كتاب الاتحاد

 تأملات محمد ثامر يوسف:
 اشارة ساطع راجي:
 جملة مفيدة عبد المنعم الاعسم:
 عيون مصرية رجائي فايد:
 اضاءات اسماعيل شاكر الرفاعي:
 نافذة الاسبوع عمران العبيدي:
 كلام في الرياضة سمير خليل:

هذا ما نستفيد من الأعاصير المتفجرة ؟!

العالم – علوم وتكنولوجيا 

يمكن للعواصف القوية على سطح كوكبنا إنتاج هزات تساعد الجيولوجيين على معرفة ما قد يكون عليه باطن الأرض. وبحكم موقع ولاية مين الأمريكية على ساحل المحيط الأطلسي في أمريكا الشمالية، فإن العواصف الموسمية ليست غريبة عليها. فقد عايشت أعاصير متعددة، وعاصفة ثلجية تاريخية كانت قد شلت تلك الولاية، التي أعيش فيها، لأسابيع.

ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بات حوالي 484 ألف شخص من سكان ولاية مين ـ ما يقرب من ثلثي عدد سكان الولاية ـ في الظلام عندما ضربت عاصفة شرسة مفاجئة خطوط الطاقة لأكثر من أسبوع في بعض المناطق.

ولم يكن معظمنا مهيئا تماما لأنه لم يكن هناك سوى القليل من التحذيرات مما سيحدث. لم تكن هذه عاصفة عادية.

فقد ضرب مين نوع من الأعاصير يعرف باسم "إعصار القنابل"، وهو مصطلح يشير إلى حالة متطرفة للطقس يسميها علماء الأرصاد الجوية "الأعاصير المتفجرة"، أو في اللحظات الأقل مبالغة، يعتبرونها تغييرا سريعا وحادا في الضغط المنخفض.

ويمكن للعواصف التي تسير بسرعة الأعاصير، والتي يولدها هذا النظام، أن تقتلع الأشجار وتدمر خطوط الطاقة

التهديدات المتزايدة القادمة من المحيطات

كما يمكنها أن تجلب فيضانات خاطفة، وتتسبب في ظواهر مثل التعرية. إنها عواصف قوية جدا لدرجة أن فريق بحث في اليابان اكتشف مؤخرا أن موجات المحيط التي اصطدمت بالأعاصير المتفجرة تلك يمكن أن تضيء داخل الأرض بالطاقة الزلزالية.

ويمكن لرصد هذه الإشارات الزلزالية أن يوفر للجيولوجيين الآن أدوات جديدة لمساعدتهم على استكشاف البنية الداخلية للأرض.

ويقول كريس ليغرو، إخصائي الأرصاد الجوية البارز في دائرة الأرصاد الجوية في مدينة غري بولاية مين، إن الرياح القوية الناتجة عن الأعاصير المتفجرة يمكن أن تنتج موجات كبيرة في المحيطات، يتراوح ارتفاعها في كثير من الأحيان ما بين 25 ـ 35 قدم (7.6 ـ10.7 متر).

وعندما تتفاعل هذه الأمواج الضخمة مع قاع البحر، فإنها تولد هزات خفيفة يمكن قياسها في جميع أنحاء العالم على أجهزة قياس الزلازل.

ويشرح ليغرو قائلا: "تنتقل الأمواج الزلزالية عبر المناطق الداخلية للكرة الأرضية، ويمكن أن تقدم نظرة ثاقبة حول نوع المادة التي انتقلت عبرها".

الهزات الأرضية العميقة

ومن خلال جمع بيانات من شبكة تضم أكثر من 200 جهاز لاستشعار الزلازل التي يديرها المعهد الوطني للبحوث في علوم الأرض والوقاية من الكوارث في اليابان، لاحظ الباحثان كيوامو نيشيدا وريوتا تاكاغي وجود نوع نادر من الهزات الأرضية العميقة، وتعرف باسم الهزات الصغيرة لـ "الموجة S"، التي عزوا أسبابها إلى إعصار متفجر في شمال الأطلسي قبالة ساحل غرينلاند في ديسمبر/ كانون الأول عام 2014.

كانت تلك المرة الأولى التي يلاحظ فيها العلماء هذا النوع من الهزات في قاع المحيط. وكان الخبراء سابقا قد اكتشفوا موجات تعرف باسم "موجات P" فقط (وهي الهزات التي يمكن أن تشعر بها الحيوانات قبل وقوع الزلزال)، إلا أنهم لم يتمكنوا من اكتشاف "موجات s" الأكثر غموضا، (وهي الهزات التي يشعر بها البشر أثناء الزلزال).

ويقول كريس غولدفنغر، مدير مختبر التكتونيات النشطة ورسم قاع البحار في كلية علوم الأرض والمحيطات والغلاف الجوي بجامعة ولاية أوريغون: "أعتقد أن أهمية هذا الاكتشاف تكمن في أنه تحسن تدريجي في كيفية التحقيق في بنية الأرض الداخلية. إن استخدام الهزات الخفيفة التي تولدها العواصف تحول ما كان (صوتا) إلى إشارة محتملة، لذلك فهذا الاستخدام يعد عملية ذكية جدا، وشيء تم استبعاده وتجاهله سابقا".

وقد تم تعلم قدر كبير مما نعرفه عن البنية الداخلية للأرض من خلال استخدام الموجات الزلزالية التي تنتج عادة عن الزلازل الطبيعية، وإن كان ذلك أحيانا ناتجا عن انفجارات كبيرة ومصادر أخرى.

ومن خلال فحص السرعة التي تنتقل بها تلك الموجات عبر الأرض، يمكن الكشف عن تفاصيل حول تكوين الصخور تحت قشرة الأرض. وتسبب الانعكاسات الناجمة عن تغير أنواع الصخور وبين المواد الصلبة والسائلة كذلك ارتداد الموجات الزلزالية، مما يكشف عن المزيد من المعلومات.

يقول غولدفنغر: "ظواهر الطقس لا تستخدم لفعل ذلك إطلاقا، وهذا ما هو فريد في نوعه بشأن هذا الاكتشاف".

ويضيف أنه في حين أن الزلازل ستظل الأداة الرئيسية، فإن الظواهر المناخية توفر مصدرا جديدا للموجات الزلزالية التي يمكن استخدامها للنظر في داخل الأرض.

ولكن وفقا لبيتر بروميرسكي وبيتر غيرستوفت، وهما باحثان في معهد سكريبس لعلوم المحيطات في كاليفورنيا، فإن الهزات الخفيفة تعمل بشكل أفضل من الزلازل، التي تحدث بشكل متقطع وتتجمع على حدود الصفائح. والهزات الخفيفة، على النقيض من ذلك، هي دائما موجودة ويبدو أنها تأتي من كل الاتجاهات.

وبينما تولد جميع أنظمة العواصف هزات خفيفة من أنواع مختلفة، فإن بعضها أكثر فائدة من غيرها لأولئك الذين يدرسون باطن الأرض.

ويقول غيرستوفت: "عادة ما يكون للأعاصير المتفجرة نطاق مكاني أصغر من الأعاصير المدارية النموذجية، لذا فإن منطقة مصدر الإشارات التي تولدها يمكن أن تكون مقيدة بشكل أفضل".

ويضيف: "تخيل خرطوم مياه حديقة يهتز صعودا وهبوطا بقوة. فموجات 'S' تتسبب في تموج المادة بطريقة متفجرة بشكل مشابه لذلك، ولكنها محصورة. أما موجات 'P'، فإنها تضغط الأرض وتمددها على شكل لفائف دائرية مرنة متصلة بعضها ببعض، عندما يمتد على الأرض وتندفع إحدى نهايتيه بسرعة إلى الأمام.

ومضات الزلازل

اكتشف الباحثون اليابانيون أن نوعين من "موجات S" نتجا عن الإعصار المتفجر الذي درسوه، وهما موجات SV ذات الحركة بيضاوية الشكل والتي يمكن أن تتحول إلى موجات P، وموجاتSH التي تحرك المادة أفقيا.

ويقول غولدفنغر إن كل نوع من الموجات يضيء جزءا مختلفا من داخل الأرض بسبب سرعات سفره وخصائصه الفردية.

ويضيف: "إن الموجات تشبه صندوق معدات فيه العديد من المصابيح المختلفة، وبإمكان كل واحد منها أن يضيء جزءا مختلفا من داخل الصندوق. وتضيف النتائج الجديدة مصباحا آخر، يضيء بقعة كانت مظلمة سابقا، وربما يلقي ضوءا على شيء جديد مما يحدث".

ولكن ما الذي يعطي الإعصار المتفجر القدرة على إنتاج موجات S الخفيفة في قاع المحيط؟

السبب الرئيسي هو الطريقة المتفجرة التي يتطور بها، حسب قول ليغرو الذي يضيف: "التعريف الأرصادي النموذجي للإعصار الحلقي المتفجر هو انخفاض الضغط المركزي بمقدار 24 مليبار في غضون 24 ساعة. وذلك التغير السريع في الضغط هو الذي يمكن أن يسبب رياحا قوية على السطح، عندما يندفع الهواء في اتجاه المركز لملء الفراغ".

وفي المتوسط، يحدث هذا حوالي 40 مرة في السنة بين شهري سبتمبر/أيلول، وأبريل/نيسان في نصف الكرة الشمالي. وهذه العواصف غالبا ما تتطور في شمال غرب المحيط الأطلسي وشمال غرب المحيط الهادئ.

ومحليا، يمكن أن يتوقع شمال شرق الولايات المتحدة حفنة من هذه القنابل المناخية كل شتاء. وقد يمر بعضها بشكل غير ضار نسبيا إلى البحر، في حين أن البعض الآخر، كالذي شهدته ولاية مين الشهر الماضي، يمكن أن يعبر إلى شمال شرقي البلاد.

وبينما قد لا يكون الإعصار المتفجر أول شيء في أذهان سكان مين الذين أزالوا الأشجار الساقطة والأنقاض بعد حدوثه في نوفمبر/ تشرين الثاني، إلا أنه كان فرصة ثمينة بالنسبة إلى علماء الزلازل.

ولسوء الحظ، بالنسبة للعلماء اليابانيين، فإن أجهزة المراقبة لديهم قابعة في "منطقة الظل" لأية موجات زلزالية تمر عبر باطن الأرض من ولاية مين. فالقلب السائل للكوكب ينحرف ويمتص الطاقة الزلزالية، مما يعني أن أجهزة قياس الزلازل التي يستخدمها نيشيدا وفريقه في اليابان لم تلتقط الهزات الناجمة عن العاصفة.

ويقول نيشيدا: "كان الإعصار المتفجر مدمرا، ولكن الإثارة الزلزالية لم تكن استثنائية".

ويأمل نيشيدا في أن يكون من الممكن العثور على إشارات ربما كانت قد التقطت في أنحاء أخرى من العالم، ولكن لا يزال يتعين على اليابانيين الحصول على هذه البيانات.

لذا، فإن الجيولوجيين، كالكثير من سكان مين، ليسوا على دراية بما حدث، ولو كان ذلك بشكل مؤقت.

المصدر : BBC عربي

114