التطبيع إماراتي لكنّ العين على الرياض!

العالم-السعودية

ما زاد طحنونٌ على التطبيعِ خردلةً

ولا نتنياهـــو لـه شــغلٌ بطحنــــونِ

أمّا (طحنونٌ) فهو استعاضة عن شقيقه محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات العربية المتحدة ، ولم يأت في السياق هنا سوى للضرورة التقنية، ذلك لأن اسمه يتوائم مع البيت الشعري المُحَرّف أعلاه ، وعليه سأستعيض عن الإسم محمد بن زايد بالإسم طحنون في كل موضع يأتي على ذِكره ، وأمّا التطبيع الإماراتي ـ الصهيوني فهو قائم ومتأصل ومتجذر حتى قبل أن يتبختر الوزير الصهيوني (يسرائيل كاتس) مزهوّاً في أروقة جامع الشيخ زايد صيف العام الماضي ، وأمّا نتنياهو فهو أصالة عن نفسه ونيابة عن كيانه الغاصب يأتي هنا للضرورة التكميلية ، وبالعودة إلى طحنون فلقد تحددت سلفاً وظيفته الخدمية بأن يغدو (بعد إشهار التطبيع) محض كنّاسٍ يزيل الغبار عن السجاجيد الحمراء الممتدة من القدس المحتلة إلى العواصم العربية المرشحة للتطبيع الإكسبرس .

لنضع جانباً عاصمة كالمنامة البحرينية المدلوقة على التطبيع المجاني مع الجزارين الصهاينة ، فهي (ربما بنظر نتنياهو ذاته) لا تعدو أن تكون تتمة عددٍ وتحصيل بديهي حاصل لا يؤخر ولا يقدّم في شيء ، إنما العين الصهيونية مبحلقة بالمليان على عاصمة عربية بحجم وموقع ومكانة الرياض في الزمكان العربي والإسلامي.

وقد سبقَ لليهودي الصهيوني الأصيل جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي ترامب أن مَدّ السجادة التطبيعية الحمراء بين الرياض والقدس المحتلة منذ أيام التمهيد للبدعة التصفوية المسماة (صفقة القرن) ، ولإعتبارات مُرَكّبة ما يزال الملك السعودي المُقبل محمد بن سلمان يمتنع عن الخَطوِ العلني على تلك السجادة ، فثمة هناك العامل الديني المشفوع بالمخبوء من الغضب الكامن في الصّدور المُسْلِمة داخل وخارج بلد الحرمين الشريفين.

وهذا لوحده يقف على رأس الأسباب التي تضع محمد بن سلمان (من موقعه في أرض الوحي والتوحيد) موضع المتأرجح بين خيارين لا ثالث لهما ، فإمّا أن يفوز بالصهاينة ويخسر المسلمين ، وإمّا أن يفوز بالمسلمين ويخسر الصهاينة ، لكنْ أن يفوز بالإثنين معاً في ظل الإنتهاب الصهيوني اليومي لفلسطين الأرض والإنسان فهذا يُعدّ ضرباً من المستحيل ، حتى بمعونة الأفذاذ من السّحَرة التطبيعيين والحُواة التسوويين والقرقوزات الترويجيين والمهرجين التطبيليين ، فأي جانبٍ يختار بن سلمان ؟ .

حتى الساعة لم تُفصح الرياض عن أي موقف رسمي من فِعلةِ الكناس طحنون مع الخناس نتنياهو ، لكنها تركت لنخبتها الإعلامية وقادة جيشها الذبابي الإلكتروني مهمة الهجوم على كل من تسوّل له نفسه الإنسجام مع روحه التوّاقة للحق والعدالة فينحاز بفطرته إلى فلسطين المظلومة ويستنكر بسجيته تهافت المتهافتين على التطبيع الوضيع مع الصهاينة الظالمين.

وفي هذا السياق رأينا العجب العجاب من الفعاليات التلفازية والإفتراضية السعودية الغائصة في مستنقع الباطل الصهيوني ، ولعل أقرب مثال على ذلك جسّدَته حفلة الرقص الماجنة التي أقامتها قناة العربية على وقع نشيد (هتكفاه) العبري يوم الإعلان الأمريكي عن الوكسة التطبيعية الإماراتية الرسمية.

وما كل هذه الهستيريا الإنبطاحية الإعلامية السعودية سوى إنعكاس لموقف الملك المُقبل محمد بن سلمان من فكرة التطبيع العلني الكامل مع الصهاينة ، لكنه إذ يكافح (عبثاً) للوقوع على حلّ إعجازي يجمع بين رِضا الشيطان ورِضا حجيج الرحمن فقد يبرز له ترامب الطامح بولاية ثانية ليفاقم من مأزقه حين يطلب منه سَداد بعض مستحقات الحماية والرعاية بأن يصافح نتنياهو في حديقة البيت الأبيض.

فتكون عندها اللقطة الإنتخابية التي قد تزيد من عدد أسهم أبي إيفانكا في بورصة الإنتخابات الأمريكية القادمة ، ذلك لأن تطبيعاً سعودياً ـ صهيونياً رسمياً لا يمكن بأي حال أن يوازيه أو يجاريه شكلاً وحجماً ومضموناً تطبيعٌ إماراتيّ ـ صهيونيّ رسميّ ، فطحنون الإمارات هو في النهاية طحنون الكناس لا أكثر إن لم يكن أقل ، فيما الجالس على العرش السعودي (أيّ كان) يستمد قوة حضوره المعنوي والمادي عالمياً من أقدس بقعة على وجه الأرض بالنسبة للمسلمين العرب والعجم على حد سواء .

هكذا تجد الرياض نفسها أمام خيارات محدّدة قدر تعلق الأمر بتأريخية اللحظة (والموقف) من الصراع العربي ـ الصهيوني ، وإلى أن تحسم أمرها سيظل طحنون الإمارات مداوماً على تكنيس سجادة التطبيع الممتدة من قصر اليمامة إلى بيت هاناسى في القدس المحتلة .

وطن سرب -مهند بتار