كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:
محول العملات حساب العملة الحية وأسعار صرف العملات الأجنبية مع هذا

موت الإمبراطوريات.. الاتحاد السوفيتي سابقاً والولايات المتحدة لاحقاً و”اسرائيل” معها 

العالم . مقالات وتحليلات    

ليس ما نقوله هنا هو من باب التمني وإنما بناءً على استقراء دقيق للتاريخ وتحليل موضوعي بدأته بأبحاث عن العولمة باعتبارها الاسم المستعار للاستعمار الجديد وذلك قبل 20 سنة في كتابي (نذر العولمة – 1998) والذي استنتجت خلاله أن امبراطوريات هذا العصر تموت بسكتات قلبية مفاجئة كان مثالها الاتحاد السوفياتي وستتبعها الولايات المتحدة بأقرب من ما يتصوره الكثيرون. ولقد أتْبعتُ بحثي بكتاب اخر اسمه (أزمة نظام – الرأسمالية والعولمة في مأزق) بعد الازمة المالية العالمية سنة 2008، ثمّ بكتاب آخر قارن ما جاء في كتابي الاول عن العولمة وكان بعنوان (نذر العولمة بعد عشر سنين) أعدت تأكيد أن الولايات المتحدة متجهة لا محالة الى مصير الاتحاد السوفياتي.

قبل محاضرة لي في جامعة هارفارد بتاريخ 18-3-2008 ببضعة شهور كان هناك محاضرة لمن اسموه بمؤرخ القرن العشرين Eric Hobsbawm اريك هوبسباوم حيث قال في محاضرته :”لربما تسبب الإمبراطورية الأمريكية الفوضى والبربرية بدلاً من حفظ النظام والسلام”. وقال “إن هذه الإمبراطورية سوف تفشل حتماً”، ثم أضاف “هل ستتعلم الولايات المتحدة الدروس من الإمبراطورية البريطانية أم أنها ستحاول المحافظة على وضعها العالمي المتآكل بالاعتماد على نظام سياسي فاشل وقوة عسكرية لا تكفي لتنفيذ البرامج التي تدّعي الحكومة الأمريكية بأنها قد صممت من أجلها ؟”. إن ما قامت به الولايات المتحدة من حروب وخصوصاً في العالم الاسلامي هي الفوضى والبربرية التي تحدث عنها هوبسباوم .

فشل مبدأ بوش ومشروع القرن الامريكي الجديد للاحادية:

نتيجةً لتسارع الاحداث وتعقيدها استعان الانسانُ وخصوصاً الولايات المتحدة بالذكاء الاصطناعي عن طريق الكمبيوترات في وضع الخطط والبرامج. وبالرغم من قدرة هذه الادوات الهائلة الا انها تبقى بدون احساس مما يفقدها نبض الشارع والامم فتصبح ارقام فارغة من محتواها. وهكذا انتهت الكثير من برامج ومخططات الولايات المتحدة الى فشل ذريع لانه بدون فهم مكونات الشعوب العاطفية والدينية والعقائدية ما يقدم الى الكمبيوترات ينطبق على مبداها وهو (أدخل معلومات خاطئة تأخذ اجوبة خاطئة). وهكذا فشلت في خططها لفرض احاديتها وهيمنتها على العالم كما جاء في ما اسموه (النظام العالمي الجديد) والذي لخصه جورج دبليو بوش سنة  2002 في ما تم تسميته (مبدأ بوش) وهو احادية امريكية وهيمنة مطلقة ومنع بروز اي قوة او تحالف يتحدى اي من سياسات الولايات المتحدة في اي مكان في العالم وان مبادئ الراسمالية الامريكية المتوحشة صالحة لكل زمان و مكان وان على العالم ان يكون معها او ضدها وويل لمن يتحداها. واعطت امريكا الحق لنفسها بشن الحروب الاستباقية بموافقة الامم المتحدة او بدونها.

فشلت هذه السياسة فنشأت دول وتكتلات تتحدى الاحادية والهيمنة الامريكية كدول بريكس وكدول شنغهاي بل وقامت الصين بالتعاون مع روسيا ودول اخرى بإنشاء ادوات بديلة عن ادوات الاستعمار الامريكي الجديد كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووضعت الخطط للخروج من منظومة الدولار الامريكي.  وخسرت الولايات المتحدة حروبها فأصبحت حرب افغانستان الاطول في التاريخ الامريكي،  ولم يحقق غزوها للعراق اهدافه بالرغم من انها كادت ان تطيح بالنظام الاقتصادي الامريكي. وكذلك فشلت في سوريا.

خرجت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران بينما بقيت جميع الدول الاخرى متحديةً بانها ستفرض عقوبات مقابل  اي عقوبات امريكية على شركاتها. اختلفت الولايات المتحدة مع جارتيها الشمالية والجنوبية (كندا و المكسيك) مع انهما يتشاركان مع الولايات المتحدة مع منظمة التجارة الحرة لدول شمال امريكا (NAFTA).

 وكذلك اختلفت مع الاتحاد الاوروبي وفرضت الرسوم الجمركية على بعض منتجاته مما حدا بتلك الدول برفع شكوى ضدها لمنظمة التجارة العالمية. واختلفت مع دول الناتو الاوروبية وكذلك مع تركيا وايران وفرضت الجمارك على الصين مما دفع الصين لفرض رسوم مشابهة على البضائع الامريكية لم يبقى للولايات المتحدة صديق الا نتنياهو وبعض صهاينة العرب، وبمثل هؤلاء الاصدقاء فهي لا تحتاج الى اعداء.

هذه نتائج العولمة الكارثية:

في الداخل الامريكي: بسعر الدولار الثابت لم يتغير دخل الفرد الامريكي عما كان في سبعينات القرن الماضي وتمّ انتقال الوظائف الصناعية الى المكسيك وامريكا الجنوبية ثم الى شرق اوروبا ثم الى جنوب شرق اسيا والصين . كذلك استثمرت الشركات الامريكية رؤوس اموالها في الخارج وابقت ارباحها هناك وامتنعت عن الاستثمار في البنية التحتية في الولايات المتحدة مما سبب تخلفها حتى عن مثيلاتها في بعض الدول الناشئة.

كتب الدكتور ديل أركر Dale Archer مقالين في مجلة فوربس Forbes  الامريكية المحافظة بعنوان :” فروقات الثروة: هل ستقود الى ثورة؟” ومجلة فوربس ليست مجلة يسارية ولا ثورية بل محافظة تملكها احدى أغنى العائلات الامريكية فائقة الثراء. جاء في المقال الاول بتاريخ 4/9/2013:

”كل الكلام عن تفاوت الثروة في السنتين الاخيرتين يستحضر السؤال: هل ستقود فروقات الثروة هذه الى ثورة؟… ان اغنى واحد بالمئة يمتلكون 40 بالمئة من ثروة الامة المقدرة بـ 54 تريليون دولار.  هذا يترك فقط 7 بالمئة لثمانين بالمئة من المواطنين. ولنضعها بشكل آخر فإن اغنى 400 امريكي يمتلكون أكثر من ما يمتلكه  150 مليون امريكي أي أكثر من نصف سكان الولايات المتحدة…”.

كذلك انتفخ الدين على الحكومة الامريكية ليزيد عن 20 تريليون دولار وهو رقم لو قيس الى الناتج المحلي الاجمالي للاقتصاد الامريكي لتم تصنيف الولايات المتحدة بأقل من تصنيف صندوق النقد الدولي للاردن مثلاً!

أما خارج الولايات المتحدة فتم استعمال ادوات العولمة الحديثة كصندوق النقد الدولي كمصائد للديون على الدول بحيث اصبح اقتصاد تلك الدول يعمل ليل نهار لصالح الشركات العابرة للقارات وسداداً لفوائد القرض. نتج عن ذلك فقدان الدول لسيادتها الاقتصادية وبالتالي السياسية.

في مقدمة كتابي نذر العولمة اعطيت اقتباساً نقلاً عن مجلة تايم بتاريخ 1 حزيران 1998  عن عبودية الديون.

 جاء في الاقتباس:

– “11 دولاراً : هو المبلغ الذي تدفعه الدول النامية على صورة خدمة الديون مقابل كل دولار تحصل عليه على صورة مساعدات.” وعن عبودية الشركات العابرة للقارات جاء في الاقتباس :”

– 30.000 شخص هو عدد الموظفين الاندونسيين لمصنع نايكي “NIKE” للأحذية الرياضية، والذين يقل اجمالي رواتبهم السنوية عما يتقاضاه نجم كرة السلة الأمريكي مايكل جوردان(Michael Jordan) لقاء ظهوره في الإعلان عن هذه الأحذية.”

انت تريد وانا اريد والله فعال لما  يريد:

دعنا نرى ان ميكانيكية التكاثر ومضاعفة ديناميكية الحركة وتزاحم الاختراعات العلمية والتكنولوجية في اخر قرن من الزمان قد اثرت تأثيراً عميقاً على المجتمعات ومكوناتها بل وقراءة تأثيراتها على الانسان والمجتمع والدولة والعالم. وكانت هذه التحولات تسير بوتيرة لوغاريتمية وتراكمية بحيث عجز عن تأثيراتها حتى اولئك الذين ساهموا في صنعها واختراعها. وهكذا انحرفت بوصلة الامبراطوريات. ودعنا نعطي بعض الامثلة:

– قال تشارلز هـ. ديويل مفوض مكتب براءات الاختراع الأميركي 1899 “أن كل ما يمكن اختراعه قد اخترع”.

– (مذكرة داخلية من شركة Western Untion  عام 1876) “أن هذا (الهاتف) ينقصه الكثير ليمكن اعتباره وسيلة للاتصالات. وهذه الأداة غير ذات قيمة في نظرنا.”

– اللورد كيلفن رئيس رويال سوسايتي 1895 – قال “أن الأجسام الأثقل من الهواء يستحيل أن تطير.”

– المارشال فيرناند فوش، أستاذ الاستراتيجية، سوبرير دي كور – Marshal  Ferninand Foch, Professor of Strategy, Supperieure de Guerre . قال “أن الطائرات هي العاب مسلية ولكن ليست لديها أية قيمة عسكرية”.

– قال ثوماس واطسون Thomas Watson رئيس مجلس ادارة شركة آي بي امIBM عام 1942 عند اكتشاف الكمبيوتر “اعتقد ان هناك سوقاً عالمية لخمسة كمبيوترات فقط “.

– أما كين اولسين Ken Olsen رئيس شركة Digital Equipment Corp. فقد قال في عام 1977 “انه لا حاجة لأي شخص كي يمتلك جهاز كمبيوتر في منـزله”.

نهاية الكيان الصهيوني:

هناك ثلاثة اسباب رئيسية ستجعل من سقوط هذا الكيان امراً حتمياً :

اولها انه كيان استيطاني استعماري وسيسقط كما سقطت كل مثل هذه الكيانات. سقط الصليبيون بعد حوالي مئتي سنة وسقطت سلطة فرنسا في الجزائر بعد 132 سنة واغلب الظن أن الكيان الصهيوني سيسقط قبل مثل هذه المدة. وثاني الاسباب هو الارتباط العضوي بين الكيان والامبراطورية الامريكية الايلة للسقوط. وثالث هذه الاسباب هو ان الكيان الصهيوني هو جزءٌ من كيانات سايكس بيكو وهذه الكيانات هي ضمن منظومة متكاملة من كيانات وظيفية تنتهي بإنتهاء وظائفها وقد سقطت جميع الاقنعة عن الوجوه، وهي كيانات افتراضية اعتباطية تمّ تصميم حدودها على اسس جيوسياسية وجيولوجية (النفط وطرق امداداته )وستزول هذه الكيانات بعد انتهاء وظائفها.

 والخلاصة:

عاشت الدولة العثمانية 500 سنة وعاشت الامبراطورية البريطانية اقل من ذلك. وعاشت الامبراطورية السوفياتية حوالي 70 سنة وستعيش الامبراطورية الامريكية اقل من ذلك.  قبل ان تعتمد الولايات المتحدة مهمتها كامبراطورية العصر بعد الامبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية كان هناك تيار يدعو بأن تتقوقع الولايات المتحدة داخل حدودها لكن اصحاب رؤوس الاموال العالمين عبر ادواتهم في الولايات المتحدة اختاروا خيار العولمة. إن قدوم ترامب للسلطة لم يكن عفوياً أو صدفةً بالضرورة بل ولربما جاء لاسكات ما تخشى منه المؤسسة الحاكمة الدائمة من ثورة للاسباب التي ذكرتها مجلة فوربس بالاقتباس اعلاه. نجد ان الفئات التي انتخبت ترامب هي الفئات المهمشة في المجتمع الامريكي والعنصريون و الانجيليون الذين تم اقناعهم بتحمل عبوديتهم الاقتصادية والاجتماعية وطلب الخلاص في الاخرة والذين يحاولون استعجال قدومها عبر "اسرائيل" لعل في ذلك خلاصٌ لهم.

إن النظام الرأسمالي الامريكي المتوحش هو نظام ظالم لمواطنيه والاخرين وهو يحمل بذور فناءه بداخله.

عندما ضاقت الدنيا في وجه الرئيس المكسيكي Porfirio Díaz بورفيريو دياز نتيجة تدخلات شركات النفط في المكسيك بعد اكتشافه بداية القرن العشرين قال: “مسكينة هي المكسيك لقربها من الولايات المتحدة وبعدها عن الله “.فهل هذه هي مشكلتنا هذه الايام ؟

* عبد الحي زلوم ـ رأي اليوم