الضغوط القصوى على لبنان.. الى أين؟

العالم – كشكول

التاريخ عودنا انه يعيد نفسه بين الحين والآخر، وعلينا ان نتعلم الدرس جيدا من المرة الأولى، لا أن نكرر نفس التجارب ونتوقع نتائج مختلفة في كل مرة.

في حزيران/ يونيو عام 2017 بدأت السعودية بحصار جارتها وشقيقتها في دول مجلس التعاون، قطر، بذرائع عدة، ولحقتها فورا تابعتها البحرين، ومن ثم الامارات ومصر، وفرضوا عليها حصارا بحريا وجويا وارضيا، وشنو عليها حملة إعلامية مسعورة، وسحبوا السفراء، وفرضوا على قطر شروطا وتنازلات يجب ان تنفذها قبل رفع هذه الاجراءات.

لكن قطر بموقفها الثابت وبمساعدة اصدقائها في المنطقة، استطاعت الصمود بوجه هذه المقاطعة، وعدم الرضوخ الى شروط الاذعان التي فرضتها دول المقاطعة بقيادة السعودية، بل على العكس من ذلك، تنازلت السعودية وتوابعها بعد سنوات وقلصت شروطها للحد الادنى واخيرها اضطرت لإعادة العلاقات مع قطر في ليلة وضحاها.

واليوم في لبنان، وبعد أن عانى هذا البلد ما عاناه من ازمة سياسية واقتصادية ومالية ومجتمعية، ووقفت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الغنية بالنفط، وقفت متفرجة ازاء الازمة المالية وازمة الوقود الحادة التي مر بها لبنان، بالاضافة الى وضعها العصي بل الصخور في دواليب تشكيل الحكومة اللبنانية.. جاء تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي لمحاولة الخروج بلبنان الى بر الأمان.

لكن يبدو ان هذه الدول لم يرق لها هذا الامر وتريد ان يواصل لبنان الغرق في وحل الازمات هو وشعبه "العربي الشقيق"، فبدأت محاولات اشعال حرب اهلية عبر استهداف مكون بعينه، ومن ثم دخل على الخط حزب القوات اللبنانية برئاسة جعجع، اداة السعودية في لبنان، وارتكب مجزرة الطيونة لجر حزب الله الى حرب اهلية في البلاد، لكن الحزب وبحكمته لم ينجر الى هذه السياسات الصبيانية.

وبعد ان فشلت الادوات، اضطرت السعودية الى الدخول بنفسها الى الميدان، وبحثت عن ذريعة، ووجدت موقفا ادلى به وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي قبل توزيره، يصف فيه الحرب على اليمن بأنها عبثية وطالب بوقفها، علما ان تصريحات قرداحي كانت قبل شهر من توليه المسؤولية، اي عندما كان إعلاميا فقط، وشنت عبر هذا التصريح حملة شعواء، لم تنته حتى اليوم بطرد السفير اللبناني من البلاد وسحب سفير المملكة من لبنان "للتشاور" وتبعتها بعد ذلك طفلتها البحرين، وسارت الكويت على خطى الرياض والمنامة وقررت الطلب من القائم بأعمال السفارة اللبنانية مغادرة أراضيها واستدعاء سفيرها في بيروت، كما قررت السعودية وقف كل الواردات اللبنانية.

وعلى خلفية هذه التطورات اكد الرئيس اللبناني ميشال عون الحرص على إقامة أفضل العلاقات مع السعودية من خلال توقيع اتفاقات ثنائية.. من جهته اكد وزير الخارجية اللبناني عبدالله بو حبيب إن الجهات الدولية طلبت من رئيس الوزراء نجيب ميقاتي عدم الاستقالة بعد الضغوط السعودية وبعض الاطراف اللبنانية بهذا الاتجاه .

محليا عقدت خلية الأزمة الوزارية اللبنانية اجتماعا بحضور نائب رئيس البعثة الأميركية في بيروت ريتشارد مايكلز لمناقشة الأزمة مع السعودية عقب طرد السفير اللبناني من الرياض.. على ان تعمل الخلية على تقريب وجهات النظر باعتبار أن الوزير قرداحي كان قد أدلى بتصريحاته حول الحرب على اليمن قبل توليه المنصب الوزاري.

داخليا ايضا دعا رؤساء حكومات سابقون الوزير قرداحي الى الاستقالة، معتبرين أن آراءه تشكل ضربة قاصمة لما وصفوها بالعلاقات الأخوية والمصالح العربية المشتركة التي تربط لبنان بالدول العربية، وهو موقف لا يخرج عن احتمالين، اما ان المطالبين بإستقالة قرداحي يبحثون عن فراغ في البلد.. أو انهم مرعوبون من بطش السعودية، كما حدث مع سعد الحريري عندما حجزته السعودية وباقي القصة معروفة للمتابع.

أما اقليميا فقد دعا عضو المجلس السياسي الأعلى في اليمن محمد علي الحوثي الى مقاطعة المنتجات السعودية تضامنا مع لبنان وقال ان الاخير يتعرض لحملة ترهيب تقودها السعودية والإمارات.

كما تضامن نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان والدول العربية مع الوزير جورج قرداحي تحت عدة وسوم تصدرت قائمة ترند، من بينها #الكرامه_ما_بتستقيل، و#درب_يسد_ما_يرد، و#جورج_قرداحي، و#سليمان_فرنجيه.

وتضع هذه التطورات الدبلوماسية المتسارعة الحكومة اللبنانية تحت مزيد من الضغوط في ظل تردي الوضع الاقتصادي والانهيار في سعر صرف العملة المحلية وقلة المحروقات.

فماذا يريد اعداء لبنان من الضغوط القصوى على هذا البلد؟ ولماذا لا يفهمون ان هذا البلد عصي على الاستكبار؟ ولماذا لا يتعظون من تجربة قطر؟ علما ان لبنان دولة من محور المقاومة، اي انه لديه قابلية مقاومة عالية مقابل الضغوط المختلفة.. الايام ستكشف لنا نتائج هذه الضغوط.