محمد ثامر يوسف
قبل اكثر من اربعة عشر عاما استشهد فرج فودة في مصر، قتله متطرفون اسلاميون بالتواطئ مع التيارات الدينية المتشددة لانهم عجزوا عن مجابهته بالحجة والرد على آراءه بالعقل ومقالاته وكتاباته الجريئة بالحوار. عرت كتاباته زيف الشعارات المتسترة بالدين، التي كانت تضحك على عقل الانسان وترى فيه حاجة فائضة ، وفي الحياة عبء ثقيل ومكروه. تصدى فودة في الكثير من المقالات والكتب التي نشرها لتفنيد الخزعبلات التي كان ينشرها هؤلاء على المنابر والمنشورات والمطبوعات بما تنطوي عليه من دعوات ظلامية لهجرة الحياة وتغييب العقل واشاعة الخرافة وتثبيط الهمم بالاعتماد المطلق على الغيب تسترا باسم الدين واستغلالا بشعًا لأسم الله الجميل.
الاسباب التي دعت فرج فودة للوقوف بشجاعة ضد قوى الظلام والردة وقتل الحياة، موجودة كلها في عراق اليوم.
انكشاف الساحة على هذه السعة واستغلال هذه الفوضى والانفلات الواسع، بما فيه تردي الحال الاقتصادي واستخدام العنف المسلح مقابل ضعف القانون المريع وهشاشة الدولة ومؤسساتها كل هذا سمح بصعود قوى اصولية مختلفة لا ترى من فوائد هذا التحول الذي ترقبناه بصبر طويل وتأملنا خيرا فيه، الا فرصة في العودة للماضي السحيق بدون النظر للمستقبل.
لا مدينة في هذا العراق العجيب اليوم تخلو من سطوة التشدد الديني وقيادة الناس بقوته بما في ذلك تعطيل كثير من تقاليدهم الاجتماعية والمدنية التسامحية التي اعتادوها منذ عقود طويلة.
الكل يقول كلمته في هذا العراق اليوم، بطريقته الخاصة السياسي ورجل الدين والمسلح الارهابي وزعيم العصابة، الا الانسان، الانسان الهائل الصامت حتى الان والطيب، الانسان المغلوب والغالب، هذا المنتشر في كل شيء حي حتى وان بوجع تظلله البيوت بقلق وصبر لا تطيقه حتى الجبال.
الانسان الذي يعرف ان لا احدا يحميه ، لا قانون لانه كلمات، ولا دستور لا نه ورقة بيضاء لا تضر ولا تنفع حتى الساعة..
لا فرق في الامر بين مدينة ومدينة في العراق كله، فالذي يفتي بحرمة قيادة المرأة لسيارتها ويمنع المرء من ارتداء بنطلون الجنيز ، هو نفسه الذي يقتلك لمجرد انك تختلف معه في الرأي.
والذي يفجر بعبوة ناسفة محلا لتسجيلات الاغاني هو نفسه الذي يحرم تناول (السلاطة) لانها ناتج اتحاد (جنسي) بين الخيار والطماطم.
والذي يشيع اليوم في الثقافة الادب نمطا طائفيا تقليديا كلاسيكيا رجعيا هو نفسه الذي تستفزه محلات حلاقة النساء مفتوحة، تلك التي انقرضت الان تماما..
واذا كان لا خوف على مصر يوم اغتيل فرج فودة لقوة الدولة المدنية فيها واصالة مؤسساتها وسطوة نخبها المثقفة وتياراتها الواعية الراسخة.
فان الخوف كبير على عراق اليوم الهش الذي يحلق كالماسة في فضاء معقد وشائك مليء بتراكمات الجهل والخوف والحاجة.. فكروا بالانسان الكثير والكبير والاعظم صورة الله في الارض وخافوا لو انقلب.
****
هامش
سئل قاتل فرج فودة اثناء محاكمته
ـــ لماذا اغتلت فرج فودة ؟
ـــ لانه كافر.
ـــ ومن أي من كتبه عرفت انه كافر ؟
ــ انا لم أقرا كتبه.
ـــ كيف ؟
ـــ انا لا أقرا ولا اكتب !!