة للطائرات على الحدود السورية-اللبنانية بقوام (6000) جندي من أطقم القتال والصيانة والدعم، تكون في حالة تأهب دائم وفي مواجهة العدو الصهيوني بشكل خاص. نقل “سميرنوف” الشروط السورية إلى وزير الدفاع السوفيتي “أوستينوف”، وردّ بالموافقة دون تردد، ومع أن رئيس الـ(ك،ج،ب) “أندربوف” أيد هذا الإتفاق بشدة، إلا أن وزير الخارجية آنذاك “غروميكو”، الذي كان “يكره” الخوض في قضايا الشرق الأوسط، إنطلاقاً من خلفيته الثقافية والدبلوماسية، وميله لمناقشة القضايا الأوروبية والحدّ من التسلح، والمتألم جداً لتجربة موسكو مع أنور السادات، خصوصاً وأنّه لم يكتف بطرد الخبراء السوفييت من مصر؛ بل عمل على مكافحة النفوذ السوفيتي في أفريقيا كما فعل في الصومال وزائير… رفض مثل هذه الصفقة عند مناقشتها في الدوائر المختصة، بحجة أنها “ستورط” موسكو مباشرة في النزاع حال تطوره. لقد كان هناك خلاف؛ بل وتناقض في القيادة السوفيتية: وزارة الدفاع والمكتب الدولي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي من جهة، ووزارة الخارجية ممثلة بغروميكو من جهة ثانية، حول المدى الذي قد يذهبوا إليه دفاعاً عن حلفائهم في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً. إنتصرت وجهة نظر غروميكو حول عدم الإنخراط المباشر في مواجهة محتملة مع “إسرائيل” قد تتطور إلى مواجهة فعلية، ما يستدعي تدخلاً أمريكياً مباشراً لتنطلق شرارة الحرب النووية الكبرى.

بعد كارثة البقاع، وخسارة جزء كبير من الدفاعات الجوية، طار الرئيس حافظ الأسد إلى موسكو في 14/5/1981، ليوافق على القاعدة السوفيتية مقابل الحصول على الدعم العسكري العاجل، وأستقبله “ليونيد بريجنيف” في المطار، وفي طريقهما إلى الكرملين بالسيارة، قال برجنيف:”يأتينا كل من هبّ ودبّ، وعليّ أن أستقبلهم وأودعهم”… كان “الخرف” قد بلغ مبلغه من الرجل، وفقد القدرة على التمييز كيف يتكلم ومع من يتكلم. ردّ “الأسد”:(أليس في هذا يكمن جوهر حركات التحرر ضد الإمبريالية) ولم يكن هذا كلّ شيء. خلال المباحثات أصرّ برجنيف أن يُسمى الحضور السوفيتي على السواحل السوريّة بالقاعدة وليس نقطة التأمين المادي والفني… خلال فترة وجيزة من عودة الرئيس حافظ الأسد، أبلغت سورية السفير السوفيتي في دمشق “فلادمير يوخين”، ربطها مجدداً إقامة القاعدة السوفيتية على السواحل السورية بتنفيذ شروطها السابقة، وإلا لا إتفاق ولا قاعدة… وأنتهى الأمر. لقد بدأ الوهن يلف مواقف موسكو في المنطقة، وصار التردد سمتها الغالبة.

عندما صعد “أندربوف” من مدير لجهاز (ك،ج،ب) إلى رئيس للإتحاد السوفيتي، تعززت رؤية الجناح العسكري-الأمني في القيادة السوفيتية، وهذا ملخصها: (سنقوم بنشر تشكيل محدود للقوات، إلا أنّه يضمن حماية سورية من “إسرائيل”، وسيشكل مركز ثقل قوي مضاد للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط). وكانت تلك الترجمة العملية لرؤية الرئيس “أندروبوف” للمنطقة: 1-يجب أن نحمي حلفائنا، وفعلاً أرسل فوجي صواريخ أس-200 إلى سورية بعد كارثة البقاع. 2-تحقيق المصالحة بين حلفائنا في المنطقة، مصالحة بين سورية والعراق، وأخرى بين سورية ومنظمة التحرير الفلسطينية… . 3-إفشال المشاريع الأمريكية في المنطقة، وخصوصا “مشروع ريغان” لتصفية القضية الفلسطينية. ولم يكن موقف الرئيس “أندربوف” سوى قفزة نوعية خارج سياق تراجعي قهري تقريباً، إستفادت منها سورية كثيراً، لذلك لم يدم “أندربوف” ولا تلك القفزة طويلاً.

* كيف خسرنا في البقاع؟:

عقب كارثة البقاع، أبلغ السوريون السوفييت أن الأسلحة السوفيتية خذلتهم بالكامل، وكانت بلا فائدة على نحو تام، وتركتهم في موقف عسكري وسياسي صعب للغاية… سورية بلا غطاء جوي، وما تبقى من طائراتها كان يعمل بلا رادارات. رفضت القيادة السوفيتية مثل هذه الأحكام، وتوجه رئيس الأركان السوفيتي آنذاك، المارشال “أوغاركوف”، مباشرة إلى دمشق، وبدأ بسوق الأدلة على أنّ سورية لم تمتلك يوماً أحدث من أنظمة الرادار والطائرات والدفاعات الجوية التي تمتلكها اليوم، وأنّ اللوم الأكبر يقع على الجندي السوري بسبب تدني كفاءته في التشغيل وإدارة المعارك… ودار جدل طويل لم ينته إلا بوصول “أندربوف” إلى الكرملين في تشرين الثاني/1982، أي بعد الكارثة بثلاثة أشهر فقط؛ حيث أمد سورية بكميات كبيرة من السلاح للتعويض عن هذه الخسارة.

بقيت تلك الخسارة المريرة سراً لعدة أعوام، وتحديداً العام 1985. لم يخطر على بال المارشال “أوغاركوف” ولا على بال أحد، بأن “أدولف تولكاتشوڤ” كبير مهندسي (المعهد السري للأبحاث العلمية لأجهزة الإتصال عن بعد) كان عميلاً لوكالة المخابرات المركزية، وقد سلمها خلال الأعوام (1979-1985) بكل ما وقع تحت يديه من وثائق بالغة الحساسية تتعلق برادارات الطائرات القاذفة والإعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي وصواريخ جو-جو… وبلغت معلوماته من الخطورة حدّاً جعلته يتلقى راتباً يوازي راتب رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت $200,000 سنوياً. صحيح بأن هذا الجاسوس المرتزق أُعدم في 24/9/1986، إلا أن الضرر قد وقع فعلياً، وكانت سورية أحد الأطراف التي عانت من الآثار الكارثية لهذه الخيانة.

لقد قامت واشنطن بنقل تفاصيل رادارات المقاتلات وبطاريات الدفاع الجوي السوفيتية الصنع التي تمتلكها سورية إلى الكيان الصهيوني، وصارت على دراية تامة بنظم توجيه طائرات الميغ السورية، والإجراءات المضادة التي تستخدمها للإفلات من طائرات وصواريخ العدو، وأسرار بطاريات الدفاع الجوي السوريّة الفنيّة والعملياتيّة… تجلّت هذه الآثار في معركة البقاع الجوية 9/6/1982، حيث تمكن العدو خلال ساعتين فقط، من اسقاط ثمانين طائرة سورية، وتدمير كامل منظومة الدفاع الجوي السوري في لبنان.

* ختاماً، تكشف هذه المعلومات جوانب لا يلتفت إليها الكثيرون: كيف يمكن لسورية أن تحرر جولانها وقد أصبحت مكشوفة أمام عدوها، وكم من الوقت إحتاجت لتجاوز هذا الزلزال…؟. لماذا إستهدفت أدوات الغزو الإرهابي كافة مكونات الدفاع الجوي والمطارات؟… كما تكشف عبقريّة اللجوء إلى خيار سلاح الصواريخ، والأهمية القصوى للدور الذي قامت به مراكز البحوث العلمية في سورية، وإصرار العدو الصهيوني وأدواته على إستهدافها بعد أن ساعدت بإسقاط أحد أهم طائراتها أف-16 صوفا… ظلمت سوريّة كثيراً، والأسوأ أن الكثير من هذا الظلم كان مقصوداً، ولكن للحق فجره، وهذه محاولة متواضعة في تقريب هذا الفجر.

سمير الفزاع : شام تايمز