الحرب الناعمة بين النهج الحسيني والمشروع الثقافي الغربي

ما جرى في كربلاء بالأمس هو حلقة من سلسة وقائع قليلها ظاهر وكثيرها خفي وما خفي أعظم ، وكلها تؤكد أن هناك مشروعا كاملا أعدت له جهات اكبر من اقليمية تستهدف تغييراً جذرياً في البنية الثقافية والأخلاقية والقيمية في المنطقة وخصوصاً في العراق لأن العراق هو قلب المنطقة والأحداث التي تقع فيه لها انعكاساتٌ إقليمية وهذا المشروع يرجع الى قُبيل الإحتلال الأمريكي للعراق حيث كانت الخطة التي اعدتها المراكز الإستراتيجية الأمريكية والبريطانية هو الإحتلال العسكري والسياسي والتغيير الثقافي وما جرى منذ سنة 2001 كان يستهدف العراق بالدرجة الأولى وبحسب ما وصلت إليه أبحاث مراكزهم بأنه لا يمكن للأمريكي المحتل أن يحقق اهدافه السياسية والعسكرية إلا إذا قام بتغيير ثقافي شامل، فلا يمكن أن يبقى الأمريكي سائدا في العراق مع وجود ثقافة حسينية قائمة رافضة للمذلة والهوان ومع وجود تعايش مذهبي و وحدة دينية قل نظيرها في العالم ومع التلاحم بين الناس والمرجعية ومع وجود قيمٍ انسانيةٍ رفيعةٍ راقيةٍ يعيشها أهل العراق من الإباء والكرم والعفة وإغاثة الملهوف والتماسك الأسري والعشائري ومن هنا أعدت تلك المراكز الإستراتيجية الإستكبارية للدراسات مشروعا ينقلب على كل تلك المبادئ والقيم والأخلاقيات والثقافات وعليه كان الإحتلال الأمريكي ليس هو مجرد إحتلال عسكري وسياسي بل كان عملية سلب ونهب للقيم الإنسانية والثقافة العراقية واستبدالها بثقافة غربية تحت مسمى الدولة المدنية
والدولة المدنية هو مشروع يستهدف ليس فقط فصل الدين عن الدولة بل كما تقدم يستهدف الإنقلاب على كل القيم الدينية الإسلامية والشرقية بحيث تتحول سلوكيات الشذوذ والإنحراف والفسق والفساد إلى ثقافة تدرس في مؤسسات التعليم وتمارس في كل مكان حتى في الأماكن المقدسة وتتحول الحوزات إلى فاتيكانات وينحصر الدين عبادةً في المساجد والعتبات المقدسة

أيها الشرقيون سواء كنتم مسلمين أم مسيحيين، إسلاميين أم علمانيين، رجالاً ونساءً؛

إن مشروع الدولة المدنية هو الذي وعدتنا به الإدارة الأمريكية الإمبريالية على لسان وزيرة خارجيتها بعد احتلال العراق عندما قالت إننا نريد أن نغير القيم والثقافة في الشرق الأوسط؛ يريدون أن يسلبوا منا كل القيم والمبادئ الجميلة التي نعيشها في الشرق.

أيها المفكرون والمثقفون أيها الشباب الأحرار؛

لا تنخدعوا بكلمات حق يراد منها باطل كالمدنية والديمقراطية وغيرها ، ولا تقعوا في الفخ فإن المستكبر والإمبريالي دعم المتطرفين لتشويه الدين وسهل وصول ممن يسمون بالإسلاميين إلى الحكم لإفشال تجربتهم من أجل تنفيرنا من الدين وضرب الصحوة الإسلامية حتى لا نجد الخلاص إلا بمشروعه الثقافي وهكذا يمهد للسيطرة علينا وتركيعنا وتحويلنا إلى عبيد لدولته الصهيونية وبقرة حلوب للدول الغربية (اِقْرَأُوا كتاب الإسلام الديموقراطي المدني)

أيها الشباب العراقي؛

أنتم الذين استهدفكم الاستكبار العالمي ودمر بلدكم ونشر الفساد وهذا ما كنت قد حذرت منه قبل ١٥ سنة (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) فالمذلة والفساد في العراق هو نتيجة الإحتلال الأمريكي والبريطاني وأنظمتهم المدنية الغربية التي ومنذ قرن كامل تنهب خيراتنا وتحارب ديننا وتريد لنا أن نكون في خدمتها، وهي التي دعمت الوهابية والقاعدة وداعش وساعدها على ذلك ضعفاء النفوس ممن يسمون بالإسلاميين والعلمانيين من الشيعة والسنة، ولن ينجو العراق ويتحول إلى دولة قوية مستقلة متطورة ومدنية من خلال ما يسمى بالدولة المدنية الغربية ولا نجاة للعراق إلا بتطهير العراق من الإحتلال العسكري والأمني والثقافي، أعلنوها ثورة على المستكبر المحتل وأدواته ولا تنخدعوا بعمائم ومؤسسات مهما دلست عليكم باسم الدين والحسين والعباس (عليهما السلام)، نجاحكم بالتمسك بنهج الإسلام الثوري وبالمرجعيات الرشيدة وبالتلاحم بين المذاهب والأديان، إن الثقافة الغربية هي أساس المشكلة وهي المنبع الفكري للإحتلال والإستكبار والصهيونية، لا يريدون لكم أن تقتدوا بالأنموذج الذي قدمته الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة خصوصاً أنَّنا على أعتاب أعظم انتصار للمستضعفين والمستقبل الزاهر والواعد لنا، وقد بدأت سلسلة الهزائم والذلة للمستكبرين والإمبراليين وأذنابهم التي لا تتوقف إلا بدحرهم من المنطقة لتعيش العزة والكرامة والرقي والعدالة تحت ظلال المدنية الحقيقية التي لا نجدها إلا في الإسلام المحمدي العلوي.
إن الإشكالية الأكبر في العراق أنه في الوقت الذي يحقق الإسلام المحمدي الأصيل نجاحات في تقديم الأنموذج العملي الراقي عن الدولة المدنية الإسلامية الدينية وذلك من خلال التجربة التي قدمتها الجمهورية الإسلامية في إيران والتي نريد لها أن تتحول إلى حضارة إسلامية عالمية يخرج إلينا من يريد أن يمرر المشروع البريطاني الأمريكي بأنًّ الإسلام ليس مدنياً وفشل في تأسيس دولة متطورة ولا حل إلا بتطبيق أسوأ صيغة للعلمانية وهي بدولة مدنية بالمنظور الغربي، وكل ذلك باسم الدين والإسلام

إنها إشكالية فقدان البصيرة والرؤية السليمة.

وقد كان العباس عليه السلام صلب الإيمان نافذ البصيرة

* الشيخ أسد محمد قصير