الى اين يمكن ان يصل الصراع بين بكين وواشنطن؟

العالم-تقارير

قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، امس السبت، إن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مصدر لعدم الاستقرار في العالم. وأضاف أن السياسيين الأمريكيين يشوهون سمعة الصين في العالم دون تقديم أدلة، ويستخدمون أدوات السياسة التي تملكها الدولة للحد من المصالح المشروعة للشركات الصينية.

وذكرت وزارة الخارجية أن وانغ أدلى بهذه التصريحات خلال اجتماع مع وزير الخارجية الهولندي خلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة دول العشرين في اليابان.

وقبل أن تصدر هذه التصريحات شديدة اللهجة على لسان الوزير الصيني، كانت حالة من التفاؤل الحذر قد سادت الأسواق العالمية بسبب تعليقات إيجابية من جانب واشنطن وبكين حول اتفاق تجاري مبدئي بين أكبر اقتصادين في العالم، وبيانات اقتصادية متفائلة خففت قلق المستثمرين.

وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ، قد اكد يوم الجمعة الماضي، أن بلاده ترغب في التوصل إلى اتفاق تجاري مبدئي مع الولايات المتحدة، لكنها "لا تخشى" المواجهة إذا استدعى الأمر، مشددا على أن بكين ستطبق إصلاحات اقتصادية بالوتيرة التي تناسبها.

ونادراً ما يتطرق شي بأسلوب مباشر لهذه الدرجة إلى الحرب التجارية في تصريحاته، التي تأتي بعد يومين من إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن بكين لم تقدم تنازلات كافية حتى الآن تسمح بالتوصل إلى اتفاق.

وتتواجه القوتان الاقتصاديتان الأكبر في العالم في نزاع تجاري منذ أكثر من عام ونصف العام، وتبادلتا فرض رسوم جمركية على منتجات بقيمة مئات مليارات الدولارات.

وقال شي لمسؤولين أمريكيين سابقين وغيرهم من الشخصيات الأجنبية المهمة في بكين "كما قلنا مراراً، لا نريد بدء الحرب التجارية لكننا لا نخشى" اندلاعها.

وأضاف أمام المجموعة التي ضمّت وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ووزير الخزانة السابق هنري بولسون ورئيس الوزراء الأسترالي الأسبق كيفن راد "سنخوض المواجهة عند الضرورة، لكننا نعمل بشكل نشط لتجنب اندلاع حرب تجارية".

وكانت الصين دعت كبار المفاوضين التجاريين الأمريكيين لعقد جولة جديدة من المحادثات المباشرة في بكين؛ سعيا لإبرام اتفاق، بعد أن ذكرت تقارير أن "المرحلة واحد" من اتفاق تجاري ربما لا تُوقع هذا العام.

ونقلت وكالات أنباء أمريكية مؤخرا أن الولايات المتحدة يمكن أن تؤجل رفع الرسوم عن السلع الصينية، الذي يجب أن يدخل حيز التنفيذ 15 ديسمبر، وأن إبرام الاتفاقية التجارية يمكن أن يؤجل إلى أجل غير مسمى.

وفي الوقت نفسه، قال خبراء تجاريون وأشخاص مقربون من البيت الأبيض ايضا، إن إتمام اتفاق المرحلة واحد قد يُؤجل إلى العام القادم، مع طلب بكين إلغاء أكثر شمولا للرسوم الجمركية ورد واشنطن بالمزيد من الطلبات من جانبها.

في المقابل، أعرب رئيس الوفد الصيني إلى المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، ليو هي، عن تفاؤل حذر حول توقيع الجزء الأول من الاتفاقية التجارية.

وتشهد العلاقات التجارية بين بكين وواشنطن منذ مجيء إدارة ترامب إلى البيت الأبيض توترا ملحوظا، ما يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية، وهي العلاقات التي توُصَف بأنها معقدة ومتشابكة.

يرى المحللون أن حسم التنافس بين بكين وواشنطن سيظل مرهونا بقدرة كل منهما على إدارته بحكمة دون الانزلاق إلى هاوية قد تكلفهما معا ثمنا باهظا.

ورغم أن ترامب قال عدة مرات بأن: "حققنا تقدما هائلا في علاقاتنا مع الصين"، الا أن التوتر بين العملاقتين الإقتصاديتين إزداد أكثر.

فبعد عام تقريبا من لقاء شي- ترامب، وتحديدا في إبريل 2018، صعدت أمريكا اجراءاتها ضد الصين ونشرت قائمة ضمت ألفا وثلاثمائة سلعة صينية، لفرض المزيد من الضرائب عليها، بزعم انتهاك الصين للحقوق الفكرية للمنتجات الأمريكية، لترد الصين بإعلان فرض رسوم بنسبة 25% على 106 أنواع من السلع الأمريكية التي تستوردها.

في الشهر التالي، حاول الجانبان تفادي الدخول في حرب تجارية، غير أنهما فشلا في الوصول لصيغة مشتركة، بل وجهت واشنطن المزيد من الاتهامات لبكين، وفرضت في يونيو رسوما على البضائع الصينية بنسبة وصلت إلى 25% تصل قيمتها إلى خمسين مليار دولار أمريكي، تمثل تقريبا 10% من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، لترد الصين بفرض رسوم على نحو 659 من المنتجات الأمريكية تصل قيمتها إلى خمسين مليار دولار أمريكي، ثم فرض رسوم إضافية على 545 منتجا أمريكيا في يوليو بقيمة 34 مليار دولار أمريكي.

في أغسطس 2018، فرضت واشنطن رسوما جديدة وصلت إلى 25% على بضائع صينية بقيمة ستة عشر مليار دولار أمريكي، لترد بعدها بكين بالمثل، وأعلنت وزارة التجارة الصينية أن القرار الصيني حيز التنفيذ فور تنفيذ واشنطن قرارها بفرض رسوم جمركية بنفس القيمة على بضائع صينية في الثالث والعشرين من أغسطس 2018.

السياسة الأمريكية السلبية تجاه الصين لم تتوقف عند العلاقات التجارية، بل تجاوزتها إلى ملفات سياسية مثل القضية النووية في شبه الجزيرة الكورية وقضايا بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وتايوان واحتجاجات هونغ كونغ وغيرها.

ووصلت الحرب الأمريكية الصينية، إلى ذروتها بعد كلمة ترامب في افتتاح جلسة مجلس الأمن الدولي تزامنا مع اجتماعات الدورة الثالثة والسبعين للأمم المتحدة، والتي زعم فيها قائلا: "للأسف وجدنا أن الصين تحاول التدخل في انتخاباتنا.. هم لا يريدونني.. لأنني أول رئيس يتحدى الصين في التجارة."

وقد ردت الصين، مرارا على المزاعم الأمريكية وحثت واشنطن على الكف عن التصرفات التي تضر بالعلاقات بين البلدين.

وبعد مرور سنوات من اشتعال الحرب التجارية والسياسة بين بكين وواشنطن، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جديد بزيادة الرسوم الجمركية على الصين حال فشل الاتفاق مع بكين.

وقال ترامب قبل أيام خلال اجتماع حكومي في البيت الأبيض إنه سيزيد الرسوم الجمركية على واردات السلع الصينية في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مع بكين لإنهاء حرب التجارة التي هزت الأسواق وأضرت بالنمو العالمي.

وبالمقابل اتهم عميد الدبلوماسية الصينية هؤلاء السياسيين الأمريكيين باستغلال أدوات السياسة المتاحة لدولتهم بغية الحد من المصالح المشروعة للشركات الصينية وبتوجيه اتهامات باطلة إلى هذه الشركات، معتبرا ذلك "عملا بلطجيا".

كما نددت الصين بالسياسات الأمريكية تجاه أزمة هونغ كونغ، محملة الولايات المتحدة المسؤولية عن استغلال قانونها المحلي للتدخل بشكل صارم في شؤون الصين الداخلية في محاولة للإضرار بنموذج "دولة واحدة-نظامان اثنان" ونسف استقرار وازدهار المستعمرة البريطانية السابقة.

وفي تعليقه على الأزمة القائمة، قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، إن الولايات المتحدة والصين في "بداية الحرب الباردة"، محذراً من أن الصراع بينهما قد يكون أسوأ من الحرب العالمية.

وأضاف من بكين: "من المهم بشكل خاص أن يتبع فترة من التوتر النسبي جهد واضح لفهم ماهية الأسباب السياسية والتزام الجانبين بمحاولة التغلب عليها، ولم يفت الأوان بعد على ذلك، لأننا ما زلنا في مستهل الحرب الباردة".

وأوضح أنه لابد من مناقشة الصين والولايات المتحدة لأهدافهما المشتركة ومحاولة الحد من تأثير الصراع.

وأضاف: "إذا تم السماح للصراع بالتحرك دون قيد، فقد تكون النتيجة أسوأ مما كانت عليه في أوروبا، حيث اندلعت الحرب العالمية الأولى لأنه لم يتم السيطرة على أزمة بسيطة نسبيًا".

ويتوقع بعض الخبراء ان المفاوضات الجارية بين الصين وامريكا ربما تصل إلى طريق مسدود، مع تمسك الرئيس الأمريكي ببعض الشروط التي لم تقبلها بكين وعدم رغبته على ما يبدو في التوصل الى صفقة لإنهاء الحرب التجارية مع الصين التي استمرت منذ أكثر من عام ونصف العام.