هل ستكون أمريكا بحال أفضل بعد انسحابها من الاتفاق النووي مع ايران ؟!

العالم – مقالات وتحلبلات 

وشددت المجلة على أنه ما إن ينقشع غبار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، حتى تجد الولايات المتحدة نفسها في وضع أسوأ مما هي عليه الآن.

وجاء في مقال نشرته المجلة لاثنين من الباحثين الأميركيين، أن الأوضاع في الشرق الأوسط لن تشهد تحسنا في إعقاب قرار الانسحاب الذي أعلنه ترامب.

فحلفاء أميركا في "إسرائيل" والسعودية سيحتفون بالقرار، لكنهم سرعان ما سيصابون بخيبة أمل كبيرة، "ذلك لأن المجتمع الدولي في ظل عودة الأزمة النووية إلى الواجهة سينصب جل تركيزه على المسألة النووية ومع أن ترامب تحدث أثناء إعلانه الانسحاب بنبرة حادة عن ضرورة مواجهة "سلوك إيران في المنطقة" على حد زعمه ، فإنه لن يكون راغبا في التورط في مواجهة إقليمية كبيرة مع إيران أو أن تكون لديه إستراتيجية "متماسكة" بشأن كيفية إجبار طهران على التراجع في مواقفها في المنطقة.

ومضت فورين بوليسي في المقال إلى أن إدارة ترامب آثرت حتى اليوم السير في ركاب السعودية، إذ منحتها الضوء الأخضر لانتهاج إستراتيجية عدائية تجاه إيران في كل من لبنان واليمن.

وقد أدى ذلك  إلى فشل وراء فشل امتد من مواصلة أميركا دعمها للحرب "المأساوية" في اليمن، إلى حملة  السعودية "الخرقاء" لاستبدال رئيس الوزراء اللبناني، إلى "الصدع الكبير" الذي حدث بين دولة قطر ودول خليجية أخرى والذي لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على رأبه.

وخلصت المجلة إلى أنه إذا كان هذا هو محور السياسة الأميركية المناهضة لإيران في منطقة الشرق الأوسط، فإن "مآلها إلى الفشل".

ويبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان التخلي عن الاتفاق النووي سيتمخض عن حلول للمشاكل العديدة التي تواجه ترامب، وتكون كافية، على حد تعبير فورين بوليسي.

كما ان انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران واتفاقية المناخ أيضا باتا يشكلان نقطتي عزلة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية في قمة الدول السبع التي يعتبر الاتحاد الأوروبي صاحب اليد الطولى فيها في مواجهة ترامب الذي فرض على نفسه العزلة والحصار الإعلامي اللاذع،  كان آخر مشاهدة هجوم وزير الخارجية الألماني هايكو ماس على الرئيس دونالد ترامب.

وقال هايكو ماس في تصريحات لصحيفة (زود دويتشه تسايتونج) الألمانية ، إنَّ هناك اختلافات لم يعد بإمكاننا التغاضي عنها، واعتبر ماس رفض ترامب لاتفاقية حماية المناخ والاتفاق النووي مع إيران وفرضه لقيود جمركية على واردات الصلب والألومنيوم القادمة من الاتحاد الأوروبي قرارات منفردة تضر بأوروبا، وذكر ماس أن ترامب لا يمانع في إحداث أضرار مباشرة بأوروبا، ولذلك نحن نمر بتغيير بالغ المدى. موضحا أن ترامب يُعرض عن النظام المتعدد، ويتصرف على نحو منفرد، وفقا للمصالح الأمريكية فقط، ويتبع سياسة فوقية تعلو فيها دولة على أخرى، وقال: لا شيء من ذلك سيؤدي إلى عالم أفضل أو أكثر أمانًا أو سلما.

ويقول الكاتب والصحافي سركيس ابو زيد ان"انفراد ترامب بقراراته لوحده بدون مراعاة شركاءه الأوربيين وضعهم في موقع صعب ومحرج، وهذا ما دفع الأوربيين إلى الإعلان أنه من الآن وصاعدا سيكون على أوروبا أن تأخذ مصيرها بيديها وتتحمل مسؤولياتها الدولية لأن تغييرا كبيرا يحدث، إذ إن هناك إدارة أميركية جديدة لا تعتبر أوروبا جزءا من مجتمع دولي تعمل فيه معا، وترى العالم كساحة يجب على كل فرد فيها أن يجد طريقه وحده. لذا لم تتردد أوروبا كثيرا، فاتخذت قرار التحدي لثلاثة اعتبارات:

الأول : أخلاقي ـ قانوني، إذ لم يكن أمام الدول الأوروبية ما يبرر الانسحاب من اتفاق دولي لعبت دوراً أساسياً في التمهيد له، خصوصاً وأنه لم يصدر عن الوكالة الدولية للطاقة النووية أي تقرير يشير من قريب أو بعيد إلى إقدام إيران على مخالفة أو انتهاك أي من بنوده.

الثاني : سياسي ـ أمني، حيث باتت الدول الأوروبية أكثر اقتناعاً بأن انهيار الاتفاق مع إيران سيؤدي حتماً إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

الثالث : اقتصادي ـ تجاري، حيث أن قرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات على إيران سيمكن الولايات المتحدة من فرض نفسها كشرطي وحيد للاقتصاد العالمي، الأمر الذي ترفضه أوروبا وترى أنه يتناقض تماماً مع مصالحها الاقتصادية والتجارية.

ومؤخراً أظهرت المؤشرات والمعطيات الى أن التوقعات الاقتصادية لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران هي كبيرة، كونها لن تقتصر على ايران بل إنها ستنسحب على أوروبا وروسيا، وستطال أسواق النفط وحتى إنفاق المستهلك الأميركي.

كذلك سوف تكون هناك ردود فعل لشركات أوروبية بدأت مفاوضات كبيرة مع إيران في شأن امدادها بالمعدات والطائرات مقابل موافقة طهران على الحد من النووي وانعكاس ذلك بشكل أوسع في الاسواق المالية والبنوك والشركات.

وكشف مؤخراً وزير المالية الفرنسي برونو لومير أن العمل يجري على ثلاثة مقترحات لتأكيد السيادة الأوروبية في مواجهة العقوبات الأميركية العابرة للحدود، وهي تعزيز اللائحة الأوروبية لعام 1996 التي تسمح بإدانة هذه العقوبات، بتضمينها قرارات الولايات المتحدة الأخيرة، ثم التفكير في كيفية مد أوروبا بالأدوات المالية، حتى تكون مستقلة عن الولايات المتحدة. أيضا يجري تداول أنباء عن دراسة تعامل أوروبا مع إيران باليورو بدلا من الدولار، خاصة فيما يتعلق بتعاملات النفط في محاولة لتخطي عقبة التعامل مع النظام المصرفي الأميركي الذي يهيمن على تعاملات الدولار حول العالم. مع العمل على إنشاء مكتب متخصص في متابعة نشاطات الشركات الأميركية في الخارج على غرار ما هو موجود في واشنطن بحيث يتبع الأوروبيون مبدأ المعاملة بالمثل.

من المؤكد أن أوروبا، بإصرارها على تحدي الولايات المتحدة وإنقاذ الاتفاق مع إيران، وضعت نفسها موضع اختبار صعب، وعليها أن تجتازه بنجاح وإلا ستخسر الكثير، ولكن عندما يتعلق الأمر بالاتفاق الإيراني، هناك نقطة ضعف أساسية تعرقل قدرة أوروبا على الالتزام، تتعلق بعيوب تصميم اليورو، والعقوبات الثانوية لا تستمد قوتها فقط من جاذبية السوق الأميركية، بل بسبب القوة التي تأتي من الدولار كونه عملة الاحتياط العالمية، حيث يشكل اليورو حاليا ما يقارب 20% من احتياطيات العملات الأجنبية على مستوى العالم، مقارنة بما يقارب 65% بالنسبة إلى الدولار.

وهذا ما سيدفع القادة الأوروبيون إلى تخفيف حدة النزاع عن طريق استرضاء ترامب، والانتظار حتى تنتهي فترة رئاسته. وفي أغلب الظن ستصبح العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا أكثر فأكثر علاقة “مساكنة”. سوف يتعاون الحلفاء القدامى على أساس المعاملات في المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل مكافحة الإرهاب والتجارة. لكن الرؤية المشتركة للعالم التي ميزت هذه الشراكة منذ الحرب العالمية الثانية من الممكن جدا أنها انتهت…لكن البديل لم يتوضح بعد".

واخيراً.. لا بُدّ من تقديم الشكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب على اعترافه بالقدس عاصمة لـ" اسرائيل"، وكذلك لانسحابه من الإتفاق النووي الدولي مع ايران، وللعديد من القرارات التي اتخذها سابقاً أو قد يتخذها في الأشهر القادمة.

والشكر له لا يأتي لأن قراراته صائبة وصحيحة ومنطقية، ولكن لأنه كشف عن وجه "أميركا" الحقيقي تجاه العرب بشكل عام، والقضية الفلسطينية بشكل خاص.. وأيضاً تجاه التزام "أميركا" بالإتفاقيات التي توقع عليها، إذ أن الرئيس ترامب "لحس" و"شطب" ما وقعت عليه الولايات المتحدة الأمريكية في عدة اتفاقات في عهد إدارة الرئيس السابق "اوباما"، حتى ولو كانت مع حلفاء لها مثل الدول الأوروبية.

أعادت قراراته القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وخاصة موضوع "القدس"، فاعتبر العالم هذا القرار خارجاً عن قرارات ومواثيق الشرعية الدولية، كما أنه كشف حقيقة موقف بعض الدول العربية تجاه القدس، إذ أن هذه الدول، ونعني بها قادتها المرتمين بأحضان "أميركا"، تنازل زعماؤها عنها فعليا، ويؤيدون الموقف الأميركي الداعم الأعمى للمطالب والرغبات الاسرائيلية.

وكذلك نشكر الرئيس ترامب لأنه وحّد الفلسطينيين في الميدان، وفي الوقوف في وجه المؤامرة التي تستهدف القضية الفلسطينية، فكل الفصائل ضد قرارات ترامب، وضد صفقته التي يتحدث عنها كثيرون، قبل أن يكشف أو يعلن عن بنودها بصورة رسمية وجدية حتى الآن.

مواقف ترامب المؤيد للكيان الصهيوني في إخراج قضيتي القدس وحق العودة عن طاولة المفاوضات جعلت الشعب الفلسطيني يتحرك ليقاوم سلمياً هذه المواقف من خلال "مسيرات العودة" التي تحرج الكيان الصهيوني إلى حد كبير، ويضعه ايضا في مأزق سياسي كبير من خلال قيام قواته في استخدام القوة بصورة مفرطة في مواجهة هذا النضال السلمي الذي يلقى، وخاصة في قطاع غزة، دعماً وتفاعلاً شعبياً واسع النطاق.

والشكر لترامب لأنه يكشف عن أنه "أداة" طيّعة في يد اللوبي الصهيوني في أميركا، ولأن أميركا بدأت تخسر المزيد من النفوذ والمصداقية في العالم.. وفقدت سيطرتها على العالم لأنها ليست الدولة العظمى الوحيدة في العالم، وليست القطب الوحيد أيضاً، إذ ظهرت دول عظمى عديدة تستطيع تحدي ومنافسة السياسة الأميركية في كل مكان من العالم.

يقول المثل "رب ضارة نافعة"، وهذا المثل ينطبق على الرئيس ترامب إذ أن قراراته وتصرفاته وتصريحاته الضّارة كانت "نافعة" للقضية الفلسطينية.. ولكن المطلوب من قادة العالم، أن يقفوا موقفاً موحداً إزاء سياسة أميركية تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر. ، وعلى الشعب الأميركي أن يستيقظ من سباته، ويدرك أن دعم "الظالم" في العالم ليست لصالحه، بل هو انتهاك كبير وحاد للقيم والأخلاق الرفيعة التي تنص عليها وتحاول صونها الأنظمة والقوانين الأميركية!

* fadi.n