مشكلة امريكا ليست في “عنف شرطة” وإنما في ‏نظام متوحش

العالم – مقالات وتحليلات

السلوك التنظيمي للمجتمعات يكون أسيراً لتاريخها وحضارتها وفي الحالة الأمريكية فهي أسيرة الثقافة اليهودية المسيحية البروتستانتية.‏

‏والتاريخ الأمريكي حبيس ثقافة البيوريتان ‏والتي كانت أول جملة نطق بها رئيسهم حين وطأت قدماه الأرض الأمريكية : “فليبارك لنا الرب بأرض صهيون الجديدة.”

ومن ‏هُنا ‏بدأت الثقافة اليهومسيحية البروتستنتية الصهيونية والتي عرفتها الانسايكلوبيديا ويكيبيديا : “يرى المؤرخون أصل المصطلح (الثقافة اليهومسيحية Judeo-Christian Culture) يعود إلى الثورة البروتوستانتية …

وفي السياق الأمريكي يرى المؤرخون بأن استعمال هذا المصطلح هو للدلالة على تأثير العهد القديم اليهودي (التوراة) والكتاب الجديد (الإنجيل) على الفكر البروتوستانتي ومفاهيمه بشكل خاص … لقد رأى المهاجرون الأوائل لأمريكا أنفسهم الوارثين للكتاب المقدس العبري وتعاليمه … والتي أصبحت بدورها أساساً لمفاهيم النظام الأمريكي … لتصبح تلك المفاهيم العبرية أساساً للثورة الأمريكية ، وميثاق الاستقلال ، ودستور الولايات المتحدة.”

أمّا التماثل بين النموذج الصهيوأمريكي في الولايات المتحدة وفي فلسطين المحتلة يكاد يكون كاملاً سواءً من اغتصاب لأرض السكان الاصليين أو العنصرية باسم الدين .

فيما ادعى اليهود أنهم شعب الله المختار ادعى الصهاينة المسيحيون بدورهم ان لهم ايضاً خصوصية اسموها exceptionalism وان لهم دور هداية العالم بما اسموه Manifest Destiny .

وهكذا فالعنصرية في النظام الصهيواميركي في الولايات المتحدة وفلسطين تأخذ بعدا عقائديا لا يصلحه مجرد مرسوم قانون!

***

العبودية في امريكا ..

من المفارقات انه في سنة -1492- التي خسر المسلمون آخر معاقلهم في الاندلس أبحر كريستوفر كولومبوس قاصداً الهند ، إلا أنه من المفارقات ايضا أنه ونتيجةً لأخطاء حسابية ملاحية تم اكتشاف القارة الامريكية ! ولله في امره شؤون.

ومع ان قبيلة الاراواك من السكان الاصليين كانت اول من قام باستقبال كولومبوس ، وهم من اسماهم كولومبوس بالهنود الحمر ، ومع انهم قد قدموا له الطعام والشراب وحسن الضيافة الا انه تم ابادتهم عن اخرهم خلال جيل واحد .

كتب كولومبوس إلى بلاط مدريد بأنه وصل إلى آسيا ( كانت كوبا ) ، كما ذكر بأنه وصل إلى جزيرة قرب سواحل الصين ( وكانت تلك هي هاييتي وجمهورية الدومينيكان ) . ثم اضاف ان :” هناك الكثير من التوابل ومناجم الذهب العظيمة ” .. وأنه سيجلب لصاحبي الجلالة في رحلته القادمة ” كل ما يحتاجونه من ذهب ، وكل ما يطلبونه من عبيد ” وأضاف ” فالرب إلهنا ، يمنح النصر لأولئك الذين يتبعون طريقه…” وهكذا كان الكذب على الاله والعبودية والذهب مختلطين معا ً منذ ايام كولومبوس وحتى أيام دونالد ترامب .

توفي من العبيد مابين رحلتهم بالمحيط ومخيمات الاحتجاز قبل البيع على الشواطئ الامريكية ما يزيد عن 40% وكان من يمرض او يقاوم يتم رميه في المحيط!

كان يتم بيع العبيد بعد وصولهم في مزاد علني وعلى سبيل المثال تم بيع ( الزنجي جاكوب ) بثمانين دولار ونصف الى Prettyman Boyce)) سنة 1807 وتم تسجيل (عقد بيع) بالصفقة وأصبح جاكوب احد اصول مزرعة سيده .

كانت معاملة العبيد قاسية وغير انسانية ، خاصة في المزارع.

كان الجلد والاغتصاب أمرًا اعتياديًا ، بل كان على العبد ان يجلد أفراد اسرته متى طُلب منه ذلك. كما كان غالبًا ما يتم تفريق العائلات من خلال بيع افرادها.

بقيت مؤسسة العبودية عشرين جيلاً بحماية القانون. كتب المؤلف وليام جريدر في كتابه ” روح الراسمالية” يقول : ” تذكرّ أن الجمهورية الأميركية قامت بموجب دستور يقر صراحة ً الحق في اقتناء الناس بصفتهم ملكية خاصة ، بينما كانت مؤسسة العبودية بوصفها موجودات رأسمالية منتجه تحظى بحماية القانون.” وهذا يستحضرني لكشف اكذوبة في كتب التاريخ الامريكي ان تحرير العبيد تم في الحرب الاهلية الامريكية سنة 1865.

يقول المؤرخ الامريكي هوارد زِنْ الاستاذ في جامعة بوستن أن الحرب الاهلية كانت بين اقتصاد زراعي في الجنوب يعتمد على العبيد وهم (ملكية خاصة) قيمتها السوقية مليارات الدولارات ، وبين شمال صناعي يحتاج الى عمالة رخيصة ومستهلكين ويريد الاستيلاء على تلك العمالة والثروة بالمجان بدعوى تحرير العبيد !

يقول البروفيسور رونالد ديفيس Ronald Davis من جامعة ولاية كاليفورنيا في نورث ريدج North Ridge “لا نبالغ حيث نقول إن الأرباح التي نتجت عن نظام وتجارة الرقيق من 1600 وحتى 1860 قد ساهمت إلى حد كبير في بروز الغرب في غرب أوروبا والولايات المتحدة كالقوى المهيمنة على العالم”.

***

هل انتهت العبودية؟

الجواب لا ، فهي انتقلت من عصر الاقطاع الى عصر الرأسمالية الزراعية ؛ والصناعية وما بعد الصناعية، فالرأسمالية الصهيوأميركية المتوحشة هي عبودية ممكيجة تسمح لتمكين 400 من أصحاب المصارف والشركات العابرة للقارات بامتلاك أكثر من نصف الشعب أي ما يزيد عما يمتلكه 150 مليون امريكي منهم 50 مليون تحت خط الفقر. إنها عبودية كاملة الاركان.

عندما غادرت القدس سنة 1954 الى الولايات المتحدة ووصلت نيويورك ، كانت امريكا التي في ذهني هي امريكا تمثال الحرية والأحلام الوردية.

عندما ذهبت الـى بنك تشيس مانهاتن لاستلم حوالتي بمبلغ الف دولار ( تعادل 10000 من دولارات اليوم ) سألني الموظف على اي بنك اريد تحويلها.

قلت أريدها نقداً. قال :إنك قلت لي انك ذاهب بالقطار الى اوستن تكساس (حيث جامعة تكساس) وهي تبعد آلاف الكيلومترات وبهذا المبلغ ستتعرض لمخاطر كثيرة.

قلت له ولكننا في امريكا والدنيا أمان. هز برأسه وقال :” أنت لا تعرف امريكا يا بني ” واعطاني المبلغ. وضعت المبلغ في جيب معطفي الداخلي .

عندما كنت اتنقل من عربة الى عربة الى المطعم في القطار كنت اترك المعطف والدولارات داخله على الكرسي لدقائق ! ولكن الله سلّم !

عندما وصلت اوستن تكساس كانت ‏أول مفاجأة إن السود لا يُسمح لهم الركوب في المواصلات العامة الا في آخر كرسي .كان على أبواب المطاعم لافتة تقول “للبيض فقط ” الخ ..

ولكي أختصر وآتي بشهادة شاهد من اهله دعني اقتبس ما كتبه كولين باول قائد هيئة الأركان الأمريكية لاحقاً في الحرب العراقية الايرانية و مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية حيث كتب عن أيام تدريبه في ولاية جورجيا في الجنوب في مذكراته الشخصية الصادرة عام 1996 بعنوان ” رحلتي الأميركية ” كتب يقول: ” خلال فترة التدريب في جبال جورجيا الشمالية كانت الكنيسة الوحيدة المخصصة للسود تقع بعيدة بعض المسافة عن المعسكر في غينيسفيل.

وعندما طلبت الذهاب لحضور قداس الآحاد زودني الجيش بسيارة عسكرية يقودها عريف أبيض. ذهبت في المرة الأولى واستمتعت بالقداس.

وفي الأحد التالي قال لي العريف بأن مرافقته لي تحرمه من الذهاب للكنيسة وبالتالي أراد معرفة ما إذا بامكانه مرافقتي للداخل وحضور القداس معي. عندما سألت الكاهن رأيه أجاب بأن ذلك سيكون من دواعي سروره إلا أن وجوده ( العريف الأبيض) في كنيسة للسود من شأنه أن يثير حفيظة السكان البيض في المدينة، وعليه فإنه سيكون من الأفضل بقاءه في السيارة العسكرية بانتظار انتهاء القداس”. ويضيف كولن باول: “الواقع أن ما كان يخشاه الأب هي نفس الحقيقة التي أردت تجاهل وجودها، إلا أنها تفرض نفسها على حياتنا وهي مجموعة القوانين التي تحول دون جلوس رجلين معاً في بيت الله أو تمنعهما من اقتسام وجبة في أحد المطاعم أو استخدام ذات دورة المياه.” المشكلة في النظام الصهيواميركي المتوحش ادعاءه بصلاحيته لكل زمان ومكان ومن ليس معه فهو ضده. علما بأنه لا يصلح حتى للشعب الامريكي.

فحسب تقرير نشرته نيوزويك للصحفي اندرو مورافيسك ( (Andrew Moravcsikبين فيه ان :” معدلات الفقر في الولايات المتحدة ، تصل بين فئة الأطفال إلى 22.4% مقارنة بـ 5.1% في الدنمارك و 4.4% في بلجيكا و 4.3 % في فنلندا و 3.9% في النرويج و 2.6% في السويد . وفيما يتعلق بالعدل في توزيع الدخل ، تحتل الولايات المتحدة المركز الحادي والسبعين ، في حين احتلت الدنمارك واليابان وجمهورية التشيك وفنلندا المراكز الأربعة الأولى على التوالي. “

***

استعمال الدين غطاء لعوراتهم:

نعرف جيداً ان الكيان المغتصب لفلسطين يرتكز في كل شروره وأكاذيبه على دعاوى دينية ويُصر انه دولة يهودية .والقليل يعرف ان الصهيوامريكيون شنّوا حروبهم ونهبهم للشعوب تحت دعاوى دينية ايضاً.

ومن المضحك أن رجلاً كدونالد ترامب كوّن ثروته مع المافيا وكوّن والده ثروته بواسطة الدعارة ان يقف حاملا انجيلاً ويقف امام كنيسة في عمل رخيص من اعمال العلاقات العامة .

وهنا دعني استذكر قصة جورج دبليو بوش والذي استخدم ” الرَّبّ ” ترويجا ” لحربه على الإرهاب ” مستخدماً لذلك كلاّ من الإله والشيطان و يأجوج ومأجوج للترويج لحربه على العراق ، فقد صرّح الرئيس الفرنسي جاك شيراك ببعض مما أبلغه إياه الرئيس بوشBush في محادثة لهما على الهاتف : ” إن يأجوج ومأجوج ناشطين في الشرق الأوسط ، فتنبؤات الكتاب المقدّس تتحقق ، وهذه المواجهة هي مشيئة الله الذي يريد استخدام هذا الصراع لاستئصال أعداء شعبه ، قبل أن يبدأ عهد آخر. ” لاحظوا معي كلمة ( استئصال ).

ولم يستجب الرئيس الفرنسي المدهوش لطلب بوش ، وبدلاً عن ذلك طلب موظفوه إلى ثوماس رومر ، وهو رجل لاهوت في جامعة لوزان ، أن يقوم بتحليل الطلب الغريب . وكان أن قام الدكتور رومر في العام 2007 بإعادة وصف سلوك بوش في مجلة لوزان ألليه ساڤـوار .

سؤال سريع هنا : من اكثر اصولية هذا التفكير أم تفكير داعش ؟

دعني استذكر مثالاً اخر . عند الكساد الكبير في النصف الثاني من تسعينيات القرن التاسع عشر قرر القابضون على السلطة في الولايات المتحدة بحاجتهم الى حرب لخروجهم من الكساد الكبير انذاك .

قام الامريكيون انفسهم بتفجير المدمرة الامريكية USS MANE بميناء هافانا بكوبا وادّعوا أن الاسبان هم من فجّروها واعلنوا الحرب على اسبانيا واحتلوا الممتلكات الاسبانية وبما فيها الفلبين . فهذا الرئيس ويليام ماكينلي

McKinley) (Williamيبلغ مجموعة من زوار البيت الأبيض كيف أنه تلقى رسالة من السماء تطلب منه احتلال أراضي شعوب أخرى وضمها: ” الحقيقة أنني لم أكن أريد الفليبين…

وعندما هبطت علينا كهدية من السماء وجدت نفسي في حيرة حول ما الذي سأفعله بها (الجزر)… طلبت المشورة من الأطراف كافة – ديموقراطيين وجمهوريين على حد سواء – إلاّ أنني لم أحظَ برأي مقنع…

اعتقدت في البداية بأن نكتفي بأخذ مانيلا ثم أضفت لوزون ثم اتسعت الدائرة لتشمل جزرًا أخرى… قضيت ليالي طويلة وأنا أجول ردهات البيت الأبيض جيئة وذهابًا… بل لا أشعر بأي حرج إذا ما قلت بأنني كثيرًا ما انحنيت على ركبتي داعيًا الله أن يلهمني الحكمة والرشاد… وذات ليلة جاءني الإلهام… كيف ؟ لا أدري، إلاّ أنه جاء من الله… ومؤداه أنه لم يبق أمامنا من شيء نفعله سوى ضم الجزر كافة والعمل على إعادة تثقيف الفلبينيين ورفع مستواهم وتنصيرهم… بعدها سيطر عليّ شعور غامر بالارتياح ونمت بعمق لأول مرة منذ أيام. “

الخُلاصة :

المشكلة ليست مشكلة عنصرية انها مشكلة نظام ويتم محاولة تضييق نطاق الاحتجاجات وكأن المشكلة هي مشكلة عنف شرطة وليس عنف وظلم نظام .

اما العرب اليوم فهم الهنود الحمر الجدد للولايات المتحدة الصهيو اميركية ورأس جسرها في فلسطين .

وما حركات القتل والحروب الاهلية والاثنية والطائفية في عالمنا العربي الا جزء من حرب الابادة ليمتد رأس جسر الرأسمالية الصهيوامريكية المتوحشة الى الجزيرة العربية … وسيعلم المطبعون اي منقلب سينقلبون!!!

د. عبد الحي زلوم -رأي اليوم