كيف قدّم بوتين طوق النّجاة لأردوغان في ليبيا؟

العالم – أوروبا

ولهذا لا نَستبعِد أن تنطبق هذه القاعدة، جُزئيًّا أو كُلِّيًّا، على اتّفاق وقف إطلاق النّار الأخير الذي جرى التوصّل إليه بين الرئيسين فلاديمير بوتين، ورجب طيّب أردوغان الأربعاء الماضي وجرى إعلان تطبيقه فجر اليوم الأحد في طرابلس الليبيّة.

صحيح أنّ الجانبين المُتحاربين التزَما علانيّةً به، أيّ قوّات حُكومة الرئيس فايز السراج المُعترف فيها دوليًّا التي تقف في خندق الدّفاع، في مُقابل قوّات الجنرال خليفة حفتر المُهاجمة للعاصمة، ولكنّه يظل اتّفاقًا هشًّا يملك فرص ضئيلة للصّمود تمامًا مِثل جميع، إن لم يكُن كُل، الاتّفاقات المُماثلة السّابقة في الأزَمات العربيّة، والسوريّة تحديدًا.

إنّها هدنة قصيرة تُتيح للقوّات المُتقاتلة التقاط الأنفاس استعدادًا للجولة القادِمة من القِتال، ومن يقول غير ذلك لا يعرف الأزَمة الليبيّة، ولا يقبل بالنظريّة التي تترسّخ وتقول إنّ السّيناريو السوري يتكرّر في ليبيا وبنفس الوجوه تقريبًا، ومن أجل مكاسب اقتصاديّة، النّفط والغاز وعُقود صفقات إعادة الإعمار للبُنى التحتيّة هو جوهرها، ومصالح الشّعب الليبي تحتل ذيْل أولويّات الجهات المُتصارعة، والدوليّة منها خاصّةً.

تزامن إعلان وقف إطلاق النّار في كُل من إدلب السوريّة وطرابلس الليبيّة يُوحِي، بل يُؤكِّد، مسألة الرّبط المذكورة آنفًا، ولا نُبالغ إذا قُلنا إنّ كُل ما قيل عن المُقايضة الروسيّة التركيّة التي جرى التوصّل إليها في المُكالمة الهاتفيّة الأربعاء الماضي بين بوتين وأردوغان وأدّت إلى التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النّار صحيح.

العُنوان الأبرز لهذه المُقايضة هو تقديم السّلم المطلوب للرئيس التركي للنّزول عن شجرة إدلب العالية جدًّا التي صعد إليها ولا يعرف كيف النّزول، ونحنُ نتحدّث هُنا عن توفير ممر خُروج جويّ آمن "للمُسلّحين المُتطرّفين" الذين يسيطرون على قلب مدنية إدلب، ومن ارهابيي هيئة تحرير الشام (النّصرة سابقًا) إلى طرابلس الغرب للقِتال إلى جانب زُملائهم السّلفيين الذين يُشَكِّلون العمود الفِقري لجيش الرئيس السراج وحُكومته، وبدون تذكرة عودة، تمامًا مِثل اتّفاقات الخُروج من شرق حلب، والغوطة.

المُقاتلون الروس المُرتزقة الذين وصلوا إلى العاصمة الليبيّة للقِتال دَعمًا لجيش حفتر المدعوم مِصريًّا وإماراتيًّا وسَعوديًّا، ويُقدّرون بالآلاف سيعود الأحياء منهم إلى موسكو، ولكنّنا لا نعتقد أنّ المُسلحين السّوريين “المُرتزقة” الآخرين الذين جرى شحنهم بالآلاف عبر جسر جوي إلى مصراته وطرابلس سيجدون من يُرحِّب بعودتهم، فقد ذهبوا هُناك لكيّ تكون العاصمة الليبيّة محطّتهم الأخيرة، سواءً كانت نتيجة المُواجهة نَصرًا أو هزيمةً، طالما أنّهم بعيدون عن سورية وتركيا معًا، الأمر الذي سيُعفِي الرئيس أردوغان من حرجٍ كبيرٍ سواءً كان داخليًّا أو خارجيًّا، فالروس أعطوه المُهلة والمخرج من ورطته في إدلب، وتجنّب الصِّدام معهم والجيش العربي السوري أو مع جبهة “النصرة” الارهابية في معارك تصفوية دمويّة قد تُؤدِّي إلى تدفّق مِئات الآلاف من اللّاجئين السوريين في المدينة إلى الأراضي التركيّة طَلبًا للسّلامة، بعد تعثّر خُطط إعادة توطينهم في المِنطقة الآمنة في شِمال وشِمال شرق سورية.

الاجابة الأكثر دقّة عن سؤالٍ حول ما بعد وقف إطلاق النّار في ليبيا، هي المزيد من الانتِهاكات، والمزيد من الاتّفاقات المُؤقّتة بوقف إطلاق النّار، لأنّ الاتّفاق الأخير بين أردوغان وبوتين ليس هَشًّا فقط، وإنّما كان ارتجاليًّا، لا يملك فُرص الصّمود، لعدم وجود أيّ آليّات مُراقبة دوليّة أو إقليميّة لتطبيقه وتوجيه اللّوم إلى الجِهات التي تخترقه.

عندما لا يُرسل الرئيس أردوغان الآلاف من الجُنود الأتراك إلى طرابلس الليبيّة تنفيذًا لالتِزاماته لحُكومة السراج الحليفة، ويسعى إلى وقفٍ لإطلاق النّار مع حليفة بوتين، فهذا يعني أنّ المسألة هي مُحاولة كسب الوقت لا غير، وإطلاق التّهديدات بَحثًا عن المخارج.

المُعادلة الرّاهنة في ليبيا تقوم على قاعدتين أساسيتين: قوّات تُحاصر وتُهاجم (حفتر) تُريد السّيطرة على العاصمة وتوحيد جناحيّ الدولة الليبيّة الشرقيّ والغربيّ تحت خيمتها، وقوّات تُدافع عن العاصمة وتُريد أن تهزم المُهاجمين، وتملك غِطاءً دوليًّا، ولا توجد حُلول وسط، فلا يُمكن أن يتنازل طرفٌ للآخر، ولا يُوجد البديل الثّالث حتى الآن، اللهمّ إلا إذا تدخّلت قوّات حِلف الناتو مِثلَما فعلت عام 2011 جَويًّا وأرضيًّا للسّيطرة على البِلاد وإنهاء القِتال بالقوّة، ولا يُوجد أيّ مُؤشِّر يُوحِي بذلك حتى الآن، لأنّ أيّ تدخّل أرضي للنّاتو سيعني غزوًا واحتِلالًا على غِرار ما حدث في كُل من العِراق وأفغانستان، وهذا سيناريو مُرعب، ونعتقد أنّ اجتماع برلين المُقبل حول ليبيا بحُضور الدّول العُظمى والإقليميّة، وبدون طرفيّ القِتال، سيتردّد كثيرًا في اتّخاذه لخُطورته.

الرئيس الروسي بوتين بات هو الكاسب الأكبر في حلبة الصّراع في ليبيا حتّى الآن، كما هو حاله في سورية، وبات قصره في موسكو قبلة الحجيج لزُعماء العالم، وآخِر حُجّاجه أنجيلا ميركل، مُستشارة ألمانيا، سعيًا لإنجاح مُؤتمرها المُقبل الذي لم يتحدّد موعد انعقاده حتّى كتابة هذه السّطور.. واللُه أعلم.

“رأي اليوم” – بتصرف