مانو خليل : الســـــينما الكرديــــة مرتبطــــة بحريــــة الشـــ
التاريخ: Thursday, November 15
الموضوع: ثقافة وفن


جنور محمد
 
مخرج كردي شاب، من أكراد سوريا، ومن مواليد العام 1964. درس التاريخ والحقوق في جامعة سوريا وتخرج في العام 1986 حيث انتقل الى تشيكوسلوفاكيا ودرس الاخراج السينمائي، وكان تركيز دراسته على الأفلام الروائية.
مانو مقيم منذ العام 1996 في سويسرا، وأخرج حتى الآن 14 فيلماً، كان آخرها فيلمي الأنفال (2005) ودايفيد توليهلدان (2006). يحرص دائماً أن تكون أفلامه تحمل قضية ورسالة، وعمقاً واقعياً. يحمل قضية شعبه وهويته، القضية الكردية أينما ذهب.


*في احدى مقابلاتك الصحفية، ذكرت بأنك لا تعمل في أفلامك على اظهار الكرد كبسطاء سذج، ولكن مرة اخرى أشرت الى أنك تظهر في أفلامك دهاء وحيل الاعداء، ايضا مقابل رضوخ الكرد، هل ان هذا الموقف الاخير يدل على شيء ما؟
- مع ان الشعب الكردي في الاجزاء الاربعة من وطنه التاريخي كردستان، يعيش حالة منفردة من الظلم قلما عانى منها شعب اخر، فقد حاول الاتراك والفرس والعرب ولا يزالون الى اليوم  طمس ومحو شخصية الانسان الكردي، نسيانه لغته وتاريخه، وثقافته وجغرافيته، ولكنهم فشلوا في ذلك، لان الشعب الكردي على عكس الشعوب التي تستعمر لا يزال يملك ويحافظ على اثمن ما في الوجود الا وهو الانسانية وحبه الحياة. برغم العنف الذي يمارسه الآخرون ضد الكردي، يبقى الكردي انسانأ يعشق الحياة ليس فقط عندما يكون ضعيفا ولكن حتى في اوج قوته ومقدرته ايضأ. التسامح والعفو حليب يرضعه الكردي منذ الولادة. فسأذكر مثالا، قبل ان يذهب خيال البعض بعيدا وينعتني بالعنصريه، كلنا نعرف مدى الارهاب والعنف والاجرام الذي مارسه البعثيون والصداميون ومخابراتهم  في حق شعبنا في كردستان الجنوبية، مع كل ذلك الاجرام والقهر وبمجرد ان حرر البيشمركه كردستان والقي القبض على الالاف من رعاع صدام وجيشه ومخابراته، أنظر كيف تعامل الكرد معهم؟ طبعا بكل حب وتسامح وانسانية، لم تحصل مجازر، ولم تنحر رؤوس وتصور بكاميرات ولم يحرق اناس احياء وتعلق اجسادهم بأعمدة الكهرباء  كما يفعل الاخرون بأعدائهم، بل والكل يعلم ان الشعب الكردي ساعد هؤلاء الجنود والبعثيين و”كان بينهم عتاة المجرمين”  للعودة الى ديارهم واهلهم ولم يصب اي احد منهم باي اذى... (بالتأكيد هنا لا ابحث عن المسألة القانونية في ذلك ولكني بصدد الهاجس الانساني)... والى اليوم هكذا هو الكردي، متسامح، غيور، محب للخير، انساني، يعشق الحياة ويحترم الانسانية، ولكن ما يحصل ان اعداء الكرد اظهروا ولا يزالون بشتى الوسائل الاعلامية والدعائية الكردي للعالم بصورة مغايرة جدا.
اليوم وبعد ان انفتح العالم على مصراعيه من خلال الاعلام بقيت مهمة الكردي اعلاميا وفنيا وسياسيا ان يظهر للعالم بان الكرد ليسوا بأقل انسانية من الآخرين. علينا بشتى الوسائل اثبات تحضرنا وامكانيتنا لقيادة وطن حر ومستقل، وكسر تلك الصورة السيئة عنا، بدل هذا يأتي البعض عن قصد ام عن غباء ليوقع باصابعه العشر مظهرا الكردي في اسوأ صورة ممكنة. لماذا يشارك الفنان الكردي في اثبات هذه الصورة؟ اصبح من الصعب اظهار الكرد على صورة اخرى مخالفة لتلك الصورة التي تولدت في مخيلة البعض، فتراهم لا يريدون لاحد من “تكذيب “ تلك الصورة السلبية التي استقرت في راسه، وعندما تحاول اثبات العكس، تراه وكأنه مخدوع من حقيقتك.
 
* ارى في بيتك، كردستان الموحدة، بعكس منظورك الخاص، بان امك من كردستان الشمالية، وابوك من كردستان الجنوبية، وانت في كردستان الشرقية، هل هذا هو الذي حفزك الى العمل لإظهار المسألة الكردية في افلامك، عموما في جميع اجزائها؟.
- تقسيم كردستان، هي وبرغم عموميتها حالة جد خاصة في حياتي كإنسان فوالدتي من منطقة ماردين في كردستان الشمالية ووالدي من الجزء الغربي من كردستان، خط الحدود والاسلاك الشائكه بقيت ولا تزال تجرح ارواحنا، والدتي بالرغم من انها كانت على بعد كيلومترات قليلة من منزل عائلتها، فلم تتسن لها يوما زيارة اهلها، كانت تلك الاسلاك الشائكة تدمي قلبها كل يوم، توفيت والدتي وتركتنا بقلوب مدمية ونحن نلتقي بأحبائنا واهلنا على خط الحدود الذي فصل العائلة الواحدة عن الاخرى، لنتصافح من خلال الاسلاك الشائكة، اتذكر اول لقاء لي وانا طفل مع خالي وخالاتي كان عبر الاسلاك الشائكة، التي لاتزال تجز قلوب الكرد في خط حدودي رسمه “افاقون سابقا” ليعلن “قوادون” لاحقا ان حدودهم هو الحد الذي رسمه الافاقون ...
منذ دخولي كلية السينما كان الهم الكردي هما واحدا، متكاملا، لا مجزءا في افلامي الاكاديمية، فقتل الكرد في ديار بكر وقتل الكرد في مهاباد وسليماني ودهوك وقامشلو كان له نفس الوقع ونفس الالم عندي، منذ الفيلم الاول القصير والذي حصل على جائزة المشاهدين في مهرجان افلام الطلبه في براغ التشيكية كان موضوع كردستان “برغم ملاحقة رجالات سفارات البعث السوري واتحاداته الطلابية” همي الاوحد والوحيد، بعد ذلك بسنوات وعند عودتي لزيارة اهلي  سجنت في سوريا البعثية، لانني حينها ذكرت في مقابلة لمجلة تشيكوسلوفاكية انني كردي..اعيش الحرمان بسبب كردستانيتي، اعيش المهجر بسبب كردستانيتي، لم ازر عائلتي منذ 16 سنة، بسبب كردستانيتي، فهل بقي لي شيء اخر غير السلاح الانجح في محاربة من يمنعون عني ممارسة انسانيتي ان اجابههم بحقيقة انني كردي وان وطني هو كردستان وان للكردي مكانا تحت الشمس، ولوقامت القيامة..
 هناك حقيقة، انا لم ادرس السينما بالوراثة، التحقت بالسينما وانا كنت بالغا، في نهاية السبعينيات انهيت الثانوية وكان امامي حينها خيارات قليلة اما الدراسة في معاهد البعثيين السوريين وخدمة الجيش السوري او الالتحاق بالمقاتلين الكرد في الجبال، ولكنني كنت احب السينما وجاءت الفكرة بعد نجاحات سينما يلماز غوني وجدت ان لدي امكانية التجنيد (ان اصبح مجندا) في خدمة شعبي من خلال السينما، ودراسة السينما كان الاختيار الانجح من ان احمل السلاح. بالمناسبه، مرات عديدة ومن خلال حملي للكاميرا في كردستان كنت احس بنفسي وكأنني احمل بندقية و احارب من اجل حريتي، ليس فقط عندما صورت فيلمي (هناك حيث ينام الله) على الحدود الفاصلة لكردستان الغربية عن الشمالية، وايضا من خلال فيلم (الانفال، بأسم الله، البعث وصدام) وتكرر نفس الحال عندما كنت بين مقاتلي الشعب الكردي وانا اصور فيلمي (دافيد تولهيلدان) لاقف في لحظة وجها لوجه مع طائرات الكوبرا، هي بصواريخها وانا بكاميرتي.. منذ مدة طويلة و انا احاول تصوير فيلم روائي عن الهم الكردستاني الاوحد، الا وهو التقسيم، ولكنني مع الاسف لم اجد الى الان من يمول الفيلم. كنت امل ان تساعدني حكومة كردستان في الانتاج، لانها في الاونة الاخيرة ساعدت كل السينمائيين، فقدمت السيناريو لمؤسسة السينما في وزارة الثقافة، التي (على اساس) قبلت المشروع  ولكن ومع الاسف ومنذ سنتين لم يرد علي احد و لهذا اضطررت لنسيان موضوع مساعدة حكومة كردستان.. هذا هو حظي.. ولكنني وكعادتي سأحاول بوسائلي الخاصة ومحطات التلفزة الاوروبية من انهاء المشروع، وقريبا سأبدأ بالعمل في هذا الفيلم..
 
* كونك كرديا، كيف تتعامل مع القضية الكردية في افلامك، كيف تعبر عن مشكلة كونك كرديا، كمخرج أساساً؟.
- اعود واقول انه وبسبب كرديتي ابتعدت عن وطني وعائلتي وشعبي، الطغاة الذين يتحكمون بمصائر شعبنا يسوؤهم اي صوت ينادي بحرية الكرد وكردستان... انا كمثقف تهمني مسألة حرية الكرد بالدرجة الاولى، الاقي صعوبات كثيرة في العمل، انني اتعذب الى ان احصل على تمويل لافلامي، قضية حرية الكرد لا تعني الكثير للاوروبيين الذين لهم علاقات تجارية قوية مع الدول التي تستعمر كردستان والدم الكردي ارخص بكثير من الدولار والنفط.. انا لا اتنازل عن مبادئي ككردي، هم يريدونني ان اظهر الكردي كلوحة للفرجة، ان اظهر الكرد في اعمالي السينمائية كعالة تسترجو وتستعطف ادراج كنائسهم وانا لا افعل ذلك...انا اتحدث معهم بعنفوان واقول على رغم اغتراب الكردي، وعلى رغم الظلم الاجتماعي والسياسي الذي يعاني منه الشعب الكردي، فليس هناك اي اختلاف في الفكر والاحساس والتعامل الخلقي بين الكرد واحضر الشعوب في العالم.
نعم انني اعتبر نفسي في كل اعمالي السينمائية “كسفير كردستان” في العالم، وهذا لا يعجب الكثيرين.. انهم يريدونني ان استعطف واستدر دموعهم على حالي المزري والمؤسف، ولكنني لا اقبل هذا، لانني احاول وضع اصبعي على موضع العلل و الداء...
لهذا تحارب اعمالي من قبل الطغاة، قبل اشهر تدخلت حكومة العسكر الاتراك عند حكومة الامارات لسحب فيلمي من مهرجان الامارات السينمائي، مع انني كنت مدعوا رسميا الى الامارات.فمنع الفيلم من العرض ساعات قبل بدئه، لماذأ؟ بالتأكيد لانني لسان حال شعبي وامتي. لان فيلمي يفضح ارهابهم وهمجيتهم. وانا متأكد بل على يقين انه لن يعرض الاتراك افلامي في مهرجان اسطنبول السينمائي، وبالتأكيد لن يعرض البعثيون السوريون افلامي في مهرجان دمشق السينمائي وهذا شرف لي، واذ جاء يوم وقبلت افلامي في مهرجانات الانظمة التي تقتل الكردي على الهوية، فحينها يجب علي مراجعة اخلاقي، اقول اخلاقي، لانني اعتبر العمل السينمائي ممارسة اخلاقية.
 
* هل يمكن للمخرج ان تظهر في فيلمه كل المسائل المعقدة الخاصة بالكرد؟
- الفن السينمائي على عكس كل الفنون الاخرى سهل وممتع وعميق المعاني وفيه بحور من الامكانيات التعبيرية التي لو اجاد السينمائي استغلالها لوصل الى الكمال، التحدث عن مصائب الشعب الكردي والغبن التاريخي الذي اصابه لا يعني البكاء والاسترحام امام الكاميرا والقاء الاطفال الرضع في احواض آسنة وفي الثلج محاولة استعطاف المشاهد وسكب دموعه، السينما عمل للكبار، اجاد العظماء امثال فيديريكو فيلليني والاخوة تافياني وتاركوفسكي وبيرغمان من سبر الروح البشرية واللجوء الى داخل الاحساس البشري من خلال التمثيل الرائع للممثلين والاخراج والحوار الممتع والصورة الذكية، السينما الواعية لغة الكبار، الاطفال والحمقى قد يصورون افلاما ولكنهم لا يصنعون السينما.. والسينما ككل الفنون لها قوة هدم وقوة بناء، مثال على ذلك، اخرجت الالمانية “ ليا ريفلشتاين”  فيلما رائعأ من الناحية السينمائية دعائي عن النازية وعن هتلر ولكن هذا الفيلم لن يعرض ابدا بسبب قوته في الدعاية السلبية، له قوة هدم عنصرية، وهكذا يمكن للسينمائي ان يستعمل وجهي العملة ولكن عندنا نحن الكرد اصبحت في الفترة الاخيرة عند البعض ممن امتهن السينما موضة اظهار مأساة الكردي من خلال افلام تستعطف الدموع وتظهر الكردي متخلفا، همجيا، لم يرن من الحضارة الانسانية بشيء، وكأنهم بهذا يساعدون في الكشف عن الظلم الذي يعاني منه الكرد، هناك خطأ في الطرح الدرامي، مما ينعكس سلبيا على قضية الشعب الكردي في التحرر والاستقلال. المشكلة الاساسية هي في الوعي السينمائي، نحن بحاجة الى سينمائيين اكاديميين، درسوا السينما في معاهد عالمية، لهم اطلاع واسع على سينما العالم واحواله، يحضرون المهرجانات، يكتبون مئات السيناريوهات، يقرأون الاف الكتب، يفهمون الايقاع السينمائي والمونتاج ولهم معرفة كافية بتاريخ السينما والمسرح والتمثيل والموسيقى، يعرفون ماهية الدراما والطرح والحلول الفنية للعمل ومفاتيح شد وربط عناصر التوليف السينمائي، مع الاسف في وطننا لا توجد هذه الامكانيات واذ وجدت قليلا فليس هناك اي اهتمام. في اوروبا يعمل البعض سنوات في مساعدة الاخراج ليتمكن من اخراج فيلم قصير ليتمكن من التقدم الى كلية السينما، عندنا من يصور حفلة عرس يصبح بعد يومين مخرجا، وكاتبا للسيناريو، ومنتجا ويريد الذهاب في اقرب فرصة للمشاركة في مهرجان كان، واذ سألتيه اين تقع مدينة كان، فسيقول في امريكا...
 
* ماهو رأيكم بالسينما الكردية، والأفلام الكردية حتى الان؟ هل هناك شي يمكن تسميته مع المشاهدين، وخاصة ان اكثر مشاهدي افلامك هم من غير الكرد؟
- السينما ليست سلعة او طريقة طبخ، السينما لغة فنية، وطريقة في التعبير الفني السامي، نقول سينما ايطالية، لان هناك من العظماء من اوجد طريقة في التعبير السينمائي لم تكن موجودة في السابق دي سيكا، الاخوة تافياني، فلييني، روسيليني، باسوليني، نقول ايضا سينما فرنسية لانها طورت واوجدت شكلا معينا من التعبير الفني، في بدايتها باعمال سوريالية ودادائية من رينيه كلير وبونويل والاخرين ومرورا بالموجة الفرنسية الجديدة على يد فرانسوا تروفو، والسويسري غودارد واخرين. ونقول سينما سويدية لان انغمار بيرغمان فتح شباكا للتذاكر في السماء السابعة وهكذا نقول سينما امريكية وروسية. الشعب الكردي شعب مستعمر، يمنع عليه ممارسة حقوقه الانسانية، لاتوجد صالة عرض واحدة في طول كردستان وعرضها. السينما الكردية مرتبطة بلا شك بحرية الشعب الكردي، متى تحرر الشعب الكردي وبنيت المسارح ودور العرض واصبح هناك تنافس سينمائي ونقد سينمائي كردي واوجد “السينمائيون” الكرد لغة فنية خاصة بهم، واوجدوا لغة سينمائية مميزة، عندها ليست الحاجة عن السؤال هل هناك سينما كردية، اما ان يقوم احدنا بصنع فيلم بمساعدة مصور ايراني ومهندس صوت تركي ومنتج امريكي او سويسري او فرنسي وبالكاد يعرف الفرق بين الكاميرا 16 ملم والكاميرا 35 ملم، فكيف نقول انها سينما كردية، اما ان يحصل احد منا على جائزة ما في احد المهرجانات، فهذا لا يعني ان السينما الكردية قد ولدت...
انا ليبرالي لدرجة كبيرة، ولكن هناك مبادىء عندي ككردي وسينمائي كردي لا يمكنني التنازل والاستخفاف بها ما حييت، والسبب واحد وهو انني اعتبر السينما عمل اخلاقي بحت، وبممارستي للعمل السينمائي فانني امارس الاخلاق التي تمنعني من التفريط بمبادئي ككردي يعشق الحرية قبل كل شيء. انني اعمل في التلفزيون السويسري، اعد برنامجا تلفزيونيا اسبوعيا، اصور مئات الدعايات والاعلانات التجارية لاتمكن من ان اكون مستقلا في ما يخص العيش وظروفه واحافظ على استقلالي فنيا في ذلك، لن ابيع داري لاصنع فيلما، ولن امنع اخوتي من لقمة طعام لاجمع الاموال واصنع فيلما’ اعمل ومن خلال عملي اكون حرا ومستقلا ماديا واستطيع تحقيق ما اصبو له. لهذا تراني اصور افلاما دعائية لكوكا كولا التي لا اشربها، او اصور شريطا دعائيا لسيارات الفيراري التي لا اقودها، ولكن بمجرد ان تكون المسألة السينما، فانني اعد للعشرة وللالف قبل البدء في العمل، ان تحافظ على مبادئك وتقنع الاخرين لتمويل تلك المبادئ سينمائيا ليست حالة عادية، هذا هو حالي وانا سعيد بالقليل الذي اقوم به ولكنني اجده مهما جدا في مسيرة حريتي كفرد والمرتبطة بحرية شعبي كأمة. انا لست بحاجة لوصايا الاخرين، وبمجرد حصول ضغط علي لتغيير مسار عملي الى جهه ما، فأنني اوقف العمل نهائيا، وحصل معي عدة مرات، بانني انسحبت من مشاريع كبيرة، لانني وجدت ان التدخل الخارجي يؤثر في فكري السينمائي ومعتقدي الاخلاقي، لاورد لكم مثالا، منذ ست سنوات حصلت على جائزة اتحاد الكتاب السويسريين في مهرجان لوكارنو السينمائي على سيناريو فيلم “كالا” وقد وجدت بعد ذلك  ممولا للفيلم، ولكن بعد المناقشات والاخذ و الرد، وجدته يطلب مني تغيير مسار السيناريو الى فيلم “ سياحي” عن كردستان والكرد، على شاكلة افلام الاكشن الامريكية الرخيصة، فأنسحبت من المشروع ولم اوافق على تغيير اي جزء من السيناريو، وبالاخص الاشياء التي تمس حقيقتي وواقعي ككردي وفنان.
 
* لماذا يعرف مانو خليل، اكثر بفيلمه -دايفيد تولهلدان- ماهو الشي الذي جذب نظر المتلقي في هذا الفيلم؟
- العمل في السينما لدي هي مسألة روحية، البحث عن الحرية، اينما كانت، الحرية للكردي لا تعني اضطهاد الغير، عند دراستي للسينما في تشيكوسلوفاكيا وبعد انهاء الاكاديمية عملت في التلفزيون التشيكوسلوفاكي وصورت هناك مجموعة من الافلام التي وان تحدثت عن اناس بعيدين عن الواقع الكردستاني، فان مصائرهم واهدافهم الحياتية لم تكن تختلف عن تلك التي لدي، مسألة الحرية يمكن معالجتها بطرق شتى، الحريه هي هي، اينما كانت، لونها واحد وطعمها واحد وشكلها ايضا واحد، وللسينما ميزة انها تعطي السينمائي فرصة التعبير رمزيا وبطرق ذكية عن ما يدور في خلد الفنان، عندما صور اندريه تاركوفسكي افلامه في السويد وباللغة السويدية مع ممثلين سويديين، هو لم يصنع افلاما سويدية حينها، لان المه وامله كان روسيا، وافلامة كانت تنطق الروسية شئنا ام ابينا. علاقتي ممتازة مع الذين عملت معهم في اوروبا، هم اناس حرفيين، يفهمون العمل ومسؤولية العمل...
 
*لماذا اخرجت فلما حول (الانفال)، باللغة العربية، ماذا كان غرضك في هذا العمل، هل تستطيع ان تتحدث حول هذا؟
- لا ادري، قد تكون قصة دافيد تولهيلدان هي التي تؤثر في الناس، لانني اخترت قصة من صميم الوجع الكردي حاليا و تحدثت عن موضوع حاول الكثر اخفائه تحت البساط.. انا لم اتغير، انهيت اكاديمية السينما قبل 14 سنة و انا لا ازال انا...
 
*لماذا اخترت ممثلا اوروبيا لبطولة فيلم -دايفيد تولهلدان- ماهو تأثير ذلك على الفيلم؟
- ان اختياري للوقت وللحالة في قصة “دافيد تولهيلدان” هو الذي اعطي الفيلم قوته، بطبيعة الحال، الفيلم صور بطريقة حرفية بحتة، وعمليات المونتاج و المكساج جرت في معامل حرفية و عالية الجودة، كل هذا اعطى الفيلم قوته، ولهذا نرى تهافت المهرجانات عليه، لقد عرض الى الان في اكثر من عشرة مهرجانات عالمية وعرض في التلفزيون والسينما في عموم سويسرا وقريبا سيعرض على ثلاث محطات تلفزيونية عالمية. اختياري للموضوع رغم حساسيته كان النجاح منذ البداية، لان قصة شاب سويسري من عائلة مرموقة، ابن رئيس محكمة سويسرا الفيدرالية وعضو في محكمة العمل الدولية يترك جنة سويسرا خلفه ليذهب الى جبال كردستان وينذر روحه فداء على قربان حرية الكرد، مسألة لا تحصل كل يوم.. ومعرفة سبب ترك هذا الانسان الواعي والمثقف حياة الترف السويسرية ليعيش جنبا الى جنب الالاف من المقاتلين والمقاتلات الكرد في جبال كردستان مسألة شيقة، والاهم هو حقيقة انني في هذا الفيلم احضرت شاهدا من غير الكرد ليثبت للاخرين بأن الكرد ليسوا بالهمج والمتخلفين الذين لامكان لهم تحت الشمس، بل العكس، هناك اناس يتركون بلدانهم المتحررة ويختارون العيش مع الكرد لانهم يجدون عند الكرد ما ينقصهم في بلدانهم، الا وهو الحب والصداقة والاخلاص والانسانية البسيطة والجميلة.
 
*وماذا عن فيلمك الآخر؟
- فيلم “الانفال، بسم الله البعث وصدام” سميته بهذة التسمية العربية، لسبب واحد ووحيد، لان لهذا البعض الذي قام بالفعلة محسوب على العرب هم من قاموا بالانفال، قد نسميهم البعثيين، او الصداميين، او النازيين الجدد، ولكن هذه الحقيقة  انهم من العرب من قام بالجريمة، الجندي العربي، الضابط العربي، الجنرال العربي، الفكر العربي وكل هذا مستند على فكر شوفيني بغيض استغل احدى سور القران “ الانفال” ليقوم بالجريمة.
فيلم الانفال فيلم كردي بحت، حوار الفيلم هو بالكردي حصرا، الناس الذين عانوا الموت والقتل يتحدثون عن الامهم باللغة الكردية، الناس الذين نجوا بطرق عجيبة من عمليات اعدام جماعية ومنهم “قهار خليل وكريم نايف” الذين نجوا من الموت لانهم سقطوا تحت جثث، والذين لاحقا وبعد سنتين من الانتهاء من الفيلم، قدموا شهاداتهم ضد الطاغية البعثي صدام في محكمة الانفال. وفي فيلمي هذا ولاول مرة نوقشت مسألة الفتيات الكرديات اللواتي ارسلن كنساء سبي الى مراقص وملاهي “اخوة البعثيين العرب” في مصر، ولاول مرة يعبر اهالي الفتيات  عن تلك الحقيقة والواقع. فيلم الانفال وثيقة تاريخية عن ارهاب دولة منظم ضد شعب اعزل. فيلم الانفال صوت كردي يطالب العرب من محيطهم الى خليجهم بالاعتذار من الكرد، لان العرب كلهم شهود في وليمة قتل الكردي، كلهم تضامنوا حينها مع صدامهم، واياديهم كلهم ملطخة بدم الاطفال الكرد.
 هذا الفيلم الذي صور للتلفزيون السويسري وعرض عدة مرات في التلفزيون وعرض في تلفزيونات الدول الاسكندنافية، عبر محطه ت ف 8 الواسعة الانتشار في السويد والنرويج ودانمارك، نجح في ايصال الصوت الكردي الى العالم، انه صوت ضحايا الانفال، يتحدث بالتفصيل الممل عن مجريات عمليات القتل البعثية ضد الشعب الكردي في كرستان الجنوبية، الاوروبيون سمعوا بحلبجه ولكن بقيت الانفال غير معروفة واعتقد بعرض الفيلم في التلفزة الاوروبية شاهده الملايين، وهذا نجاح .
في عام 1992 بعد عدة سنوات من الدراسة في تشيكوسلوفاكيا، عدت الى وطني، الى مدينتي قامشلو التي تركتها قبل سنوات عديدة، وكانت المفاجئة كبيرة بالنسبة لي، سجنت في سجون البعث السوري لانني كنت قد ذكرت في مقابلة في احدى الجرائد انني كردي، والدتي التي كنت احبها لدرجة لا تصور قد ماتت ومات معها حلم زيارة اهلها في الجزء الاخر من الحدود وحلم مشاهدتي مرة اخرى، ولم اشاهدها، ووجدت ان مدينتي قامشلو قد اصبحت كسجن كبير، مليء بالمرتزقة من بعثيين ورجالات امن يتدخلون حتى في احلام الناس، ووجدت ان مدينتي الجميلة قامشلو اصبحت تعج بالمستعمرين العرب الذين احضرهم النظام البعثي السوري لتغيير ديموغرافية المدينة الكردية ووجدت انني في وطني مجبر على التخفي وانا اصور فيلم عن واقع شعبي، حينها كنت حزينا، قلت في نفسي لو كان هناك عدالة سماوية لمنعت ما يحصل، ولكن في حالتنا كأكراد تحت حكم البعث السوري فمن المؤكد ان الالهة قد نامت وتركت مصيرنا بيد البعثيين السوريين اخوة البعث العراقي المقبور، وعند عودتي الى تشيكوسلوفاكيا وبعد ان تمكنت من تهريب نيكاتيف الفيلم من سوريا الى اوروبا، كنت في غرفة المونتاج وسألني صديقي الذي كان يقوم بعمليات المونتاج “ بيتر كورداج” لا ازال اتذكر اسمه، بعدما اساءته واحزنته كل تلك المشاهد و الممارسات التي يمارسها النظام البعثي السوري ضد الشعب الكردي فسألني متهكما: اليس هذا حرام في العرف الاسلامي، اين الله اذا؟ حينها لم اجد حلا اخر سوى تسمية فيلمي ذاك “هناك حيث ينام الله”. وبمناسبة ذكر ذاك الفيلم، هو اول فيلم كردي صور في كردستان بجهود واموال كردية وباللغة الكردية وبمجموعة عمل كردية وصور على السلولويد “ النيكاتيف” السينمائي.






أتى هذا الخبر من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.com

عنوان الرابط لهذا الخبر هو:
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=31769