أصـل الكـرد بيـن الميثولوجيـا والحقيقـة
التاريخ: Thursday, April 27
الموضوع: بحوث ودراسات


د. فرست مرعي/ جامعة دهوك ـ كلية التربية

الجزء الأول

أولاً - خرافة أصل الكرد من الجن (دراسة نقدية).
بدأت بعض وسائل الإعلام من صحف ومجلات في الآونة الأخيرة حملة تشهير منظمة ضد الجنس الكردي من ناحية التكوين الخلقي، هذه الحملة القديمة الجديدة لم تأت من فراغ، وانما استندت الى جملة نصوص تاريخية ودينية مبثوثة في بعض كتب التاريخ والتراث الإسلامي، هذه الشبهات تثار بين الحين والآخر لأسباب يعرفها مروجوها قبل غيرهم.
فكلما اقترب الكرد قاب قوسين من الحصول على حقوقهم التي فرضتها الشرائع السماوية والارضية لهم، تبدأ هذه الحملات المغرضة والاصوات النشاز تفعل فعلها السحري في النفوس المريضة للبعض، وكلما وضعت العراقيل أمام الكرد للحصول على حقوقهم أو عرقلة جهودهم، اذا بهذا الضجيج الاعلامي يتخافت شيئاً فشيئاً الى ان يتلاشى ويضمحل كلياً، ويمكن ان نعبر عن هذا الخط البياني بصيغة معادلة طردية تتضمن ما يأتي حصول الكرد على حقوقهم = اعتبار الكرد من نسل الجن والشياطين عدم حصول الكرد على حقوقهم = اعتبار الكرد من نسل آدم وحواء، وقد أردت إن أسرد هذه المقدمة لكي يكون القارئ على بينة من خرافة اعتبار الكرد من نسل الجن،



وكأنهم المخلوق الوحيد من هذا النسل بعكس الأجناس الأخرى من عرب وترك وفرس وغيرهم الذين هم من نسل آدم (عليه السلام)، أي إننا بعبارة أخرى نحاول إعادة الاعتبار للنازية والفاشية في ثوب جديد على حساب الكرد فكما ان النازية ادخلت اليهود وأقوام اخرى في أسفل قائمة البشر نلاحظ أن واضع خرافة اصل الكرد من الجن فعلوا الشيء نفسه بعملية ذكية تنم عن حقدٍ تاريخي دفين. فبدلاً من أن يعتذر واضعو هذه النظريات وغيرهم للكرد نتيجة الظلم والقسر والاجحاف التاريخي الذي لحق بهم طيلة القرون الماضية نلاحظ انهم صبوا الزيت على النار من خلال اعادة الاعتبار لهذه الروايات التاريخية السخيفة وكأنهما وحي منزل قطعي الثبوت قطعي الدلالة. والغريب ان البعض يحاول تصديق هذه الروايات واجترارها واعادة صياغتها في قالب عصري!! على صفحات الجرائد والمجلات، وكأن لسان حالهم يقول على الجميع من عرب وترك وفرس بذل الجهود الحثيثة لمحاولة وقف هذا المارد (الكُرد) الذي يبغي الخروج من قمقمه، لانه اذا خرج ستكون الطامة الكبرى، اذا حصل الكرد على الفدرالية، اما اذا حصلوا على دولة مستقلة او توحدت كردستان الكبرى في ظل دولة واحدة فعندئذ ستكون هذه من العلامات المباشرة لاقتراب يوم القيامة.
يقول ابو الحسن علي بن احمد المسعودي المتوفي سنة 346 هـ في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) الجزء الثاني الصفحة 123 بخصوص اصل الكرد ما يأتي: (ومن الناس من الحقهم باماء سليمان بن داود عليهما السلام حين سلب ملكه ووقع على امائه الشيطان المعروف بالجسد، وعصم الله المؤمنات ان يقع عليهن، فعلق منه المنافقات فلما رد الله على سليمان ملكه ووضعت تلك الاماء الحوامل من الشيطان، قال: أكردوهن الى الجبال والأودية، فربتهم امهاتهم وتناسلوا، فذلك بدء نسب الأكراد).
من جانب اخر يذكر الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المتوفي سنة 381 هـ في كتابه (علل الشرائع) الجزء الثاني الصفحة 527 بخصوص نفس الموضوع في باب (العلة التي من أجلها يكره مخالطة الأكراد) يقوله: (حدثنا سعد بن عبدالله عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عمن حدثه عن أبي الربيع الشامي، قال سألت ابا عبدالله عليه السلام) (يقصد جعفر الصادق) فقلت له إن عندنا قوماً من الأكراد يجيئونا بالبيع ونبايعهم فقال يا ربيع لا تخالطهم فان الأكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطهم).
وفي رواية اخرى قال: (حدثنا الحسن بن مئتل عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن بعض عمن حدثه عن ابي الربيع الشامي، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام فقلت إن عندنا قوماً من الاكراد انهم لا يزالون يجيئونا بالبيع نخالطهم ونبايعهم فقال يا أبا الربيع لا تخالطهم فان الأكراد من الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطهم ).
ومما تجدر الإشارة إليه إن القمي ادرج باب العلة التي من اجلها يكره مخالطة الأكراد بين بابين آخرين لا يقلان عن الباب المذكور سوءاً وهما (علة معاملة أصحاب العاهات) وباب (العلة التي من أجلها يكره مخالطة السفلة).
وحول تحديد اصل خرافة اصل الكرد من الجن وكيفية تسربها الى المصادر التاريخية والدينية، يبدو ان المصادر لا تسعفنا، ولكن المسعودي المؤرخ الشهير المتوفي سنة 346 هـ هو أول من أدرجها في كتابة الشهير (مروج الذهب) اما القمي معاصره المتوفي سنة 381 هـ فقد أدرج روايتين في كتابه (علل الشرائع) وربط سندهما بجعفر الصادق رضى الله عنه.
لذا لا يستطيع الباحث أن يتكهن من هو مؤسس هذه الفكرة الخرافية تحديداً، ولكن يبدو أن تأسيسها جرى في القرن الرابع الهجري وإن فكرتها مبنية على الاحتمالات الآتية :
1) ان هذه النظرية هي أحدى الأساطير التي تسربت إلى المصادر الإسلامية من الإسرائيليات، حيث يبدو الدس اليهودي واضحاً فيها من خلال الإشارة إلى نبي الله سليمان بن داود (عليهما السلام) نظير إلصاق التهم بهما، حيث تحوي بعض أسفار الكتاب المقدس على ما يماثل ما أدرجناه آنفاً.
2) تستند هذه الأسطورة على تشابه جذر الفعل العربي (كَرَدَ) بمعنى (اصطاد) مع كلمة (كُرد).
3) هذه الأسطورة مبنية على تشابه المصطلح العربي (أكردوهن) بمعنى (اطرودهن). والكردي والجبل متلازمان، إذن قول سليمان أكردوهن الى الجبال جاءت بمعنى اطردوهن الى الجبال وفق هذه المشابهة اللغوية.
4) ان الكرد قوم مشهورون بالشجاعة والبأس، ويربط التقليد الشعبي على الأغلب كلمة (كُرد) بكلمة كرد التي تعني في اللغة الفارسية (البطل)، ويدعمها في ذلك تفسير القرآن الكريم للآية الكريمة [ستدعون إلى قوم ٍ أولي بأسٍ شديد] التي تعني في رأي بعض المفسرين كالسيوطي والألوسي أي الكرد الذي يلبسون نعال الشعر كما ورد ذلك في الحديث النبوي الشريف.
5) بعض البلدانيين الرحالة تعرضوا الى مضايقات عند مرورهم بالمنطقة الكردية حيث ظهرت لهم عصابات مسلحة، سرعان ما تختفي في الجبال والأودية مثل اختفاء الجن، لذا يمكن ان هذا الاطلاق جاء في معرض المدح آنذاك والشجاعة وتغير مدلولها باختلاف الزمان الى مدلول اخر.
وختاماً ارجو من الباحثين والكتاب والصحافيين العرب وغيرهم ان ينظروا الى الامور نظرة علمية موضوعية، وان لا يرددوا تلك الخرافات والاساطير المبثوثة في كتب الاقدمين حول الاصل الخرافي والاسطوري للكرد وغيرهم. والكرد ليسوا في هذا بدعاً، فهناك نظريات عجيبة وغريبة في اصول اقوام اخرى مجاورين للكرد..
ثانياً - اسطورة أصل الكرد من العرب (دراسـة نقدية).

لم يظلم التاريخ شعباً كما ظلم الكرد، فهو تارةً من أصل الجن والعفاريت، وتارةً يطلق عليه (أتراك الجبال)، ومرة يرجع في اصوله الى أرومة عربية، وما يتبع هذا الأصل من انقسامٍ بين العدنانيين والقحطانيين وغيرهم، فهو في رواية عدناني، وفي رواية ثانية قحطاني، وفي رواية ثالثة من ربيعة، والا نكى من ذلك ان بعض الشوفينيين الفرس يعتبرون الكرد ايرانيين، وان لغتهم هي احدى اللهجات الفارسية ليس إلا!.
وعندما يبدأ الكردي العامي او المثقف بالرد على هذه الخرافات والأساطير التي ما أنزل الله بها من سلطان، ترى الاخر (الفارسي والتركي والعربي) يسرد كما هائلا من الروايات التاريخية والشعبية والدينية على أن الكرد من أصله هو، وفي ذلك اذا اسعفته الحاجة يعتمد على روايات الطرف الاخر المغاير له في العرق، اي بعبارة اخرى أن جميع الاطراف المذكورة آنفاً تختلف في كل شيء ما عدا اتفاقها في ارجاع اصول الكرد الى أية أرومة- ماعدا الأصل الحقيقي للكرد- والذين هم من أقدم سكان المنطقة وانهم بداية الموجة الثانية للبشرية بعد الطوفان الذي حل في الارض في عهد نبي الله نوح (عليه السلام) تشهد بذلك نصوص قطعية من القرأن الكريم.
[وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين]. (سورة هود الآية 44)، وفي قوله تعالى: [فاذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجينا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين]. سورة المؤمنون الآية 28.29. وجبل الجودي يقع في كردستان تركيا بالقرب من مدينة جزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان) قبالة مدينة زاخو. ومما تجدر الاشارة اليه أن التطبيق العملي على أرض الواقع لسياسة اعتبار أصل الكرد من مناشيء مختلفة تجلت في اجتماعات دول الجوار العراقي (تركيا، سوريا، ايران) التي لم تتفق في شيء اتفاقها سوى علــى وأد الحقــوق السياسية للشعب الكردي في العراق- حتى تحول دون تسرب هذه الحقوق الى كرد هذه البلدان.
اذن عندما يحاول الكرد الحصول على حقوقهم او يقتربون منها كما يحصل الآن في العراق تبرز على السطح كل الأساطير والخرافات لإلصاقها بالكرد وأصلهم وتراثهم وقيمهم، فضلاً عن الصاق تهمة عمالة الاحزاب القومية الكردية وزعمائها للدولة العبرية وجهاز مخابراتها (الموساد)، وانهم أي الكرد مشاركون في تنفيذ مخططات اليهود في تفتيت الوطن العربي إلى دويلات عنصرية وطائفية (علماً بأن تنفيذ مخططات اليهود في انشاء كيانات طائفية لا تلصق بالشيعة من قبل الإعلام الايراني والعربي القومي والديمقراطي بل وحتى الإسلامي لكونهم عرباً وشيعةً في الوقت نفسه). اما الكرد فلا بواكي لهم. ان الآراء التي قيلت بانتماء الكرد الى العرب ظهرت في بداية الامر في تفسير لفظة (الكرد) في المعاجم العربية ولكنها ظهرت كنظرية على لسان المؤرخ العربي المسعودي المتوفي سنة 346 هـ ذي الميول الشيعية بقوله: (أما اجناس الاكراد وأنواعها فقد تنازع الناس في بدئهم، فمنهم من رأى أنهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، إنفردوا في قديم الزمان، وانضافوا الى الجبال والاودية، دعتهم الى ذلك الأنفة، وجاوروا من هنالك الامم الساكنة المدن والعمائر من الاعاجم والفرس، فحادوا عن لسانهم، وصارت لغتهم أعجمية ولكل نوع من الأكراد لغة لهم بالكردية، ومن الناس من رأى انهم من معاد بن نزار، وأنهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، وأنهم إنفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان، ومنهم من رأى أنهم من ربيعة ومضر، وقد اعتصموا في الجبال طلباً للحياة والمراعي فمالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الامم). نقلاً عن (مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج2 ص122- 123 )، و ( تنبيه الاشراف، ص 94-95) . وقد توصل الباحث بعد دراسة كتب الانساب العربية إلى أن مصدر الرأي القائل بانتساب الكرد الى العرب هو قول النساية ابن الكلبي ت 204هـ: (هو كرد بن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن ماء السماء) نقلاً عن (ابن دريد: كتاب جهرة اللغة، ج2ص255) وزعم أبو اليقظان: (انه كرد بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ) وكان جل اعتماده على بيتٍ من الشعر قاله ابن الاعرابي ت 203هـ جاء فيه: لعمرك ما كرد من أبناء فارس ولكنه كرد بن عمرو بن عامر نقلاً عن (ابن منظور: لسان العرب، ج10ص109 ) .







أتى هذا الخبر من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.com

عنوان الرابط لهذا الخبر هو:
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=14813