مناورات في المشهد السياسي التونسي وحكومة الفخفاخ في مأزق

العالم – مقالات وتحليلات

جاء هذا القرار قبل ساعة فقط من موعده مع رئيس الجمهورية قيس سعيّد لتسليمه القائمة النهائية لوزرائه قبل عرضها على البرلمان، يوم السبت الماضي.

ما حصل أربك الجميع، رئاسة وأحزاباً ومراقبين ومواطنين، خصوصاً أن المأزق هو الأول من نوعه في تاريخ البلاد. أساساً ظنّ سعيد والفخفاخ بأن حركة النهضة لن تذهب بعيداً ولن تغامر بالعودة إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى، لكنهما لم ينتبها إلى توتر الأجواء داخل الحركة.

خصوصاً أن شعوراً قوياً ساد حول تعمّد حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب تحجيم النهضة، منذ إسقاط حكومة الحبيب الجملي، بحجة فقدانها الحق في المبادرة بتشكيل الحكومة.

وليس هناك ما يجعلها مختلفة عن بقية الأحزاب. على هذا الأساس لا تريد النهضة المشاركة في حكومة تكون فيها "مستضعفة" ولا تثق في بقية الشركاء رغم امتلاكها الكتلة الأكبر داخل البرلمان.

كما أنها لن تقبل بتحكم رئيس الحكومة المكلف بمصيرها من دون أن تكون له الشرعية التي تمكنه من ذلك، في إشارة منها إلى فشل حزبه في الحصول على مقعد واحد في مجلس النواب، وهو ما جعله يستند إلى شرعية رئيس الجمهورية.

على هذا الأساس قررت الحركة قلب الطاولة في ربع الساعة الأخير، وإثبات أنه لا يمكن تمرير شيء إلا بمشاركتها وموافقتها.

بعد أن كان حل البرلمان مستبعداً، أصبح اليوم وارداً، وهو ما دفع الجميع لبحث الملف مع الخبراء الدستوريين.

لكن الخبراء اختلفوا حول طبيعة الخطوة المقبلة، علماً أنها كانت شديدة الوضوح سابقاً. وما كان معلوماً هو أنه في حال لم تتمكن الشخصية الأقدر التي اختارها رئيس الدولة من تشكيل الحكومة في الآجال الدستورية، يمكن حينها لرئيس الجمهورية حلّ البرلمان، والدعوة إلى تنظيم انتخابات مبكرة.

الآن وقد أصبح هذا الاحتمال وارداً بقوة، تعددت التأويلات والقراءات.

في السياق، ذكرت أستاذة القانون الدستوري سلسبيل القليبي، في حديثٍ لموقع"العربي الجديد"، أنه على "الرغم من أن صياغة الفصل 89 من الدستور غير محكمة وتطرح أكثر من إشكال، فإنه لا يجب قراءة نصّ الفصل المذكور بمفرده"، أي يجب ربطه بنصوص أخرى، والأخذ بالاعتبار السياق والمصلحة العليا للبلاد.

على هذا الأساس، اعتبر أحد كبار الخبراء سليم اللغماني، أن نص الدستور لم يجبر رئيس الجمهورية على حل البرلمان، وإنما مكّنه من ذلك إذا أراد، وهو ما يسمح بإمكانية عدم الإقدام على ذلك.

أمام تعدد التأويلات، تدخل سعيّد معلناً أن "النص الدستوري واضح"، وأن تونس "فوق الاعتبارات الظرفية والصفقات التي يقع إبرامها في الظلام أو تحت الأضواء" وأن المناورات والصفقات تحت عباءة الدستور لا يمكن أن تمرّ.

واعتُبر ذلك رداً على حركة النهضة المصرة على إشراك حزب قلب تونس في الحكومة. وهو ما كشف أن الأزمة الحالية لم تعد فقط بين النهضة ورئيس الحكومة المكلف، بل مع سعيد الذي لم ينس أن محاولته الأولى التي أقدم عليها خلال الشوط الأخير من جهود تشكيل حكومة الحبيب الجملي أجهضها الشيخ راشد الغنوشي.

هذا البعد الجديد للأزمة من شأنه أن يزيد من تعقيدها، ويفتح المجال أمام احتمالات خطيرة.

في ضوء هذا التصعيد، تجد النخبة التونسية نفسها مدفوعة للبحث عن حل عملي وسريع. وتجد الأحزاب نفسها وجهاً لوجه مع الشعب الذي أصابه التعب والملل.

في هذا السياق، توجه رئيس مجلس الشورى السابق لحركة النهضة فتحي العيادي برسالة مفتوحة إلى قادة اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة وإلياس الفخفاخ جاء فيها: "يمكن أن تتنازل النهضة حين تقدّر أن طريق الانتقال الديمقراطي سالكة، أما حين تلمح مغامرين يعبثون بمسارنا، فإنها ستقول لا مهما عُرض عليها من وزارات".

مع ذلك، لا يزال الأمل قائماً كي تتنازل كل الأطراف، وتبحث عن توافق من شأنه ترميم الصفوف وتقريب المسافات، لكن الوقت يمر، ولم يعد هناك مجال للمناورات.