أكراد عفرين يستنجدون بالأسد والجيش السوري.. هل يغيثهم؟

العالم – مقالات وتحليلات

البَيان نفسه أكَّد “أن مُقاطعة عِفرين هي جُزء لا يَتجزّأ من سورية، والآن تتعرّض هذهِ المُقاطعة إلى عُدوانٍ غاشِم، الأمر الذي يُهدِّد وِحدة أراضي سورية، وأرواح المَدنيين الذين يُقيمون في عِفرين.

هذه اللّغة الجديدة، وغَير المَألوفة، على أُذن الرئيس الأسد وأركان حُكومته، لم تَجد أي تَجاوب فِعلي سَريع من دِمشق، حتى كِتابة هذه السُّطور على الأقل، الأمر الذي أضاف بَعض المِصداقيّة إلى النظريّة التي تَقول أن الرئيس رجب طيب أردوغان لم يُقدِم على اقتحام مدينة عفرين إلا بعد أخذ الضوء الأخضر من روسيا، و”عَدم مُمانعة” كل مِن إيران والحُكومة السوريّة.

حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي الذي يُسيطِر على مَدينتي عِفرين ومنبج وريفهما من خِلال وَحدات حِماية الشعب، ذِراعه العَسكري، تَصرف طِوال السنوات السِّت الماضية باستقلاليّة عن دِمشق، ولم يَعترفْ مُطلقًا بالسِّيادة السوريّة على المَدينتين ومناطِق أُخرى في شَمال سورية، والأكثر من ذلك أنّه رفض اقتراحًا روسيًّا بدُخول قوّات الجيش السوري إلى المَدينتين لمَنع أيِّ هُجومٍ تُركي، وفَضّل الرِّهان على الحَليف الأمريكي.

***

القادِمون من شمال غرب سورية يَشتكون مُرْ الشَّكوى من الأشقاء الأكراد في عفرين، ويُؤكّدون أنّهم لا يَسمحون للسوريين العَرب بالدُّخول إلى المِنطقة إلا بتصريحٍ مُسبق وتأمين الكَفيل، ومُقابل رسوم مُرتفعة، وأحد أبناء المِنطقة أكّد أن المجلس التنفيذي لمُقاطعة عِفرين يَملُك من الاحتياطات الماليّة بالعُملات الصّعبة أكثر ممّا هو مَوجود في الخزينة السوريّة، بِفَضل ثَروات المُقاطعة والرّسوم التي يَفرضها على الشّاحنات وغَيرها.

الحُكومة السوريّة عامَلت الأكراد المُقيمين على أرضِها مُعاملةً لم يَحظَ بِها نُظراؤهم في الأقطار الأُخرى المُجاورة، ففي غُضون أسابيع مَعدودة جنّست أكثر من 300 ألف مِنهم قَبل الأزمة وأثنائها، لَجأوا إلى الأراضي السوريّة هَربًا من تركيا، وبَحثًا عن حياةٍ كَريمة بعيدًا عن الضُّغوط والمخاطِر العِرقيّة والطائفيّة، ومع ذلك جاءت المُكافأة طَعنةً في الظّهر، والانخراط في مَشاريع التقسيم الأمريكيّة، حسب وِجْهة نَظر الكثير من المَسؤولين في الحُكومةِ السوريّة.

لا نَعرفْ ما هِي تفاصيل الخُطّة المُتّفق عليها بين سورية وتركيا وإيران، بِرعايةٍ روسيّة تُجاه مُقاطعة عِفرين، ولِمَن ستكون السِّيادة على المِنطقة الآمنة التي تُريد تركيا إقامتها بِعُمق 30 كيلومترًا في عِفرين، وبِما يَحمي الحُدود التركيّة.

الرئيس رجب طيب أردوغان الذي شاهَدناه بالمَلابس العَسكريّة لأوّل مرّة مُنذ 14 عامًا، يَتفقّد قوّاته على جانِب الحُدود، قال أنّه يُريد سَحق الإرهاب، وإعادة تَوطين 3.5 مليون لاجئ سوري في المِنطقة الآمنة، وسيُسلّم إدارتها للجيش السوري الحر، وليس للجيش العربيّ السوريّ، مِثلما كان مُتوقّعًا بِالنَّظر إلى الاتفاق السِّرّي والتكهّنات حَوْله.

الجيش السوري الحُر ليس دولة، كما أنّه يتكوّن من عَشرات الفصائِل والوَحدات المُسلّحة المُعارضة للنّظام، وباتَ يتلقّى أوامِره وتعليماته من أنقرة، فهَل هذهِ الخُطوة قانونيّة، وهل يَستطيع هذا الجيش وَحده الصُّمود في وَجه الجيش السوري في حالِ تَقدّمه لاستعادة المُقاطعة، وحِماية هذا الكَيان المُقتَطع من الأرضْ السوريّة؟

سُؤالٌ افتراضيٌّ آخر لا بُدْ من طَرحِه، وهو حَول ما إذا كان الرئيس أردوغان يُريد إقامة كَيان بأكثريّة من المُهاجرين السوريين “العَرب” غالِبًا وبحِماية من الجَيش الحُر مثلاً وبِرعاية الجيش التركي؟ وبِما يَجعل الأكراد أقليّة الأقليّة، وكيف سَيكون الرّد الروسي والرّد السوري في هذهِ الحالة؟

صحافيّة تركيّة مَعروفة طَلبتْ عدم ذِكر اسمها أكّدت لنا وجود اتصالاتٍ سِريّة تركيّة سوريّة نَشِطة هذهِ الأيّام لتَنسيق المَواقِف تُجاه مِنطقتي عِفرين وإدلب، وقالت في اتّصالٍ مَعها وبالحَرف الواحِد، “أن الرئيس أردوغان سيُسلّم عِفرين بالكامِل بعد السّيطرة عليها إلى القوّات الروسيّة التي سَتقوم بدورِها بتسليمها إلى الحُكومة السوريّة، ممّا يَعني دُخول الجيش السوري إليها، وهذا ما يُفسِّر “فُتور” الرَّد السّوري الرّسمي على نِداءات الاستغاثة من قِبَل المَجلس التَّنفيذي الرِّئاسي الحاكِم في مُقاطعة عِفرين.

ما أغضبَ الرئيس أردوغان، حسب الكاتِبة والصحافيّة نفسها، وقوع نِسبة كبيرة من الأسلحة الحديثة الأمريكيّة التي أُرسلت إلى جيش سورية الديمقراطيّة في أيدي حِزب العُمّال الكُردستاني ومَخازنه الحَصينة في الجِبال، وهذا ما يُفسّر تَصريحات الرئيس التركي بأنّه سيَمضي قُدمًا في تَدخّله العَسكري حتى داخِل كُردستان العِراق، وبِما يُؤدّي إلى تَطهير “الكوريدور” على طُول الحُدود السوريّة التركيّة مِن “الإرهاب”.

مَرّة أُخرى نُؤكّد أن مُشكلة الأشقّاء الأكراد تَنحصر في ثِقتهم بأمريكا و"إسرائيل"، اللّتين تَستخدمهما كورقةٍ لتَصفية حِساباتهم مع الدُّول الإقليمية مثل تركيا وإيران وسورية والعِراق، فلو قَبِل الأكراد في عفرين ومنبج دُخول قوّات الجيش السوري إلى مناطِقهم، وليس القوّات الأمريكيّة (في منبج) ربّما لما تَعرّضوا لما يَتعرّضون إليه حاليًّا من هُجومٍ تُركيّ، ويُواجهونه وَحدهم دون أي دَعمٍ من أحد.

***

الرئيس أردوغان يُدرِك جيّدًا أن الانتخابات المُبكرة باتَت مُؤكّدة العام المُقبل، وأن أكبر مُشكلة تُواجهه وحِزبه هي وجود 3.5 مِليون لاجئ سوري، وحتى يتخلّص من هذهِ المُشكلة التي تُثير حساسيّة مُعظم الشّعب التُّركي لا بُدْ من إيجاد حُلول سَريعة لها حتى لا يَخسر هذهِ الانتخابات.

أمام الرئيس أردوغان حلّان لمُشكلة اللاجئين هذهِ، الأولى التّعجيل بِسُقوط النّظام وعَودة هؤلاء بصورة طبيعيّة إلى مُدنِهم وقُراهم، أو إعادة تَوطينهم في جُيوب آمنة داخِل سورية وعِفرين أحد الأمثلة.

سُقوط النِّظام في دِمشق باتَ عمليّةً مُستحيلةً في المُستقبل المَنظور، أمّا إعادة تَوطين هؤلاء داخِل سورية فلا يُمكن أن تتم إلا بمُوافقة الحُكومة والجيش السوري بطريقةٍ أو بأُخرى، وإلا غَرقْ تركيا في مِصيدة حَرب استنزاف قَدْ تَطول.

الصَّفقة لم تَعد عِفرين مُقابل إدلب، وإنّما إدلب وعِفرين معًا إلى حُضن السُّلطات السوريّة مُجدّدًا، مُقابل إعادة أكراد سورية إلى مَرحلة ما قَبل السَّنوات السَّبع الماضية، أي التّعايش في ظِل النِّظام القائِم، وتَخفيض سَقف تَوقّعاتِهم الانفصاليّة، تمامًا مِثلما حَدثْ في كردستان العِراق، والسيد وليد المعلم، شيخ الدبلوماسيّة السوريّة، لم يَنطقْ عن هوى عندما قال أن حُكومته لا تُمانِع في دَرس فِكرة مَنح الأكراد السّوريين الحُكم الذّاتي.. وبوتين أعلم.

عبد الباري عطوان – رأي اليوم

2-4