ما الذي يهدف اليه ترامب من وراء تصريحاته عن ايران؟

العالم- تقارير

الرئيس الامريكي الذي كرّس جل إهتماماته نهايات العام الماضي ليتمكن من تحفيز بعض الدول الإقليمية التي تدور في الفلك الأمريكي، على المشاركة في إجتماع وارسو، واجه رفضا محسوسا، نتيجة الضغوط الشعبية على حكوماتها، وتحذيرها من الإنخراط في المشروع الترامبي، لتأليب بعض دول المنطقة ضد بعضها الآخر.

هذا الفشل الأمريكي الذي جاء بعيد إعلان سمسار البيت الأبيض سحب القوات الأمريكية من سوريا، جعله يبحث عن شماعة اخرى، عسى ان يتمكن من تعليق بعض فشله عليها، فإعتقد أن العراق وبحكم حضور القوات الأمريكية فيه، وإستمرار هيمنة واشنطن عليه، سيكون المحطة الأولى لتحقيق الآمال.

فتارة تذرع بالعثور على صواريخ ايرانية الصنع موجهة ضد قاعدة تضم العديد من القوات الأمريكية داخل العراق، كما زعمت صحيفة عكاظ السعودية، وتارة اخرى زعم ترامب أنه يريد ابقاء قواته في العراق لـ"مراقبة إيران".

ترامب الذي اراد بهذه التصريحات الظهور بمظهر المسيطر على الأوضاع، واجه حقيقة لم يكن يتوقعها خاصة من جانب حكومة العراق ومكوناته الأساسية.

فقد إعتبر المراقبون أن تصريحات ترامب هذه أعادت خلط الأوراق من جديد في العلاقة بين بغداد وواشنطن خصوصاً في ظل المطالبة العراقية المتصاعدة بإلغاء الاتفاقية الأمنية وإنهاء التواجد الأميركي على اراضيه. الأمر الذي جعل ترامب يعيش هاجس "إيران فوبيا" التي حاول إملاءها على شعوب وحكام المنطقة، قبل دخوله البيت الأبيض، وبات يكررها تحت مسميات متعدده منها "الخطر الإيراني"، والحد من "التمدد الإيراني"، و"مراقبة ايران"، التي صرح بها يوم امس الأحد في مقابلته مع قناة "سي بي اس نيوز" الأمريكية، والى غير ذلك من التسميات.

فما هي حقيقة مواقفه تجاه طهران؟.

ويرى المراقبون أن تصريحات ترامب الأخيرة ضد ايران مما لاشك فيها انها ترمي لكسب ود الصهاينة وطمأنتهم على انه مازال يقف الى جانبهم، رغم المعارضات الإقليمية والدولية لمواقفه المناهضة للقرارات الدولية.

كما أنه وفي نفس الوقت يحاول ترغيب الأنظمة الأقليمية للمشاركة في إجتماع وارسو القادم، ويحذرها من التقاعس وعدم المشاركة فيه.

اما العراق الذي رأى في السياسات الترامبية الأخيرة إنتهاكا لسيادته، يؤكد المراقبون أنه إستنكر وعلى مختلف الأصعدة، الرسمية والشعبية والتيارات السياسية تصريحات ترامب وإعتبرها تستهدف سيادته ووحدته الوطنية. فقد جاء الرد الرسمي على لسان رئيس جمهوريته برهم صالح، الذي كان يتحدث في ملتقى الرافدين للحوار صباح اليوم الإثنين حيث قال "ان الوجود الاميركي في العراق تم ويتم بقرار عراقي وبطلب من حكومته بهدف التعاون في مواجهة خطر الارهاب"، مضيفاً ان "ترامب لم يتقدم بطلب رسمي لابقاء قواته في العراق بهدف مراقبة ايران".

وإستمر صالح بسرد معارضات بلاده للتواجد العسكري على الأرارضي العراقية حتى قال بالحرف الواحد "ان العراق ينتظر توضيحاً من واشنطن بشأن اعداد القوات الاميركية بالعراق ومهمتها، مؤكدا ان "الخيار المطروح بين العراق واميركا هو ان يتعاونا لا ان يكونا مختلفين في معالجة بعض الملفات".

هذه التصريحات اعقبتها تصريحات لرئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي الذي إعتبر خلالها تصريحات ترامب "تمس بسيادة العراق" حيث قال "ان الحديث عن قواعد امريكية وعن استخدامها لمواجهة دول جوار يتعارض مع الدستور العراقي والاتفاقيات بين العراق والولايات المتحدة، والتي تم التوافق عليها في كل مراحل المشاركة الامريكية ضمن التحالف الدولي لمقاتلة داعش، حيث حرص العراق على ان تكون المشاركة الامريكية ضمن قوات التحالف الدولي وفقا للسيادة العراقية لاغراض الدعم اللوجستي والاستخباري والتدريب العسكري".

كما اكد العبادي في تصريحاته التي رد عبرها على تصريحات ترامب "ان الحديث عن قواعد عسكرية امريكية في العراق لاهداف المواجهة يُعقد العلاقة مع دول الجوار ويُعرض العلاقة مع الولايات المتحدة الى ازمات غير متوقعة، ويخل بسيادة واستقلالية العراق، مؤكدا على ضرورة أن تراجع الادارة الامريكية موقفها وتعيد النظر بهذه التصريحات التي تزعزع العلاقة بين بغداد وواشنطن وتخلق اجواءا سلبية غير مبررة، وفي نفس الوقت دعا الحكومة العراقية الى تأكيد موقف العراق الثابت بعدم جواز استخدام اراضيه ضد اي دولة جارة ومن اي جهة كانت".

ولضيق المقام نكتفي برد كتائب حزب الله العراق على تصريحات ترامب الأخيرة التي إعتبرها المتحدث بإسمها محمد محيي، في مقابلة مع قناة الميادين "إن الهدف الأميركي من التواجد العسكري في العراق مواجهة محور المقاومة".

فهذه التصريحات العراقية تؤكد تنامي السخط الشعبي العراقي من استمرار التواجد العسكري الأمريكي على الأرض العراقية، مهما كانت ذرائعها، وتطالب الحكومة والبرلمان العمل وفق الدستور، إزاء هذا التواجد العسكري الأمريكي الذي اضحى لا طائل منه، بل إنه بات يشكل خطرا وتهديدا صارخا للسيادة والدستور العراقيين، وعاملا رئيسيا في تأزيم العلاقات مع بلدان الجوار العراقي.

فترامب الذي كان يحلم بإستمرار هيمنته على العراق، ليتخذه منطلقا لتحقيق مآربه ومآرب الصهاينة في المنطقة، اضحى هو ومشاريعه التآمرية على كف عفريت، في الوقت الذي لاتختلف أوضاع غريمه رئيس وزراء كيان الإحتلال الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما يعانيه من ازمات داخلية ومؤشرات تورطه في فساد إداري اقتصادي، قد تحول دون وصوله للسلطة إذا ما أجريت الإنتخابات النيابية القادمة لكيان الإحتلال.

أما ترامب، هو الآخر يرى المراقبون أنه إذا ما أراد البقاء في البيت الأبيض خلال ما تبقى من فترة رئاسته الأولى، عليه ان يحافظ على التوازن بين الجمهوريين والديمقراطيين، خاصة وان خصومه فازوا برئاسة مجلس النواب الشهر الماضي، الأمر الذي وضعه وزبانيته المهيمنة على السلطة، على فوهة بركان، قد ينفجر عليهم بين الفينة والأخرى، ولا يمكنهم من إكمال الفترة الرئاسية الأولى، ناهيك عن إحتمال فوزه برئاسة ثانية، وفق ما تؤكده الإحصائيات من تراجع لمكانته بين أبناء الشعب الأمريكي، والأيام والتطورات القادمة كفيلة بتأكيد ذلك.

*عبدالهادي الضيغمي / العالم