الإمارات والكيان الإسرائيلي وجدل امتلاك مقاتلة إف ٣٥

العالم- الامارات

أثناء جهود الفترة السابقة لإعلان الاتفاق في أغسطس/آب، لم يُشر أي طرف لمناقشات بيع الأسلحة التي جرت بشكل موازٍ بين الإماراتيين والأميركيين، لكن أغلب المُطَّلعين على المفاوضات أجمعوا أن نتنياهو كان على علم بقائمة الإمارات للتسوق من مصانع الأسلحة الأميركية، وأكَّد تقرير لـ "نيويورك تايمز" أوائل الشهر الماضي أنه لم يُبدِ ممانعة للقائمة، بما يتضمن طائرات "F-35" مقابل التطبيع الرسمي، ولم يعرف بذلك إلا عدد قليل من أفراد حكومته، بينما أُبقي وزير الدفاع وحليفه البارد ومنافسه السابق على رئاسة الحكومة "بيني غانتس" في الظلام حتى تسرَّبت بعض تفاصيل تلك القائمة.

على الجانب الآخر فإن الإماراتيين لسنوات اصطدموا بحائط الرفض الأميركي لبيع المقاتلة لهم، حيث تعود رغبتهم في حيازة الطائرة لعام 2014، ورغم أن معظم المصادر المُطَّلعة أجمعت أن التطبيع فقط كان بمنزلة الضوء الأخضر لتمرير تلك الصفقة بدون اعتراضات إسرائيلية كبيرة أو عوائق كثيفة من الكونغرس، رغم ذلك لم تُشِر تلك التقارير إلى أن حصول الإمارات على المقاتلة بدا كأنه نتيجة شبه حتمية منذ عامين كاملين، وتحديدا منذ انتقل التعاون الأميركي الإماراتي إلى مستوى غير مسبوق بعد حصول "إسبرطة الصغيرة" على أحدث تقنيات التشفير الأميركية المعروفة بأنظمة "Mode5" أو "النسق 5".

يعرف العسكريون أنظمة مراقبة الحركة الجوية للطائرات العسكرية بأنظمة تحديد الصديق من العدو أو "IFF" اختصارا، وقد بدأ تطوير "النسق 5" عام 1995، وفي عام 2002 صادق حلف شمال الأطلسي "الناتو" على اتفاقية اعتمدت النظام الذي يُعرف أيضا بـ "Mark XIIA" نظامَ مراقبة رئيسا فيه، وقد مثَّلت التقنية وما زالت معيار المستقبل لجميع أنظمة الإرسال والاستقبال والرصد والتحديد العسكرية الجوية، ولتبسيط الأمر فإن "النسق 5" يستخدم تقنيات تشفير أكثر تعقيدا للتغلُّب على قيود الأداء والأمان في تقنيات أنظمة "النسق 4″، ويوفر إمكانات واسعة لمعالجة البيانات الكثيفة بشكل آمن، ويسمح بنقل كميات البيانات الضخمة دون تداخل أو ارتباك إلكتروني.

تُعَدُّ تكنولوجيا النسق 5 أحد أدق أنظمة الرصد وتحليل البيانات وتحديد الأهداف الأميركية، وقد طُوِّرت بواسطة تقنيي وكالة الأمن القومي، ولا تشاركها واشنطن إلا مع حلفائها العسكريين الأقرب: بعض أعضاء الناتو لا الكل، واليابان في آسيا، والبرازيل في أميركا اللاتينية، والكيان الإسرائيلي في الشرق الأوسط، لذا كان الأمر من الأهمية بمكان عندما أسرَّت مصادر لـ "إنتلجنس أون لاين" عام 2018 بأن الإمارات على وشك الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما عنى أنها سبقت بالفعل بعض دول الحلف أنفسهم لتقنية تُعَدُّ المعيار المستقبلي بتطويراتها كما ذكرنا، وذكر حينها أنه من المحتمل أن تحصل عمان مستقبلا على التقنية لتزوِّد بها أسرابها من "F-16" الأميركية، ثم تلحقهما المملكة العربية السعودية.

كان حصول الإمارات على التقنية دليلا عمليا على أنها أصبحت أقرب إلى الدائرة الداخلية للحلفاء العسكريين للولايات المتحدة التي لا تضم إلا عددا محدودا جدا من الدول، وكان دليلا ساطعا أيضا على أن بيع طائرات "F-35" إليها، وهي التي تأتي مجهزة بـ "النسق 5" مباشرة، أصبح "نتيجة مفروضة عمليا"، لذا لم يكن مستغربا ما قاله الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" قبل توقيع اتفاقية التطبيع بيوم واحد من أنه ليست لديه أي مشكلة في بيع الأسلحة نفسها المبيعة لإسرائيل للخليجيين، واصفا ذلك بأنه "شيء جيد للولايات المتحدة وسوق الوظائف فيها"، ومضيفا أنها "دول غنية جدا في معظمها، لذا ليست لديّ مشكلة شخصيا في بيع "F-35" للإماراتيين"، لكنه تجاهل متعمدا أو غير متعمد أن بيع الطائرة سيحمل مشكلات جوهرية للعقيدة الأمنية لأقرب حلفائه وأصدقاء أبو ظبي العلنيين الجدد، الأصدقاء الإسرائيليين.

في منطقة غير مستقرة وتحمل عواصفَ سياسية مستمرة مثل الشرق الأوسط يعرف الإسرائيليون جيدا أن أصدقاء اليوم قد يكونون أعداء الغد مهما بدا عكس ذلك، لذا لم يكن مستغربا أن يندلع غضب عارم خاصة في أوساط العسكريين عندما كشفت بعض المواقع الإسرائيلية الصحفية بعد إعلان الاتفاق منتصف أغسطس/آب الماضي أنه يأتي وفي قلبه صفقة الأسلحة، وعلى رأسها تحفة "لوكهيد مارتن" الجديدة، لكن ما أثار غضبا أكثر هو ما كُشِف عن أن نتنياهو عَلِمَ برغبة الإماراتيين أثناء مفاوضات الاتفاقية ولم يمانع معطيا ضوءا أخضرَ لها.

بدأت المناوشات منذ ذلك الحين، وقد نفى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي علانية بعد أيام قليلة من إعلان التطبيع موافقته على الصفقة، وقال إن نتنياهو عارض بيع أسلحة متقدمة للإمارات في اجتماعه أول يوليو/تموز الماضي مع "ديفيد فريدمان" السفير الإسرائيلي بواشنطن، وأثار ذلك الاعتراض مرارا لدى الجانب الأميركي مُشدِّدا على أهمية عدم بيع "F-35" لأي دولة في الشرق الأوسط، وقد صُبِغَ ذلك الاعتراض بشكل رسمي في خطاب من نتنياهو عن طريق فريدمان لوزير الخارجية الأميركي "مايك بومبيو" في اليوم التالي لاجتماع السفير الإسرائيلي مباشرة.

أثارت تلك الاعتراضات العلنية غضب الإماراتيين، وقد بدا ذلك قليلا في تصريحات وزير الإمارات للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" في 20 أغسطس/آب، بعد ستة أيام من إعلان التطبيع، عندما قال إنه "لا يفهم قلق الإسرائيليين من عملية البيع المحتملة، ولا يعلم مدى تشابك ذلك القلق مع السياسة الداخلية الإسرائيلية"، في إشارة ضمنية إلى أن نفي نتنياهو واعتراضاته ربما تأتي لتهدئة معارضيه الغاضبين بالداخل، وأضاف قرقاش أن بلاده لديها "طلبات مشروعة موجودة ويجب أن تحصل عليها"، وأن اتفاق التطبيع سيُسهِّل على الولايات المتحدة بيع "F-35" لهم كون فكرة الحرب مع الكيان الإسرائيلي "لم تعد موجودة بالكامل" حد تعبيره.

وقد انضم صهر الرئيس الأميركي ومستشاره الأقرب "جاريد كوشنر" لقرقاش بعد ثلاثة أيام قائلا كلمات الوزير الإماراتي نفسها تقريبا عن تسهيل اتفاقية التطبيع لبيع المقاتلة أثناء زيارته للمنطقة، وفي يوم 24 من الشهر المذكور بدا الغضب الإماراتي واضحا للعيان عندما انفرد موقع "أكسيوس" بخبر إلغاء أبو ظبي لاجتماع ثلاثي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك بين سفراء الكيان الإسرائيلي وأميركا والسفير الإماراتي للمنظمة، وقد حمل ذلك اليوم زيارة سريعة من بومبيو للقدس المحتلة قابل فيها نتنياهو لمناقشة اتفاقية التطبيع بشكل رسمي، لكن صفقة "F-35" كانت حاضرة على طاولة ذلك اللقاء، خاصة مع طلب الإماراتيين بتوقف رئيس الوزراء عن إبداء الاعتراضات العلنية على الصفقة المحتملة.

نتج عن ذلك اللقاء عودة نتنياهو للمسار المُتفَق عليه بالنسبة للصفقة، بينما بدأ الإماراتيون يتعاملون بشكل أهدأ بداية من سبتمبر/أيلول المنصرم حينما أدركوا أن الفترة القادمة ستحمل الكثير من الاعتراضات الرسمية العلنية الإسرائيلية، وأنها ستكون على الأرجح اعتراضات مسرحية لتهدئة الداخل، لكن الصفقة ستتسارع في مسارها الطبيعي، رغم أن رياح تلك الاعتراضات لم تكن في الكيان الإسرائيلي فقط، بل شهدت واشنطن وما زالت بعض تلك الاعتراضات؛ خاصة مع معلومات متواردة حول عدم ارتياح بعض مسؤولي وزارتَيْ الخارجية والدفاع الأميركيتين حول التأثير الإماراتي المتنامي في أروقة البيت الأبيض، خاصة عندما تلقّى مسؤولون عسكريون إماراتيون إحاطة سرية حول طائرات "F-35" في يوليو/تموز الماضي.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر ومستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين في صورة جماعية مع اللواء فلاح القحطاني بالقوات الجوية الإماراتية في قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي

ويبدو أن الضغط الإماراتي كان ناجعا، وقد أدرك الإسرائيليون على الأرجح أن واشنطن مُصمِّمة على بيع الطائرات للإماراتيين حاليا وربما للسعوديين في المستقبل، لذا سار نتنياهو على مسار التهدئة عندما قال بعد اعتراضاته العلنية إنه يثق في الولايات المتحدة وحفاظها على تفوُّق الكيان الاسرائيلي العسكري في الشرق الأوسط، وبالمثل خفَّف حليفه البارد وزير الدفاع "غانتس" كثيرا من اعتراضاته، وقال إن امتياز بيع المقاتلة "هو في النهاية امتياز أميركي وليس إسرائيليا"، ثم توجه الاثنين 21 من الشهر الماضي لواشنطن ليناقش نظيره الأميركي "مارك إسبر" في أمر بيع المقاتلات للإمارات وكيفية إتمام الصفقة بالتوازي مع الحفاظ على الأفضلية النوعية العسكرية لجيش الاحتلال.

يمتلك "جيورا إيلاند"، جنرال التخطيط الحربي الشهير والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، رأيا مختلفا، فبالنسبة له لم يكن على نتنياهو نفي الموافقة الإسرائيلية على بيع الأسلحة المتطورة للإمارات، مشيرا إلى أن التطبيع صفقة كأي صفقة بها قدر من التنازلات وثمن لا بد أن يُدفع، ولن يحصل أي جانب على كل ما يريد بطبيعة الحال، وفي رأيه أن ما ستحصل عليه تل ابيب من التوقيع على الاتفاقية أكبر بكثير من عدمه، ورغم أنه بنظرة بعيدة المدى فإن حصول الإمارات على أسلحة متطورة وطائرات "F-35" سيفتح الباب غالبا أمام مطالبات عربية بصفقات كتلك، فإن "إيلاند" في تعليقاته لـ "جورزاليم بوست" يرى أنه رغم سوابق كتلك، ومنها بيع واشنطن مثلا لنسخ طائرات أباتشي مروحية لمصر أكثر تقدُّما من تلك التي تمتلكها تل ابيب من النوع نفسه؛ فإن تشجيع الدول العربية والخليجية تحديدا وعلى رأسها السعودية على التطبيع بعد الإمارات أكثر أهمية بكثير من ذلك، لأنه في النهاية ستربح تل أبيب الكثير من منطقة مقيدة باتفاقات سلام وأنظمة صديقة مستقرة في السلطة وتبادلات دبلوماسية وتقنية واقتصادية وعسكرية مستمرة وعلنية، والأهم أن الأفضلية العسكرية ستظل كما هي غالبا طالما يُسمح للإسرائيليين بامتلاك وتعديل أسلحة أميركية شديدة التطور بشكل لا تسمح به واشنطن لأي دولة أخرى على الإطلاق، وطالما ستظل تل ابيب الأكثر تلقيا للمساعدات الأميركية في العالم.

للمفارقة، فإن المثال الساطع على ذلك الاستثناء الإسرائيلي هو مقاتلات "F-35" نفسها، حيث يُسمح لتل ابيب وحدها، بتعديل مقاتلات "F-35" بما يناسب احتياجات جيش الاحتلال، وتوصف الإف 35 إيدر (النسخة الإسرائيلية) بأنها نسخة تعمل بمنشطات كناية عن الأفضلية القتالية لها على نسخ الطائرة الأخرى، وقد عُدِّلت النسخة الإسرائيلية بشكل مكثف تماما، وسمحت واشنطن لتل أبيب بجعل المقاتلة إسرائيلية الصنع من الداخل تقريبا، وهو امتياز لم تتلقه أي دولة أخرى في العالم، حتى إنه يقال إن الإسرائيليين يعرفون عن المقاتلة أشياء لا يعرفها الأميركيون أنفسهم، وهي عبارة ساخرة انتشرت في العاصمتين الأميركية والإسرائيلية كناية عن التعديل الإسرائيلي الهائل على المقاتلة.

وتُعَدُّ "إسرائيل" هي الأولى والوحيدة حتى اللحظة التي تستخدم المقاتلة في الشرق الأوسط، وهي ركيزة أساسية للضربات الإسرائيلية بسوريا منذ عام 2018، وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني القادم سيكون لدى الإسرائيليين 27 طائرة إف 35 إيدر. وهو رقم يمثل نواة لثلاثة أسراب مقاتلة منها، ويدرس الإسرائيليون شراء 25 طائرة أخرى، في رغبة لإيصال عدد الطائرات الشبحية التي تمتلكها القوات الجوية الإسرائيلية عموما إلى 75 طائرة.

إذن، ورغم امتلاكها للأسطول الجوي الأكبر في العالم بعد الولايات المتحدة، وهو أسطول ساهم في تشكيله عدد هائل من طائرات أميركية مختلفة على رأسها أكثر من 300 طائرة "F-16" حصلت عليها تل أبيب بشكل دوري منذ منتصف التسعينيات؛ رغم ذلك يدرك الإسرائيليون دوما أنهم في منطقة غير مستقرة سياسيا ومعبّأة دوما برياح التغيير حتى وإن بدت الأمور مستقرة وعكس تلك الصورة، ولأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية مبنية على هذا الإدراك، فإنهم يحرصون دوما على البقاء متقدمين بخطوة على الأقل على جميع دول الشرق الأوسط، لذا لا يكمن اهتمامهم الأساسي على الأرجح في حصول أبو ظبي على أسلحة متطورة ومقاتلات شبحية من طراز "F-35" أو أنها قد توظفها ضدهم في مستقبل بعيد وإن كان غير محتمل، وإنما يهتمون أكثر بأن حيازة أبو ظبي لأسلحة كتلك سيفتح غالبا سباق تسلح كبيرا في المنطقة قد يُهدِّد تفوقهم العسكري النوعي.

لا يُمثِّل تزويد الإمارات بطائرات "F-35" شيئا عاديا أو بسيطا، وكما يصفها تشاك فريليش النائب السابق لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي فإنها ليست "مجرد تقنية عسكرية متقدمة وإنما منصة أسلحة متكاملة"، وإن تم البيع فستُمثِّل الطائرات "ترقية دراماتيكية للقدرات العسكرية للإمارات" حد تعبيره، لكن ما طلبته الإمارات لا يقتصر فقط على المقاتلة الأميركية الأحدث، وإنما تتضمن الحزمة التي يُتَفاوَض عليها طائرات بدون طيار "درونز" من طراز "ريبر"، إحدى أكثر آلات الاستهداف العسكري نجاعة، وطائرات الحرب الإلكترونية بالغة التطور "إي إيه 18 جي جرولر" من إنتاج صناعات شركة بوينغ العسكرية، وهي طائرة الحرب الإلكترونية الأكثر تطورا في البحرية الأميركية والعالم، ولا تمتلكها أي دولة أخرى بخلاف الولايات المتحدة إلا أستراليا (حليف أساسي لواشنطن)، وهذه الطائرات تمتلك القدرة على تشويش الدفاعات العسكرية للعدو لتُمهِّد الطريق لهجمات فائقة السرعة للطائرات الشبحية مثل "F-35" أو قاذفات القنابل المتطورة.

تضم قائمة الرغبات الإماراتية أيضا طائرات البوينغ "ﭬي-22 أوسبراي"، وهي الطائرات الوحيدة التي تجمع بين القدرة على الإقلاع والهبوط العموديين كأي مروحية قتالية، وفي الوقت نفسه تطير بسرعة وارتفاع ومدى الطائرات ذات الأجنحة الثابتة، وأخيرا وليس آخرا تريد أبو ظبي بعض الأنظمة الإلكترونية المتقدمة وإن لم يُعرف بعد ماهيتها، لكن القائمة كاملة متضمنة ما نعرفه منها قيد المباحثات حاليا، أمر أكّدته مورجان أورتاجوس المتحدثة باسم الخارجية الأميركية بقولها: "هناك نقاشات مطولة حاليا حول المعدات والطائرات والأسلحة الأخرى على الطاولة"، وهو الأمر الذي صدّقت عليه "نيويورك تايمز" بكشفها أن إدارة ترامب تعمل جاهدة لتجاوز المشرّعين ودفع الصفقة لحيّزها النهائي قبيل انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، بينما كشفت رويترز منذ أيام قليلة أن الصفقة ربما تُوقَّع في ديسمبر/كانون الأول القادم.

ولأن الإسرائيليين لا يقيسون أمنهم القومي مع الدول العربية على أساس الاتفاقات وأنظمة الحكم مهما كانت راسخة كما ذكرنا، بجانب أن أي سباق تسلح يحتاج إلى طرفين على الأقل، فقد اتخذت تل أبيب قرارا بعدم الجلوس ساكنة ومشاهدة السعي الإماراتي فقط، وإنما بدأت باتخاذ إجراءات لضمان الحفاظ على تفوُّقها العسكري، وشكَّلت في الشهر الماضي فريقا مكلفا بتجميع ما يشبه قائمة رغبات إسرائيلية لشراء أنظمة وأسلحة أميركية معينة للمحافظة على ذلك التفوق بالمنطقة، وهي قائمة نُرجِّح أن "غانتس" طرح بعضها في اجتماعه الأخير مع نظيره الأميركي "إسبر".

يقود ذلك الفريق الميجور جنرال تومير بار، مَن صُعِّدَ أول العام الحالي لمنصب قائد قطاع التخطيط "FDD" بجيش الاحتلال، وقد ذكر موقع "إسرائيل اليوم" أنه لن يتم الموافقة على القائمة قبل انتهائها، لكن القيادة السياسية والعسكرية (نتنياهو ووزير الدفاع بيني غانتس ورئيس الأركان جنرال أفيف كوخافي) وافقوا بالفعل على آليات عمل الفريق وتوجهه العام في طلبات الأسلحة.

هناك الكثير جدا مما يمتلكه الجيش الأميركي فقط قد يطلبه الإسرائيليون للحفاظ على تفوقهم النوعي العسكري بالشرق الأوسط، وهذا التفوق ليس مجرد عبارة إنشائية أو التزام سياسي وإنما أمر واجب قانونا على أي إدارة أميركية منذ عام 2008. فمثلا، لم تتمكّن تل أبيب للآن من الحصول على المقاتلة الأكثر شبحية وربما الأكثر تقدُّما التي صُنِعت على الإطلاق حتى اللحظة: الإف 22 رابتور، الشقيقة الكبرى والأغلى ثمنا لـ "F-35″، وقد مُنِعَ تصديرها لأي دولة في العالم بموجب تعديل قانوني يُسمى "تعديل أوباي" عام 1998 خشية تسرُّب تكنولوجيتها الشبحية لحكومات أخرى، لكن قد تُزاح فكرة طلبها من على الطاولة لتكلفتها ومصاريف صيانتها الباهظة.

ويمكن لهم أيضا طلب نسخة الإف B35، وهي النسخة الوحيدة في عائلة "F-35" "ثلاث نسخ" القادرة على الإقلاع القصير والهبوط العمودي أو ما يُعرف اختصارا بـ "ستوفل"، نسخة ستُعطي الإسرائيليين إن امتلكوها قدرات أكبر على مجاراة أي هجمات جوية إيرانية أو صاروخية من حزب الله اللبناني، لكنهم يمتلكون تحفظا كبيرا عليها يتمثل في أنها نسخة تحمل أسلحة أقل.

في الفترة الأخيرة دارت تكهنات كثيرة في الصحافة الإسرائيلية بشأن ما قد يطلبه جنرالاتهم مقابل تمرير الصفقة الإماراتية بلا اعتراضات، منها ما سبق، وأيضا القنابل الهائلة المخترقة للتحصينات مثل "GBU-57A/B" و"GBU-43/B"، لكن نظرة أدق قد ترينا مطالب إسرائيلية محتملة أكثر أهمية ونجاعة، فمثلا يمكن لتل أبيب طلب تقديم مواعيد تسليم صفقات متفق عليها بالفعل، كصفقة طائرات ﭬي-22، وطائرات وقود "KC-46″، وربما سرب من مقاتلات الإف 15s، أو حتى الإف 15x وهي النسخة الأحدث من طائرة الجيل الرابع لبوينغ، ويمكن الاتفاق على زيادة المساعدات العسكرية لها (تل ابيب هي أكبر متلقي للمساعدات الأميركية في العالم)، ولتوضيح الأمر فإن اتفاق 2016 الذي عطَّله أوباما ووقَّعه ترامب في أول أيام تسلمه للرئاسة يعتبر أكبر حزمة مساعدات أميركية لدولة في تاريخها، وتتسلم تل ابيب عن طريقه 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية والمالية خلال عقد (حتى عام 2026)، لذا يمكن لنتنياهو أن يتفاوض على زيادة الحزمة في اتفاق العقد القادم 2026-2036.

يمكن للإسرائيليين أيضا دفع الولايات المتحدة لاستبدال الذخائر القديمة في المستودع الخاص بها على الأراضي المحتلة بذخائر وأسلحة ذكية دقيقة التوجيه، وهو من ضمن ما يعتمد عليه الأمن القومي للاحتلال حال قيام مواجهة مع حزب الله أو إيران بغض النظر عن احتمالية تلك الحرب في المستقبل القريب من عدمها، إذ من الممكن أن تطلب تل أبيب خفض تصنيف سرية بعض أنظمة الرصد والاستطلاع والإنذار المبكر وطلب استيرادها، فضلا عن طلب تعديلات على اتفاقية "العيون الخمس" الاستخباراتية، وهو تحالف استخباراتي يضم أميركا وكندا ونيوزيلندا وبريطانيا وأستراليا، وتتعاون مع أعضائه دول أخرى مثل اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية و"إسرائيل" نفسها، وهي فرصة لتل أبيب حتى لطلب الانضمام للحلف ليصبح "العيون الست" لتسبق المرشح الأكثر حظا للانضمام "ألمانيا"، وسيأتي ذلك الانضمام في مصلحة الإسرائيليين خاصة أن أعضاء التحالف يتعهدون باتفاقات قانونية صارمة بعدم التجسس على بعضهم بعضا، ما يُقلِّل مساحة التدخل الاستخباراتي المُوجَّه ضد بعضهم بعضا إلى حدٍّ كبير.

لن يكتفي الإسرائيليون بذلك، وقد تسرَّبت أنباء الأيام الماضية عن حلول مطروحة لضمان الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي حتى مع حصول الإمارات المرجح على "F-35″، ومنها توريد أنظمة رادارية أميركية مُتقدِّمة ومُجهَّزة خصيصا للتعرف على النسخ الإماراتية من الطائرة، وقد تطلب واشنطن من أبو ظبي اتخاذ إجراءات لوجستية تضمن عدم استخدام "F-35" في هجوم سريع مفاجئ على الأراضي المحتلة، كما فعلتها مع السعودية حين سلمتها طائرات "F-16" مشترطة أن تكون قواعدها بعيدة عن مدى المجال الجوي لتل أبيب، أما الحل الأقرب للتطبيق فهو أن تبيع واشنطن للإماراتيين نسخا أقل تسليحا وتقانة من نسخ "F-35" المعتادة المُصدَّرة للدول الأخرى، ومن غير المعروف للآن إن كان الإماراتيون سيقبلون بنسخ طائرات ذات درجة مُخفَّضة إن طُرِح ذلك الحل، لكنهم على الأرجح سيحاولون جاهدين الحصول على نسخ ذات فاعلية كاملة كتلك التي أُرسلت إلى حلفاء واشنطن الآخرين.

لكن المفارقة أن استفادة تل ابيب وصناعاتها العسكرية الأكبر من تمرير الصفقة بلا اعتراضات سيأتي على الأرجح عن طريق الإماراتيين أنفسهم، فقد ذكر تقرير خاص لصحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية الاقتصادية اليومية عن مصادر أن واشنطن و"لوكهيد مارتن" يُرجَّح أن يناقشوا مع أبو ظبي تصنيع 35 زوج أجنحة لمقاتلات "F-35" من قِبَل شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية المملوكة للدولة (IAI)، ويعتبر خط إنتاج "IAI" في "اللد" واحدا من ثلاثة خطوط/شركات فقط مُصنِّعة لأجنحة "F-35" عالميا، فبينما يزود خط إنتاج أجنحة "لوكهيد مارتن" في ولاية تكساس مقاتلات الجيش الأميركي بها، ويزود خط إنتاج آخر في إيطاليا دول الناتو، ينتجها الخط الإسرائيلي للمقاتلات المخصصة للعملاء غير الأميركيين أو دول الناتو، بما في ذلك تلك التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.

وأوضح التقرير أن سعر الأجنحة يبلغ نحو ثلاثة ملايين دولار للزوج، وحتى الآن أنتج المصنع الذي يتخذ من لكيان الإسرائيلي مقرا له 100 زوج منها، وأضاف أن الشركة لديها عقد إطاري مع شركة "لوكهيد" لإنتاج ما يصل إلى 800 زوج من الأجنحة بقيمة إجمالية تصل إلى مليارَيْ دولار، لكن مصادر الصحيفة نفت أن يكون قد تُوصِّلَ إلى قرار نهائي بخصوص المُصنِّع، وأضافت أن شركة إسرائيلية أخرى وهي "أنظمة إلبِت" (Elbit Systems) ستكون مستفيدا محتملا من الصفقة الإماراتية، حيث تشارك في تصنيع خوذات متقدمة لطياري "F-35" مع شركة "روكويل كولينز" (Rockwell Collins) الأميركية متعددة الجنسيات، وتبلغ قيمة كل خوذة 400 ألف دولار بإجمالي ربما يتعدى عشرة ملايين دولار بناء على عدد المقاتلات الذي ستتسلمه الإمارات إن تمت الصفقة.

ما يبدو أمامنا أن الإسرائيليين قد خلصوا لنتيجة مفادها أن بيع المقاتلات للإماراتيين أصبح في حكم الواقع تقريبا، خاصة بعد أن تقدمت أبو ظبي قبل أسبوع تقريبا بطلب رسمي لوزارة الخارجية الأميركية لحيازة المقاتلات، وهو طلب مرَّرته الوزارة للكونغرس للموافقة عليه. وكما هو معتاد، فإن صفقة كتلك ستواجه مقاومة كبيرة في الكونغرس بموجب قانون 2008 الذي ينص على أن أي مبيعات أسلحة أميركية للشرق الأوسط يلزم ألا تمس التفوق العسكري التقني للكيان الإسرائيلي كما ذكرنا، وستكون هناك عوائق تشريعية كبيرة طالما لم يخرج تأييد إسرائيلي رسمي علني للصفقة، وهي عوائق لا تريدها إدارة ترامب ولا يريدها الإماراتيون بأي حال، خاصة أن الكونغرس له مغامرات ليست بالقليلة في الأعوام السابقة فيما يخص تعطيل صفقات السلاح الأميركية للإمارات والسعودية بناء على مخاوف من "انتهاكات حقوق إنسان" في اليمن، لا على أساس قانون محاباة الكيان الإسرائيلي فقط، ولم يكن آخر تلك المغامرات ما حدث في مايو/أيار للعام الماضي 2019 عندما أعطى مايك بومبيو وزير الخارجية استثناء طارئا لصفقة ضخمة على 22 دفعة قُدِّرت بأكثر من 8 مليارات دولار من القنابل والأسلحة الأخرى لأبو ظبي والرياض، معنونا حالة الطوارئ تلك بأنها "في سبيل ردع المغامرات الإيرانية بالمنطقة"، على حد تعبيره.

بالنسبة لإدارة ترامب، فإن حُجة إيران تمنحها مساحة شديدة الرحابة في عوالم بيع وشراء الأسلحة المليئة بالمصالح والأموال، فمن جهة فإن تلك الحُجة تعطي ترامب سببا دائما لتخطي الكونغرس واستخدام الفيتو الرئاسي بما يتناسب مع تلك المصالح، كما فعلها حين كاد تشريع أن يُنهي التدخل الأميركي في حرب اليمن في إبريل/نيسان للعام الماضي، وهو تدخل يأتي عن طريق إمداد السعودية والإمارات بكميات هائلة من الأسلحة وأنظمة الرصد وبعض المساعدات الاستخباراتية، وقتها استخدم ترامب ثاني فيتو رئاسي له لمنع ذلك القانون، ثم استخدم لاحقا في صيف العام نفسه فيتو آخر لتمرير صفقة السلاح الشهيرة التي أشرنا إليها أعلاه".

يحب ترامب الإمارات والسعودية، ويراهما أهم زبائن الأسلحة الأميركية ربما في العالم أجمع، خاصة مع إنفاق إماراتي دفاعي يبلغ 23 مليار دولار سنويا ويزيد باستمرار، وهي كعكة تأخذ واشنطن منها نصيب الأسد بنحو 20 مليار دولار تذهب رأسا للمجمع الصناعي العسكري، لذا لم يكن مستغربا مثلا أن يوقع ترامب بعد خمسة أشهر فقط من توليه الرئاسة، مايو/أيار 2017، اتفاقية دفاعية مع أبو ظبي مُعدَّة منذ عهد إدارة أوباما الذي لم يُوقِّعها قلقا من أن تضع الإمارات يديها على وحدات تقنية وطائرات أميركية على أراضيها، وقد قَبِل ترامب بها ووقّعها أثناء زيارة ولي العهد "محمد بن زايد" له بواشنطن منتصف الشهر المذكور، وأقرّ ترامب معها حزم تدريبات لطيارين وقوات خاصة إماراتية أيضا.

ليس غريبا أيضا أن يُثير الكونغرس غضب ترامب في الأعوام السابقة حتى الآن مع الاعتراضات المتوالية من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين على صفقات الأسلحة للدولتين الخليجيتين، ومنها حين عُلِّقت حزمة مبيعات تقنية ضخمة طلبتها المملكة لربط قواعد بياناتها العسكرية بتلك الخاصة بأجهزتها الأمنية المحلية لبناء شبكة أمنية متكاملة ومُحكَمة، وقد أثار ذلك مخاوف معتادة في الكونغرس للانتهاكات السعودية لحقوق الإنسان بالداخل، لذلك تحاول إدارة الرئيس الأميركي إنهاء أمر إشراف الكونغرس على صفقات الأسلحة من أساسه منذ أشهر طويلة.

أما من وجهة نظر بعض المحللين العسكريين والسياسيين الأميركيين؛ فإن منح الإمارات هذا النوع من القدرات العسكرية، حتى وإن قُلِّمَ تسليح الطائرات، هو شيء غير مفهوم، ففي رأيهم لا يوجد ما يُوجِب أن تمتلك الإمارات طائرات بهذا التقدُّم كأن تكون في حالة حرب مفتوحة مثلا أو توترات حدودية واسعة أو منطقة عسكرية مضطربة، وهو ما لا يتوفر جميعه في حالتها.

لكن هؤلاء وغيرهم يتجاهلون أن بيع طائرات "F-35" للإماراتيين سيعطي ميزة مهمة للأميركيين، حيث سترتبط القوات الجوية الإماراتية بواشنطن بشكل وثيق ونهائي، خاصة أن الطائرات تأتي مجهزة بـ "النسق 5" مباشرة، والأهم أن عمودها الفقري التقني هو نظام المعلومات اللوجستي ذاتي التحكم المعروف اختصارا بـ "ALIS"، وهو بمنزلة الجهاز العصبي للطائرة، وهذا الجهاز العصبي يرتبط عن طريق الحوسبة السحابية بـ "لوكهيد مارتن" ويرسل إليها البيانات الفنية للطائرات جميعها، لذا ما يُغفَل هنا أن الرضا الأميركي الأمني الحالي عن التوجُّه الإماراتي الذي يبرز في صورة تزويدها ببعض أحدث أنظمة الاستخبارات التقنية والاعتراض والتشفير واستخبارات الجغرافيا المكانية وكذا الأسلحة المتطورة؛ لا يتعلق ذلك الرضا بقدرة الإمارات على دفع الثمن فقط، وإنما بتنامي التعاون الاستخباراتي بين أبو ظبي وواشنطن في الأعوام القليلة الماضية، وبتزايد تدفق المعلومات بين البلدين باستمرار، خاصة تلك التي تجمعها وتشرف على تنسيقها وتحليلها وكالة الأمن القومي الأميركية.

وبينما لا يُتوقَّع أن تحصل الإمارات على أول مقاتلة إلا خلال ست أو سبع سنوات قادمة إنْ وُقِّعت الصفقة هذه الفترة، فإن جدال "F-35" لا يُمثِّل إلا جزءا من الصورة الأكبر، فبالنسبة للإماراتيين والإسرائيليين فإن تكوين مثلث أمني رئيس في المنطقة هو أولوية قصوى، مثلث يتكون منهما رفقة السعودية وبمشاركة حلفاء قريبين كمصر، ويهدف هذا الترتيب الأمني لعدة أمور: أولها تلافي الارتباك الأميركي في الشرق الأوسط، وهو ارتباك مستمر منذ إدارة أوباما الذي رأى أن الانسحاب من المنطقة وتسليم مفاتيحها الأمنية للاعبيها الرئيسين هو الحل الأسلم للمصالح الأميركية.

وثانيها التخطيط لمرحلة ما بعد ترامب، فبقدر ما يتبنّى ترامب الأجندة الإسرائيلية في معاملة طهران؛ فإنه يتعامل مع الدول الخليجية بعقلية رجل أعمال قُح، ولا يهمه إلا مقدار الأموال التي سيحصل عليها من الدول النفطية، لذا بالنسبة للإسرائيليين والإماراتيين فإن ترامب لا يُعوَّل عليه حليفا دائما لأنه لن يستمر رئيسا للأبد، والأهم أنه وإن كان يُعادي إيران بشكل كامل فإنه يريد وجودا أميركيا سياسيا لا عسكريا في المنطقة، وهي موافقة ضمنية جزئية منه على توجُّه أوباما، موافقة لا تراها أبو ظبي أو الرياض في صالحهما، ويدرك الإسرائيليون جيدا أنها تضر خطط توغُّلهم بشدة، في منطقة مُتقلِّبة ضربها ربيع عربي وأصبح الاحتجاج السياسي فيها روتينا شعبيا يخشى حُكَّام الدول الخليجية انتقاله للأجيال الجديدة هناك، ويحاولون منعه عن طريق تخطيط طويل، وصداقة مع ألد الأعداء، وإنفاق أموال طائلة على منظومات أمنية شرسة يضاف لها جديد كل يوم، بلا نهاية قريبة.

المصدر: الجزيرة نت