كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

محسن العلي ضمن أوراق مسرحية متناثرة

محسن العلي ضمن أوراق مسرحية متناثرة اعترف شخصيا، بأنني قد ترددت قليلا في الكتابة عن الفنان محسن العلي كمخرج مسرحي معروف منذ بدء تجربته الاخراجية في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، لقناعتي الكاملة بانه جزء من المؤسسة الثقافية السابقة لسلطة البعث المقبور، حينما ساعدته وسائل الاعلام الخاصة بتلك السلطة، ان يكون له نفوذ معروف في المسرح العسكري وشواغل معلنة في دائرتي (الاذاعة والتلفزيون/ والسينما المسرح) فضلا عن توافره على الميزانيات الهائلة للانتاج المسرحي والتلفزيوني ولمنصات المسرح الاستهلاكي او التجاري الهابط. وهذا اذا ما عرفنا عن عضويته المعلنة في لجنة المسرح العراقي الرئاسية، المشكلة من قبل عبدحمود سكرتير صدام حسين وانمار لطيف نصيف جاسم المدير العام في ديوان الرئاسة المذكور. اذكر هذه الحقائق حول المخرج محسن العلي، متسائلا: من الصعب القول ما هو المعلول الذي احدثته علة ما، ولكن.. ولكن؟ اجل، لقد عرفت عروض محسن العلي المسرحية بجماهيريتها الواسعة، مثلما عرفت ايضا بانها العروض التي تعرضت للصمت الكبير من النقاد. وربما محسن العلي وحده من بين سائر المخرجين في العراق كان الاوسع جماهيرية وانتشارا في عروضه التجارية المعروفة بالمسرح الاستهلاكي الهابط، رغم انه كان الاقل درجة على صعيد التأييد النقدي. ولعل هذا التناقض يقودنا الى اين تقع عروض هذا المخرج على خريطة المسرح المحلي والعربي من جهة، والمسرح الاقليمي والدولي من جهة اخرى؟. البدايات/ خلفية تاريخية ولد محسن العلي في الموصل عام 1953 عن عائلة معروفة في تجارة الاقمشة وعمل (البزازة) اي صناعة وندافة المفروشات القطنية، وكان والده ربيبا ومنافسا الى الحاج عبدالسلام والد الاعلامي والاديب المعروف سعد البزاز، وحينما اكمل دراسته المتوسطة في الموصل انضم العلي الى معهد الفنون الجميلة في كرخ بغداد، وتخرج منه في الربع الاخير من العقد السبعيني ضمن دورة ناجحة، ضمت فيما ضمت الفنانين: جواد الشكرجي، علي مزاحم عباس، احلام عرب، عادل كوركيس، فارس الماشطة، صبحي الخزعلي، زهير البياتي، واخرين.. وكان اول ادواره التلفازية عام 1981 في مسلسل (النسر وعيون المدينة)، للكاتب عادل كاظم واخراج ابراهيم عبدالجليل، وبمعية طاقم تمثيلي كبير توافر عليه فنانون قديرون، امثال خليل شوقي وجعفر السعدي وبدري حسون فريد وسامي عبدالحميد وفوزية عارف وسليم البصري وطعمة التميمي ومقداد عبدالرضا وسناء عبدالرحمن، ليكون محسن العلي نجما تمثيليا اشكاليا بوجود اخيه الشقيق المعوق (مقداد..) ضمن دراما تلفازية شعبية مهمة قد تقترب من رواية (الاخوة كارزيموف) للروائي الروسي الهائل ديستوفيسكي. وعند ذاك، انطلقت مواهب العلي الاخراجية في المسرح العسكري خلال سني الحرب في الثمانينيات، مبتدئا بالمسرحية الجماهيرية التي حملت عنوان (حسين أرخيص) التي تستوعب الفكاهة في الحوار والاستعراضات الخاصة بالغناء والرقص، ثم مسرحيات اخرى على النهج ذاته، ومنها (المطحنة/ ام خليل/ اطراف المدينة/ الباب العالي/ الهباشة/ الو بغداد..) ولاشك ان اي متأمل لعروض محسن العلي قد يجد لها مثيلا في ميلودراميات السينما الهندية، وبضرورة اكثر سذاجة في بعض ميلودرامات السينما المصرية، كما كان يكتب له فاروق محمد وعزيز عبدالصاحب ورحيم العراقي، الان ان الظاهرة الاكثر بروزا في العروض المسرحية للعلي، هي في كونها تنتمي الى المسرح الاستعراضي، اكثر من كونها تنتمي الى فن المسرح او التلفزة الدرامية، وان كانت اساسا لا يمكن ان تعد ضمن نوعيات الأفلمه او التلفاز، او كما يصطلح عليه بلغة (الكوميديا الموسيقية) الامريكية. من السيرة أيضاً ومحسن العلي، إذ ينهل في مسرحياته الكثيرة من معايشته لأجواء الراقصين والراقصات في بغداد، وعوالم المسارح الاستعراضية الكبيرة والصغيرة على حد سواء في فترة تحرره المكين من المسرح العسكري، فانه يحتفط بذخيرة طيبة من الخلفية الثقافية الادبية والاجنبية، ولكن ضمن فهمه لها، ذلك الفهم الذي يراه الكثير من النقاد والعارفين والمقربين بهذا الفنان، فهما مهنيا ومبسطا ويخلو من العمق في اغلب مسيرته ونماذجه في خشبات المسرح، إذ يعد عوالم حرب القادسية السيئة الصيت والذكر معا في افئدة العراقيين، وبعد حرب الخليج الثانية عام 1991 تقدم العلي في اخراج مسرحيتين شعبيتين تعتمدان على شباك التذاكر، اولهما، كانت بعنوان (بيت وخمس بيبان) والثانية حملت عنوان (مقامات ابو سمرة) ضمن مواضيع شعبية واقعية في ظاهرها والقريبة من جمهور بسيط اساسا وساذج التفكير قد اتاحت المجال رحبا للعلي لاستعراض مواهبه الاخراجية وقدرته على انتزاع الدموع من ماقي مشاهديه، وهو الذي لا يفتأ ان يواصل العمل في المسرح الجاد ضمن نفوذه المذكور في المؤسسة الفنية والاعلامية السابقة، اعتمادا على نصوص (فلاح شاكر) والنصوص العالمية، وهي ما تتفق ومفاهيم (العلي) من جهة مثلما تتفق ايضا مع ذكرياته المشتركة بين (بغداد والموصل) وكأنها الحنين الى الماضي الذي يشيده في زمن سابق. الذين يعرفون محسن العلي قيل عن العلي الكثير من اصحابه والمقربين عنه، إذ كان هذا الرجل يبدو فنانا غريبا في المشهد المسرحي العراقي وفي لحظات انخطافه الروحي، حتى وان كان متحمسا في حماسه المجلى، مع انسانية وبشاشة كبيرتين في طبيعته الدنيوية، كفنان يحسب على المحافظات العراقية، ويقدر بأطايب المائدة ويسعد برفقة اصدقائه الفنانين، عندما يمس الحديث العلاقات بين ذوي النفوذ، قادرا على ضحكات مجلجلة، وعلى توتر متوهج وعلى صمت فصيح، وماهرا في غض الطرف عن محدثه عندما يتطلب سؤال ان يخفي رفضه للجواب، متظاهرا بالشرود. اقول لكل هذه الحقائق المتعلقة بشواغل محسن العلي في المشهد الفني العراقي، لانه اول من روج ودعا الى عرض مسرحيتي الاولى (ساعات كالخيول) في المهرجان الثالث للمسرح العراقي في العام 1998، وكان حصيلتي فيه جائزة افضل مخرج في العام المذكور. ولكن هل يكفي الرواج الجماهيري وحده لصنع عروض المسرح الجماهيري؟.. إننا نترك الجواب للقارئ الكريم، دون ان ننسى، الفن الصادق الواقعي المقنع والممتع الذي يرفع من مستوى التذوق الفني والفكري للناس، وهو وحده الذي يصنع ذاكرة الناس.