كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

مناهج التعليم السوري تثير غضب إسرائيل

العالم – سوريا

عمل مثير للاهتمام بلا شك، يدوي و سلبي و لكنه مشوق. و قد أقيم لأماكن كثيرة في الشرق الأوسط ، مثل لبنان حيث بالكاد تلفظ كلمة “إسرائيل”.

وكون التقرير مكتوبا في إسرائيل فمن السهل التنبؤ بأنه يناهض سوريه و إيديولوجيتها و موقف الرئيس الأسد الحازم ضد الإمبريالية، غير أن الأمر قد يأتي بنتائج عكسية، فالمقاطع المقتبسة من مناهج التعليم السورية سيكون لها تأثير على خبراء التعليم و على الرأي العام في حال وصلت إلى أيديهم و ألقوا نظرة عليها، و أنا هنا أحاول في هذا المقال تسهيل هذا الأمر،فما يعتبره التقرير فظيعا و بائسا قد يراه الآخرون منطقيا جدا و إيجابيا، ولنقرأ ما اقتبسه تقرير ” IMPACT-se” و هو يقرع أجراس الإنذار :

” وصل صدام إلى السلطة، و شهد عهده عدة حروب في منطقة الخليج الفارسي، الأولى كانت ضد إيران و سميت حرب الخليج (الفارسي) الأولى (1980-1988) و قد حدثت بتحريض من الولايات المتحدة بهدف إضعاف كل من الدولتين” (كتاب التاريخ – الصف الثاني عشر – العام الدراسي 2017-2018)

حسنا ، أليس الأمر كذلك؟ و لكن من ناحية فلسفية الموضوع يؤدي إلى ما هو أفضل بكثير ، فتخيل أن هذه المعلومات الذكية تقدم للأطفال السوريين في مدارسهم العامة، بينما في أوروبا و شمال أميركا يغذى الأطفال ب بروبوغندا تيار المستعمرين الجدد . و لا عجب أن الأطفال السوريين أكثر اطلاعا على ما يحدث في العالم، و لا غرابة أن ملايين اللاجئين السوريين مستعدون الآن للعودة لوطنهم ، بعد سوء المعاملة التي تلقوها في الخارج و إدراكهم إلى أي مدى تمكنت البروبوغندا الغربية من غسل أدمغة الشعوب في كل أرجاء العالم.

و يتابع تقرير IMPACT-se الاقتباس من مناهج التعليم السوري مع اعتقاد ساذج أن هذه الكلمات المطبوعة سوف ترعب العالم بأسره:

“هذه المنافسة و الصراع ازداد سوءا مع تطور النظام الرأسمالي و سيطرة القوى المحتلة الجديدة مثل الولايات المتحدة على السياسات الدولية. وقد استثمرت تفوقها العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والعسكري من أجل توسيع نفوذها والسيطرة على مقدرات كل شعوب العالم، وهذا حدث بالتعاون مع حلفائها بهدف تعزيز حضورها في الساحة الدولية كقوة عظمى وحيدة مسلم بها”…. (التربية القومية -الصف الثامن) .

“الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على تفوقها عن طريق احتكار التكنولوجيا المتطورة و السيطرة على مصادر الثروة و الطاقة في العالم، و لاسيما النفط، و فرض هيمنتها على المجتمع الدولي”..(التربية القومية -الصف الثامن)

هذا الكلام يمكن أن يكتب بسهولة من قبل الاقتصادي التقدمي بيتر كوينيغ أو المحامي الدولي كريستوفر بلاك، أو ، ولما لا ، من قبلي أنا.

الناس الذين يعملون على المناهج الدراسية السورية جمعوا بذكاء بين أمرين: أولا حقائق لا تقبل الجدل و ثانيا بساطة أنيقة ، و في الواقع هذه المناهج يجب أن توفر لا لأطفال الشرق الأوسط فحسب، بل أيضا لكل أطفال العالم. انظروا كيف تختصر التاريخ الحديث ببراعة و صدق:

“بعد زوال التوازن الدولي و ظهور السيطرة أحادية القطب على العالم، بدأت الولايات المتحدة البحث عن أعذار لتبرر تدخلها في دول أخرى. احتلت أفغانستان عام 2002 تحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب من أجل تحقيق أهدافها السياسية و الاقتصادية، و أحد هذه الأهداف كان بناء قاعدة عسكرية متطورة بالقرب من الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة مصدر خطر (روسيا، الصين، الهند، إيران ، كوريا الشمالية ).

و علاوة على ذلك، تملك أفغانستان الكثير من الثروات (مثل الحديد الخام و الغاز) . عام 2003 ، أعلنت الولايات المتحدة (بمساعدة مجموعة دول) الحرب على العراق تحت ذريعة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل و مساعدة الإرهاب. و كان الاحتلال بعد حصار جائر و ضربات جوية فوق المدن و المؤسسات العراقية بدون تفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة و مجلس الأمن”…..(التربية القومية -الصف الثامن).

“جعل العالم بشكل واحد و بنية واحدة و نموذج واحد، وهو النموذج الأكثر قوة و المسيطر على العالم اقتصاديا وعسكريا، النموذج الأميركي. هيمنة النظام الرأسمالي حوّل العالم إلى سوق استهلاكي للبضائع والأفكار الغربية، في الوقت الذي يتم فيه تجريد الأمة من مبادئها و عاداتها و تقاليدها و إلغاء شخصيتها و هويتها ، في البداية الإضعاف ومن ثم بالتدريج إزالة أمم و ثقافات”….. (التربية القومية- الصف الثاني عشر).

و يفترض تقرير IMPACT-se أن هذا سيفزع قراء عشوائيين، ويمنح الدليل على مدى شر النظام في دمشق، و لكن العكس هو الصحيح.

حول فنجان قهوة سمعت من مثقف عالمي، (غير غربي) يقيم حاليا في الشرق الأوسط ، عبارة أعتقد أنها تلخيص جيد لما يعتقده الكثيرون حول مناهج التعليم السورية إذ قال : “التعليم يعكس رؤية مجتمع ما، لب ما يتوقعه المجتمع من مواطنيه موجود في مناهج التعليم. و قراءتي بعناية لتحليل مناهج التعليم السوري أكدت اعتقادي القوي بمدى عظمة الشعب السوري”.

ولنستمع الآن للجانب الآخر ، أولئك المنتقدين للتعليم السوري، والذين يقتاتون من وراء الانتقادات و إثارة العداء.

الإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا) ،و مقرها في بيروت، قامت بمبادرة عنوانها “مستقبل سورية لمرحلة بناء السلام” و قد استدعى العمل خبراء سوريين من كل مجالات الحياة.و لكن من هم هؤلاء الخبراء؟ في عام 2018 و خلال اللقاء حول التعليم ، ضمت القائمة الخبراء التاليين:

– أستاذين سابقين في جامعة حلب (تربية و حقوق )

– أستاذ سابق من جامعة دمشق.

– رئيس منظمة تعليم غير حكومية في لبنان.

-أكاديميين و باحثين مقيمين الآن في تركيا و ألمانيا.

-مستشارين مستقلين.

و من الواضح أنه إذا وجد سوريين في هذا اللقاء فهم “سابقون في مجالهم” ، بمعنى أنهم بعيدين، و خارج ملاك الحكومة و على الأغلب مرتبطين بمنظمات غربية (و على الأغلب منظمات مقرها فرنسا أو ألمانيا). لم تتم دعوة أي شخص من الحكومة الشرعية السورية، إنه التصرف الغربي النموذجي : “عنهم و بدونهم” . و هؤلاء الأشخاص الذين يخدمون المصالح الغربية يفترض بهم أن يساعدوا على تحديد مكونات التعليم التي تعتبر حيوية من أجل المصالحة و التماسك الاجتماعي في سورية ما بعد الحرب.

و كما هو متوقع، و عوضا عن تعزيز التماسك ، كانت الخطابات مفعمة بالكره و المرارة و الهجوم و العداء لسورية و التأييد للغرب. و استخدم “الخبراء” مصطلحات مثل :” هيمنة النظام السوري” ، “البعث السوري معني فقط بالإيديولوجية و لم يمنح السوريين هوية ” (و كانوا في الواقع يطالبون بأن تكون الأديان هي الهوية ، عوضا عن سورية الحالية العلمانية) “نحن بحاجة للحديث عن حقيقة ما حدث في عام 2011 و ما أدى إلى الحرب عام 2011 . و من دون القيام بذلك لا شيء له قيمة ” ( و لكن حقيقة ما حدث عام 2011 في أذهانهم لا علاقة لها إطلاقا بحقيقة أن الغرب شجع على تمرد ضد الحكومة و أدخل الجهاديين و أثار حربا مدنية موجعة هدفها إسقاط دولة اجتماعية). و يبدو أن رأيهم الرئيسي هو : “الحرب منحت القوة لثقافة الكره”، و هذا صحيح و لكن ليس بسبب الدولة السورية و لكن بسبب أشخاص كهؤلاء “الخبراء”.

ما الذي يريدوه حقا ؟ الدين عوضا عن العلمانية، الرأسمالية عوضا عن الاشتراكية، و بالطبع ، المفهوم الغربي للديمقراطية عوضا عن الوطنية و الرؤية العربية لاستقلال الدولة.

و بغض النظر عما يقال، نظام التعليم السوري، و المتضمن المناهج، يبدو متفوقا بشكل كبير على أنظمة الدول المجاورة ، و ربما لهذا السبب يتعرض للتدقيق و الهجوم.

وفي نهاية المطاف، ألم يكن الهدف الأساسي للغرب، في 2011 و ما بعد، تدمير دولة أخرى اشتراكية و ذات علاقات دولية تخدم شعبها؟

و ماذا عن إسرئيل؟ ما الذي تعترض عليه IMPACT-se بشكل رئيسي؟ ما أكثر ما يزعجها في مناهج التعليم السوري؟ربما نعرف الجواب في كلماتها و تحليها التالي:

“مناهج التعليم السوري تحدد الهوية الوطنية السورية على أساس النضال المستمر من أجل الوصول لأمة عربية تضم كل الدول العربية، و تشكيل دولة واحدة هي الوطن العربي، و الكتب المدرسية تعتبر الحدود التي تقسم الدول العربية زائفة فرضها الاستعمار الغربي”.

بالنسبة لمعظمنا هذا في الواقع ليس أمرا سيئا ، أليس كذلك؟
أو ربما يكون ما يزعجها هو التالي:
“الحدود الحالية سياسية ، رسمت عبر سياسة القوى الاستعمارية التي سيطرت على المنطقة ، و خاصة فرنسا و بريطانيا. و هي لا تتداخل مع الحدود الطبيعية التي تفصل الوطن العربي عن الدول المجاورة. إذن، حدثت تغييرات هامة في هذه الحدود لصالح تلك الدول و للسيطرة على الأرض العربية “…(جغرافية الوطن العربي و العالم – الصف الثاني عشر).

و الشيء المؤثر بشكل كبير هو كيف تحدثت المناهج السورية عن الحقبة السوفيتية لحليفها القريب روسيا:

“يجب أن نتعرف على واقع روسيا قبل الثورة الشيوعية ، و الأسباب التي أدت إلى نهوضها السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الفكري منذ الحرب العالمية الأولى و حتى حل الإتحاد السوفييتي و نشوء روسيا الاتحادية عام 1991″…. (التاريخ -الصف الثامن).

“اندلعت الثورة الاشتراكية في روسيا من أجل مواجهة النظام الاستبدادي، و أعلن تأسيس أول دولة اشتراكية عام 1917 ، و الثورة كانت قائمة على حكم العمال و الفلاحين، وكان لها تأثير عالمي مع دعمها لحركات التحرر الوطني ” …(تاريخ العالم الحديث و المعاصر – الصف الحادي عشر).

“وصل غورباتشوف لقيادة الدولة و الحزب عام 1988 ، و كان يتوق لتنفيذ خطة إعادة بناء اقتصادي و اجتماعي و إيديولوجي. و لكن الدول الرأسمالية تآمرت ضد مصير الإتحاد السوفييتي و استغلت الفساد الإداري و ظروف القوميات المتعددة ، و قادت إلى حله عام 1991 و تأسيس روسيا الاتحادية مكانه” (التاريخ – الصف الثامن)

في الحقيقة، لو أني أستطيع، ولو سمح لي، لقمت بنشر كتب المنهاج السوري ، أو على الأقل تلك المتعلقة بالتاريخ و السياسة كي يقرأها كل إنسان خارج سوريه. و ما تراه IMPACT-se” الإسرائيلية خطرا أو سلبيا ، سيراه كل العالم و خاصة في المنطقة العربية كأمر حقيقي و متفائل يستحق القتال دفاعا عنه. هل الخبراء في IMPACT-se ساذجون لهذا الحد بحيث لا يدركون ذلك؟ أو أن شيئا آخر يحدث؟ ربما لن نجد الجواب.

و مهما كان الأمر: الشكر لتذكيرنا بمدى عظمة مناهج التعليم السوري، إنها تظهر بوضوح كم هي عظيمة سورية!

*فيلسوف و روائي وصانع أفلام وصحفي أميركي ولد عام 1962 في الإتحاد السوفييتي ، و عاش في الولايات المتحدة و تشيلي و البيرو و المكسيك و فيتنام و اندونيسيا و ساموا.

عن مجلة New Eastern Outlook الإلكترونية

بقلم أندريه فيلتشير