12 بهمن وعودة الامام الخميني الحاسمة

احتضنت طهران سماحة آية الله العظمى الامام السيد روح الله الموسوي الخميني (رض) بجماهير مليونية والهة فاقت حد التصور واكبت مسيرته وهو يشق امواج المواطنين الايرانيين الملتفّين حول السيارة التي كانت تقله، كمن يحتمي بسفينة النجاة التي تقي من الغرق.

لقد تابع العالم من أقصاه الى أقصاه وقائع يوم ( 12 بهمن) الذي كان يوماً من ايام الله سبحانه وتعالى، وقد صدقت عليه كل المعاجز عندما تحدى إمامنا الراحل وهو شيخ كبير جبروت النظام الشاهنشاهي المدجج بكل اسباب القوة والبطش والمدعوم بالاستكبار الاميركي ـ الصهيوني، دون ان يرتد لسماحته جفن او ان يلج قلبه المطمئن ذرة من الخوف اوالقلق.

عاد الامام الزاهد الى البلاد ممتلئاً بالامل والعزة والتفاؤل بأنّ النصر الإلهي آت لا محالة وهو على يقين بأنّ حضوره وسط الشعب الايراني الثائر هو الذي سيحسم الصراع بين الحق والباطل لصالح انصار الحق والعدالة والتحرير، حيث لايمكن لقائد ما ان يسدّد ثورة شعبية متصاعدة وهو خارج البلاد او بعيد عن تفاصيل المنازلة المصيرية.

وبحكم هذه العودة التاريخية لزعيم الامة وجد الشعب المجاهد نفسه معبّأ بزخم عال من التأثيرات المعنوية الوثابة لمجابهة آلة القمع الشاهانية والتحرك بخطى ثابتة لتحقيق الانتصار وهدم القواعد الخيانية التي قام عليها النظام البائد واباح بها لنفسه محاربة الاسلام والمذهب وتصفية المعارضين الرساليين او نفيهم او إلقاء الكثير منهم في غياهب السجون وزنزانات التعذيب.

لقد استطاع الإمام الخميني (قدس سره الشريف) في اللحظة التاريخية المناسبة الإمساك بسكّان سفينة الثورة الاسلامية وهي تخوض عباب التحديات الاميركية والاوروبية والاسرائيلية وتمكن من قيادتها بهدوء وسط العواصف والاعاصير الهائجة التي حاولت اعاقة مسيرتها المباركة، وقد اظهرت الايام اللاحقة تساقط قلاع الظلم والاستكبار الواحدة تلو الاخرى وذلك بتضحيات مدروسة حُرص فيها الحفاظ على ارواح الاكثرية من الثوار الميدانيين الذين تطوعوا لتقويض هذه القلاع والسيطرة من ثم على مقاليد ادارة البلاد بعد طرد ازلام النظام السابق وملاحقتهم قضائيا.

الامام الخميني لم يسمح بتلوث مسيرة الثورة الاسلامية بعقد الضغينة والانتقام والحقد الاعمى، فقد كان كل اهتمامه يتركز على ان تبقى صحيفة الثورة ناصعة البياض، وان يلتف الشعب الايراني المناضل حول هدف وحيد هو اسقاط النظام الشاهنشاهي العميل وطرد المستشارين العسكريين الاميركان والصهاينة من الوطن، وهو ما تحقّق خلال الايام التي تلت بعد مجيء الامام الخميني (رض) والتي توجت في تاريخ 11 شباط 1979 بإعلان الانتصار المظفر للثور الاسلامية التي ضحّى من اجلها مئات الالاف من الثوار والمجاهدين طيلة ربع قرن من الزمن.

إن الذين يحرصون على تخليد المراحل الاستراتيجية للثورة والتي تجسدت بتواجد الامام القائد بين الشعب والثوار والمناضلين، يشعرون باهميتها على مستوى صياغة المستقبل النهضوي الذي مكّن الأجيال القادمة من تحملّ المصاعب والضغوط والازمات التي تعرضت لها ايران طيلة فترة 41 عاما والتي واجهت فيها الجمهورية الاسلامية اخطر اشكال التهديدات والحصارات لكنها بقيت صامدة وشامخة وعصية على الخضوع والاستسلام لسبب واحد هو انها كانت وما تزال تعيش في كنف القائد الشجاع المضحي الذي لايدخر جهداً او أي غال ونفيس من اجل الدفاع عن مقدرات الامة والحفاظ على اتحادها وتماسكها ، بل هو يعشق الشهادة ايضا في هذا السبيل.

حميد حلمي البغدادي