أهي الحرب، لماذا وكيف؟

العالم – مقالات وتحليلات

تحركت المخابرات التركية وكيان العدو والسعودية سريعا لإستغلال هذه “الهفوة” الخطيرة. إستخدمت المواد الكيماوية فعلاً في الغوطة، وأكتشف اوباما بأنه “خطه الأحمر” يتعرض لإمتحان جدي، وبدأ الحديث عن ضربة “تأديبية محدودة” لسوريا. زاره ديمبسي مجدداً حاملاً معه ملف يحتوي على موقف رئاسة أركان الجيوش الأميركية:(سيدي الرئيس، لا يمكن توجيه ضربة موجعة لسوريا عبر إستخدام طائرات “الدرونز”، سوريا ليست ليبيا وفيها شبكة دفاع جوي قوية… إن توجيه ضربة عبر صواريخ “توماهوك” يعتبر الخيار الأنسب….

لكننا بحاجة لوحدات “كوماندوز” على الأرض تمهد وتقيّم عمليات القصف الصاروخي، وإلى ثماني فرق عسكرية ننشرها في مسرح العمليات كي تكون هذه الضربة ناجحة ومضمونة العواقب… هناك إسرائيل والنفط وحلفائنا في السعودية والأردن والعراق… وقواعدنا في المنطقة). خرج ديمبسي من إجتماعه بأوباما وهو يشك بأنّه قد يمضي بخيار ضرب سوريا ليحقق رؤيته حول قوة أميركا وتفردها بإدارة العالم، وإرضاء حلفائه في “إسرائيل” والسعودية وتركيا وقطر… فقرر بعد التشاور مع جنرالاته وبعض المؤسسات أن تقوم المؤسسة العسكرية بتحقيق مستقل حول حادثة إستخدام الكيماوي في الغوطة، وكانت النتائج صادمة فعلاً، غاز السارين المستخدم لا يشبه مطلقاً مثيله السوري؛ بل هو مطابق لمواصفات غاز السارين الذي تنتجه تركيا، خصوصاً بعد مطابقتها مع عينات من الغاز التركي قدمها “شركاء” في مؤسستها العسكرية؟!!. وبدأ العمل على إثبات هذه الحقيقة، وتم التوصل إلى تسجيل صوتي لإجتماع يضم أردوغان وأغلو ومدير مخابراته “حقان فيدان” يقول فيه “فيدان”: بأننا سنساعد أوباما على خرق خطه الأحمر؟!!.

فشلت واشنطن في إيجاد ذريعة لضرب سوريا، وأضطرت لسحب سفنها من المتوسط بعد أن وصلتها رسالة هزّت أركان العالم الدبلوماسي البعيد عن الإعلام:”أي هجوم على سوريا سيكون بمثابة التوقيع على وفاة كيان العدو الإسرائيلي، وإشعال حقول النفط والعواصم الإقليمية المشاركة بالعدوان والميسرة له، وليكن الطوفان”… والمخرج:”تخلص سوريا من مخزونها الكيميائي”… لكن أوباما قال بالحرف:”إن ما يدفعنا للتريث بضرب سوريا: تأمين سلامة “إسرائيل” وتدفق النفط”. نُزع فتيل المواجهة الشاملة، وبقيت الغصة والحقد على بوتين والأسد تطارد أوباما… وتلك كانت مقدمة لهجوم أميركي برؤوس ثلاثة: خلق داعش وتوفير مستلزمات تفوقها لإجبار الأسد على التفاوض، والتسلل الأميركي إلى الأراضي العراقية والسورية تحت غطاء محاربة داعش، وإبتزاز بوتين وروسيا بأسرها بإفتعال أزمة كبرى في أوكرانيا عبر ثورة ملونة سبقت إنتخابات مقررة بعد ستة أشهر كان سيفوز بها المعارضون حسب إستطلاعات الرأي السائدة… لكنه إستعجال المهزوم، والقلق على المكانة ومستقبل الوجود، والساعي لمنع المزيد من الإنهيارات… ولنا مع هذه المقولة عودة وإستخدام.

* وسع الجرح، ودعه ينزف:

في ليلة ليلاء، نُقل ألآف الجنود الروس مع عتادهم ليسيطروا على أهم مفاصل جزيرة القرم، وخلال أسابيع قليلة تنظم الجزيرة إلى روسي الإتحادية، وأصبحت أوكرانيا عبء جديد يضاف لأحمال أوروبا وأميركا مع دور روسي حاكم في واقعها الإجتماعي والسياسي… في سوريا والعراق سُحقت داعش خلال أشهر وليس خلال عقدين من الزمن كما تمنت إدارة أوباما، ولم يستسلم الرئيس بشار حافظ الأسد ولم يفاوض واشنطن تحت ضغط الإرهاب الداعشي، وتعاظم حضور موسكو في سورية والإقليم بدلاً من إخراجها نهائياً منهما كما خططت واشنطن وأدواتها لإستكمال أحد أهم أهداف كامب ديفيد التي صاغها “هنري كيسنجر” وآخرون.

كانت المعركة ضد داعش معركة كبرى بحق، وسيكون الإنتصار عليها وعلى مشغليها الشرارة التي قد تشعل معركة القرن… تلك هي الخلاصة التي نستنتجها اليوم، وهناك العشرات من الشواهد تؤكد مصداقية هذه الخلاصة، ويكفي أن نتذكر حجم القوة الروسية في سوريا إبان عملية تطهير دير الزور والبوكمال: 48 ألف جندي روسي من مختلف القطاعات، عشرات القطع البحرية وبعضها نووي، للحراسة والدفاع الجوي والتنصت ومكافحة التجسس والقصف الصاروخي… وعشرات الطائرات النفاثة القاذفة والمطاردة والإعتراضية، ومروحيات حربية من مختلف الطرازات، وتسخير ربع الأسطول القاذف الإستراتيجي للمعركة، وتشكيلة واسعة من الصواريخ الإستراتيجية والتكتيكية وبعضها يستخدم للمرة الأولى في ميدان المعركة، مثل “إسكندر” و”توشكا”… وإشتراك الفريق “فاليري أسابوف” قائد الجيش الخامس بنفسه، في العمليات العسكرية حتى لحظة إستشهاده على ضفاف نهر الفرات بدير الزور… ليظهر الوجود الأميركي في سوريا نافراً شاذاً قبيحاً… ولا وصف منطقيّاً له إلا إحتلال، مأزق جديد لأميركا.

* كلما تحرك أكثر نزف أكثر:

أيّ شيء تبقى لأميركا وأدواتها في المنطقة بعد كل هذه الإخفاقات، وإنهيار مشاريعها لـ”هندسة” خرائط المنطقة الواحد تلو الآخر؟! لم يبقى إلا الخوف المتنامي، وإستعجال المهزوم، وحرق الأوراق المتسارع –شمال العراق ولبنان والأردن وفلسطين…- والقلق على المكانة ومستقبل الوجود… إنها مقولة أميركا على لسان أوباما:(تأمين سلامة “إسرائيل” وتدفق النفط).

مع إدارة ترامب، بدأت واشنطن بممارسة نهج أكثر سفوراً وعدوانية بتطبيق إستراتيجياتها في المنطقة: نهب علني وقح للأبقار النفطية الحلوبة، وربط “قواعدها” في سوريا بأهداف لا يمكن وضع حدّ لنهايتها… لكنّ أكثر الشواهد خطورة ودلالة على إستعجال أميركا وكيان العدو وأدواتهما في المنطقة كان الإعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، الذي كشف الأقنعة، وبعثر أوراق المنطقة جميعا… لماذا لم تهتم واشنطن والرياض وكيان العدو وحلفائهم من انظمة في منطقتنا، إلى أهميّة “تهيئة” شعوب المنطقة بمسار تفاوضي يؤدي الى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، تعطي سلطة اوسلو الفتات، وتمنح كيان العدو اتفاق يُدخله في جسد المنطقة، وموقع الصدارة الاقليمية بحلف تقوده أميركا ويضم دول “الإعتلال العربي” في وجه محور المقاومة وتطلعاته المستقبلية لتغيير الوضع الجيوسياسي للمنطقة؟!. أعتقد بإمكانية تفسير هذه الحالة “الإستثنائية” بنوعين من الدوافع؛ داخلية خاصة بواشنطن، وخارجية تتعلق بالإقليم ودوله، وهو ما سأشير إليه بثلاث نقاط فقط:

1- تزايد المخاطر التي تتهدد مجمل أنظمة “الإعتدال العربي”، والتي لطالما كانت ركائز واشنطن في تنفيذ سياساتها في المنطقة، ما قد يهدد بنيان المنطقة بأسره إن لم يتم تدارك الموقف بمشروع سياسي-عسكري-أمني-إقتصادي يمنحها “المشروعية” ويعطي شعوبها أملاً ولو زائفاً… وهو ذات السبب الذي دفع رعاة “الربيع العربي” لإطلاقه العام 2011 إستناداً لتوصيات “الحكماء المئة”، ليكون “الحراك” مضبوط غربياً بدلاً من ثورات شعبية لا تُعلم نتائجها.

2-في خضم الضعف الأميركي المستمر والمتنامي، فَشِلَ ترامب في إحتواء الصين وتطويع روسيا وإخضاع ألمانيا… فقرر تسوية أهم صراعات البشرية المعاصرة في أخطر منصة جغرافية بالعالم بإسلوب الصدمة والمباغتة، وإذا ما نجح “بحلحلته” ضمّ هذه المنصة نهائياً للمجال الحيوي الأميركي؛ فيوجه ضربة إستباقية قاتلة لكل منافسيه وخصومه.

3-تزايد مخاطر إندلاع “معركة القرن”التي ستغير وجه المنطقة والعالم؛ فقررت واشنطن وأدواتها إستباقها بـ”صفقة القرن”… هي المعركة التي تحدث عنها السيد حسن نصر الله، ويتقدم نحوها بصمت الرئيس بشار حافظ الأسد، ويرنوا إليها عشرات ألآف المقاتلون… وهي ذاتها التي تخوف منها كيسنجر وبريجنسكي، وتنبأ بها ماكين وهيلاري كلنتون… وما رفع العلم الأميركي في القدس إلا فعل مشابه لإنشاء أول قاعدة أميركية في الكيان الصهيوني: الحماية برمزية العلم الأميركي.

*ختاماً، هاجس حرب تشرين 1973 يلوح في الأفق:

وكما فعل الرئيس “روزفلت” عقب مؤتمر يالطا 1945، حيث إلتقى في شباط 1945، بكل من فاروق وعبد العزيز وعصمت أينونو ورئيس الكيان الصهيوني للبحث عن وكيل إقليمي للسياسات الأميركية، يحاول ترامب تكرار الأمر ذاته، ولكن بصورة أكثر فجاجة وتعجلاً وقلقاً، خصوصا وان هناك محاولة لصوغ سايكس بيكو جديد لضمان حياة وعد بلفور القديم -كيان العدو- وعد الترامب، الرئيس صاحب الخلفية الاقتصادية والاعلامية بهوس… في لحظة تاريخية يظهر فيها تآكل قوة ومكانة الحلفاء التقليديين، وتصاعد قوة ومكانة الأعداء التقليديين في آن.

الإعتداءات الصهيونية الأخيرة على سوريّا، فيها شيء جديد وخطير؛ إستهداف ذات المكان بفوارق زمنية صغيرة، ومن مواقع متعددة، وبإستخدام أسلحة مختلفة عن سابقتها في كل مرة، وبعد فترة توقفت فيها هذه الإعتداءات بالرغم من إنهيار الجدار الطيب الذي عملوا بقوة لإقامته على حدود الجولان السوري المحتل؟!… ثم إستهداف قاعدة حميميم يـ13 طائرة مسيرة، وهو ذات العدد من الطائرات السورية التي شاركت بالمعركة الجوية قبل حرب تشرين بشهر فقط، في منازلة مع طائرات الكيان الصهيوني على ساحل اللاذقية، بعد تسلل طائرة تجسس صهيونية إليه لإستطلاع القدرات السورية والإمدادات الروسية… إنّه جس النبض والإستطلاع بالنار لإستعدادات سوريا وحلفائها لهذه الحرب بنسختها الجديدة، ونتائجها المخيفة.

ولا يمكن تفسير القواعد الأميركية “الرمزية” في سوريا والعراق، ورفع العلم الأميركي في القدس بعد قاعدة النقب، وإنشاء القواعد التركية في قطر وفي السودان قبالة جده، والتي تبعد (70)كم تقريباً عن مكة المكرمة، إلا بأنها محاولة لملأ الفراغ الذي لم تستطع مصر او السعودية ملأه، وتسلل امريكي بهوية تركية إلى أرض تتهددها الزلازل الجيوسياسية، ولكن في الزمن الذي تآكلت فيه عناصر القوة الأميركية، وتراجع حدود سطوتها… فلجأت لرمزية القوة ودلالاتها. ولكن، ماذا لو قرر حلف المقاومة أن يبدأ بالحرب، أين هي قوة أمريكا وحلفائها وحشودهم القادرة على وقف هذا القرار وإحباطه، خصوصاً وأن هذا الحلف لا “أنور السادات” فيه.

سمير الفزاع – شام تايمز

2-4