كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

ليبرمان وفوبيا الجزائر

العالم- الجزائر                        

تصريح ليبرمان – والحق ما شهدت به الأعداء- هو اعترافٌ منه بقوة الدبلوماسية الجزائرية، التي يميزها أولا ثبات الموقف الجزائري من قضية فلسطين بالرغم من المتغيرات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وتميِّزها ثانيا سياسة المقاطعة الجزائرية الشاملة للكيان الإسرائيلي على جميع الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية… ويميزها ثالثا تجريم الجزائر لسياسة التطبيع مع هذا الكيان السرطاني لكونه يمثل خيانة حقيقية للإيديولوجيا الدينية والسياسية والاجتماعية.

لم يستطع ليبرمان إخفاء هذه الحقيقة التي ورثها عن سفير الاحتلال الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وزير الخارجية الأسبق "أبا إيبان"، الذي ينحدر من جنوب إفريقيا، وجعلته أصوله الإفريقية مطلعا أكثر من غيره على خبايا السياسة والدبلوماسية الإفريقية على وجه العموم، وعلى موقع الجزائر على صعيد السياسة والدبلوماسية الإفريقية على وجه الخصوص، لم يجد أبا إيبان بدا من الاعتراف بهذه الحقيقة على طريقته "كأن تقترح الجزائر مشروع قرار يقول: إن الكرة الأرضية مسطحة وأن إسرائيل هي من سطحتها"، كلام كهذا رغم استحالة تحققه ينم بحسب المحللين النفسانيين عن نفس مهزومة تتملكها فوبيا من نوع خاص لا أمل للخلاص منها تسمى "فوبيا الجزائر"، وهي الفوبيا التي عبَّر عنها الإعلام الإسرائيلي أكثر من مرة بمناسبة ومن غير مناسبة، وبالرجوع إلى كرونولوجيا المواجهة العربية الإسرائيلية، يمكننا أن نكتشف سرّ هذه الفوبيا، فشهادة "دافيد أليعازر" رئيس هيئة أركان الكيان الإسرائيلي الأسبق عن بسالة الجنود الجزائريين في الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1973 كافية لتفسير فوبيا الجزائر التي جعلت ليبرمان يفقد صوابه، ويوعز تصويت الأغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام ضد تغيير وضع القدس إلى دور الجزائر الدبلوماسي النشيط في هذا المجال.

فلا شك أنه رجع إلى دفاتر الأيام النحسات التي قضى فيها الجندي الجزائري على الصلف الإسرائيلي، وحطم فيها أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، حيث رأى أن القوات الإسرائيلية الغازية خسرت حربها سنة 1973 نتيجة استهانة واستهتار "أرييل شارون" في ذلك الوقت بقدرات الجيش الجزائري، حيث انتهت المعركة بخسارة 900 جندي إسرائيلي وتحطيم  172 دبابة. صحيحٌ أن هذه الواقعة شأن حربي، ولكن في تاريخ الدول لا يمكن التفريق بين ما هو حربي وما هو سياسي، لأنهما يمثلان في النهاية خطا قوميا واحدا غير قابل للتقسيم.

صحيحٌ أن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار العربي الإسلامي بإبطال القرار الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ليس ملزِما، وصحيح أيضا أن الولايات المتحدة الأمريكية قد لجأت كعادتها لإجهاض هذا القرار باستخدام ما يُسمَّى "حق الفيتو"، ولكن مع ذلك فإن التصويت وبهذه الأغلبية المريحة ومن دول عربية وإسلامية، وأخرى غير عربية وغير إسلامية يعدّ انتصارا للدبلوماسية العربية، ومنها الدبلوماسية الجزائرية التي لعبت دورا كبيرا في التحضير للمنازلة الأممية من خلال تحريك آلتها الدبلوماسية وتكثيف عمليات الاتصال والتنسيق مع الدول العربية والإسلامية الشقيقة والدول الصديقة.

لم يبق لليبرمان بعد هذا الانتصار الكاسح إلا أن يهوِّن من وقع الهزيمة بالإفصاح عن تعلق إسرائيل بالدعم الأمريكي الكفيل وحده –حسب زعمه- بمحو آثار النكسة الأممية، والخروج من النفق المظلم الذي فرضه المجتمع الدولي، سيظل ليبرمان يعاني من مضاعفات فوبيا الجزائر، لأنه يعلم أن تزايد الدعم العربي والإسلامي والعالمي لفلسطين والحضور الجزائري والمغاربي التاريخي في القدس الذي يخلده باب "المغاربة" وغيره من الساحات المقدسية سيحسم المعركة لصالح التيار العربي الإسلامي.

إن فوبيا الجزائر عند ليبرمان لن يخفف من وطأتها تفاؤلُ رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي "بنيامين نتانياهو" بخصوص ارتفاع عدد الدول المسانِدة لإسرائيل، وأنها ستخفف الوطء الذي تفرضه الدول المعادية لإسرائيل وفي مقدمتها الجزائر، لأن هذه الدول المسانِدة ليست في الحقيقة إلا "إسرائيل" وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى بعض الدول التي لا تمثل وزنا ذا بال في سلم السياسة والدبلوماسية الدولية على غرار: هندوراس، غواتيمالا، جزر المارشال، ميكرونيزيا، ناورو، بالاو، فليس بإمكان هذه الدول الصغيرة إنقاذ "إسرائيل" من نكستها الأممية التي لعبت الدبلوماسية الجزائرية دورا مهما في حدوثها داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخاصة إذا علمنا أن بعض هذه الدول أحجمت عن تأييد القرار الأممي، طمعا في الدعم الأمريكي لاقتصادياتها المنهارة، وخوفا في نفس الوقت من الغضب الأمريكي في حال قررت الانضمام إلى الأغلبية الدولية المؤيدة للقرار العربي الإسلامي بشأن القدس.    

أعرف أن هناك معارضين للسياسة والدبلوماسية الجزائرية، يحاولون التهوين من مواقفها على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي، ولكنني أعرف في الطرف المقابل فخورين بالسياسة والدبلوماسية الجزائرية، لأنها أثبتت نجاعتها وفعاليتها في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من صعيد، ويكفي أن تتملك "فوبيا الجزائر" ليبرمان لكي يأخذ منه المعارضون العبرة، فلفلسطين بعد الله، الجزائر كما قال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات للفلسطينيين: "إذا ضاقت بكم الدنيا ولم تجدوا مفرا فعليكم بالجزائر فإن بها رجالا".

بوابة الشروق – محمد بوالروايح

213