المحامي طالب الوحيلي
يعد القانون والقضاء المقياسان الأساسيان لمدى شرعية ومشروعية أنماط الحكم في كل مرحلة من مراحل الحضارة وبذلك ينعكس على مستوى الرقي الحضاري للمجتمعات الإنسانية، من حيث الاقتران الوثيق بينهما من جهة وبين ازدهار تلك المجتمعات اقتصاديا والذي يجيء ترجمة للتطور الاجتماعي والسياسي، والأدلة على ذلك واضحة وكثيرة، ولكن أهمها وأجلاها، هو الواقع القانوني والقضائي والذي ساد مدة حكم النظام السابق في العراق، اذ استهدف قبل كل شيء النظام القضائي في ظل سياسية تشريعية استمدت اصولها من فلسفة ذلك النظام، لتجافيها مع الأسس الفقهية والتشريعية التي سادت قبل هذه المدة، فطالت يد العبث البهيمي كل القوانين المشرعة منذ الخمسينيات، والتي كانت تتمتع بشيء من النضوج الفقهي كالقانون المدني مثلا.
فاستحالت الى طروحات من التجاوزات على الشريعة الإسلامية وعلى روح القانون والدساتير وحقوق الإنسان، والمغزى والهدف الاول من ذلك كله هو تسخير تلك التشريعات لديمومة النظام وإدامة ماكينة الموت التي قام عليها، وتحطيم جميع قيم المجتمع العراقي وهويته الإسلامية و الوطنية.
ونحن في هذه العجالة نحاول تسليط الضوء على باب من تلك المهازل التشريعية ،وهو جانب من قانون الاحوال الشخصية وحصرا باب التفريق القضائي، فمن منطلق تركيز النظام السابق على هتك حرمة العائلة وتمزيق أوصالها، ومن ثم خلق نزاعات اجتماعية تتجاوز حدود العائلة الواحدة الى الآخرين، ومن باب التعدي على حدود الله سبحانه في بغضه للطلاق مع تشدد الفقه في إعطاء الزوج حصرا حق إيقاعه، فتح النظام القضائي بابا واسعا أمام الزوجة لكي تفرط هذا العقد متى شاءت وشاء لها الهوى ودون اي جهد سوى إقامتها دعوى أمام اي قاض للأحوال الشخصية على وفق احد المواد التالية:
أ- المادة (40) تنص على ان لكل من الزوجين طلب التفريق عند توافر احد الأسباب الاتية:
1 ـ اذا اضر احد الزوجين بالاخر ضررا يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية.
2 ـ اذا ارتكب الزوج الاخر الخيانة الزوجية.
3 ـ اذا كان عقد الزواج قد تم قبل اكمال احد الزوجين السنة الثامنة عشرة (من دون موافقة القاضي).
4 ـ اذا كان الزواج قد جرى خارج المحكمة عن طريق الاكراه وتم الدخول.
5ـ اذا تزوج الزوج بزوجة ثانية بدون اذن المحكمة، وفي هذه الحالة يحق للزوجة تحريك الدعوى الجزائية.
ب- المادة (41) نصت على ان لكل من الزوجين طلب التفريق عند قيام خلاف بينهما سواء كان ذلك قبل الدخول او بعده على ان تتحقق المحكمة من سبب الخلاف وان تعين حكمين لكل من الزوج والزوجة بقصد إصلاح ذات البين بينهما من أهلهما او منتخبين من قبل المحكمة على الأرجح، ودورهم بالحقيقة هو تحديد المسبب في الخلاف ونسبة ذلك لكليهما لكي يتسنى للمحكمة إسقاط نسبة من المهر المؤجل بمقدار نسبة الخلاف، وفي جميع الأحوال لا بد للمحكمة ان تحكم بالتفريق القضائي.
ج- المادة (44) هي استكمال للمادة (40) واستدراك لعجز احد الزوجين عن اثباته الضرر فإنها اعطته حق اقامة الدعوى ثانية لكي تحكم بالتفريق القضائي بعد ان تلجأ الى التحكيم وفقا لما ورد في المادة (40) من هذا القانون.
وتتوسع المادة (43) بفقراتها الثلاث في إعطاء حق التفريق القضائي ولأسباب غير منطقية وتتنافى مع الفهم الإسلامي للزواج وكونه أساسا لبناء المجتمع والتكافل الاجتماعي واهم تلك الاسباب:
1 ـ الحكم على الزوج بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنوات فأكثر ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
2ـ اذا هجر الزوج زوجته مدة سنتين فاكثر بلا عذر مشروع، وان كان الزوج معروف الاقامة وله مال تستطيع الانفاق منه.وتعليقا على هاتين الفقرتين هو ما اكثر من سجنوا او غيبوا في هذا البلد المظلوم وكم هاجروا وتغربوا وكم من زوجة مؤمنة قضت أجمل أيامها تنتظر غائبها حتى ماتت كمدا وحسرة عليه.
ولا نريد ان نسرد بقية الأسباب التي تكرم بها (رأس النظام البائد ) للمرأة فحاول محاربة أباة الضيم بكل وسيلة ومنها إعطاء الزوجة حق التفريق القضائي من زوجها اذ اثبت لجوءه الى دولة اخرى او تجنسه بجنسية دولة اخرى.. الخ.والذي يهمنا في هذا الباب، مساهمة الزوجات او أهلهن في استشراء هذه الظاهرة وذلك بسبب فرض المهور العالية، لا سيما المهر المؤجل الذي يصل الى عشرات الملايين من الدنانير او غيرها من العملات كالذهب مثلا، فيقع الزوج سجين هذا المهر ويعيش حياة لا تخلو من الابتزاز،لا سيما وان اتجاه القضاء برمته قد اوجب الحق للزوجة أصلا مثال ذلك إجراءات التنفيذ التي تتضمن في الغالب حق حبس الزوج بعد إحضاره جبرا،او حجز جميع راتبه وممتلكاته الاخرى من دون اي اعتبارات لوضعه الاجتماعي او المعاشي وما يتعلق به من حقوق اخرى، كذلك قاعدة استئجار دعوى المطاوعة اذا اراد الزوج طلب مطاوعة زوجته والا الحكم بالنشوز، فأن الحل الوحيد أمام الزوجة لإفشال دعوى الزوج هو إقامتها دعوى التفريق القضائي لكي تستأخر دعوى المطاوعة لحين حسم دعوى التفريق القضائي..
وكثيرا ما يصدر حكم التفريق القضائي غيابيا ومن ثم قد يبلغ به اولا، فتنحل الرابطة الزوجية قانونا ويبقى الزواج مستمرا شرعا لانها لم تزل بذمته، والحالة هذه في اكثر دعاوى التفريق حتى وان تمت من الأزواج فأي زواج يقع لتلك الزوجات يقع فيما بعد واي أطفال يولدون؟.وقد صادفتني دعوى من هذا القبيل اذ أقامت زوجة دعوى تفريق قضائي على أساس كونه مفقودا وغير داخل بها وقد حكم احد القضاة بالتفريق، الا ان مثل هذه الدعاوى تميز تلقائيا لتعلقها بمفقود وقد نقضتها محكمة التمييز للتالي (اذا كان على محكمة الأحوال الشخصية إدخال والدي المدعى عليه المفقود في الدعوى إضافة الى مديرية رعاية القاصرين طرفا في الدعوى واعيدت الدعوة منقوصة) ولكن بعد فوات الأوان فقد تزوجت الزوجة من زوج ثان بمجرد حصولها على الحكم الابتدائي من دون الالتفات لما سيحصل، وقد عاد الأسير فتبددت كل أحلامه على أبواب محاكم الطاغية.ويبقى عتبا على اهل الزوجات، فكم يتشددون وكم يشترطون حين الخطبة وحين العقد أمام المحكمة ومن ثم أمام (عالم الدين) وبحضور شهود ووجهاء وأشراف والى غير ذلك من أعراف، تمحى كلها بمجرد حدوث الخلاف فتراهم يهرعون الى أبواب محاكم الطاغوت متناسين أحكام الشريعة وقواعد الأحكام العملية والعرف برغم احترامهم الكبير له!!.