بيع دم خاشقجي.. والثمن ستدفعه واشنطن “كاش”

العالم – تقارير

فبعد اربعة ايام من محاولة مستشار الامن القومي الاميركي جون بولتون اظهار عدم ارتباط التسجيلات التي كشفتها تركيا بمحمد بن سلمان، فقد عبرت وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي أي" عن اعتقادها بأن ولي العهد السعودي هو من أمر بقتل الصحفي السعودي.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست الجمعة عن مصادر لم تسمها أن وكالة الاستخبارات الأميركية استندت في استنتاجها إلى معطيات عدة من بينها اتصال هاتفي بين خاشقجي وشقيق ولي العهد الذي يشغل منصب سفير المملكة في واشنطن.

وبحسب "واشنطن بوست"، فقد قال خالد بن سلمان للصحافي الراحل إنه سيكون من الآمن أن يذهب إلى القنصلية في اسطنبول وأن يحصل على المستندات التي كان بحاجة إليها، وأضافت الصحيفة أن خالد بن سلمان أجرى هذا الاتصال بناءًا على طلب شقيقه.

من جهته نفى سفير السعودية لدى واشنطن الأمير خالد بن سلمان، انه اجرى حديثا هاتفيا مع الصحفي السعودي جمال خاشقجي قبل وفاته، ولم يقترح عليه الذهاب إلى تركيا، وطالب خالد بن سلمان، في تغريدة له على موقع "تويتر" اليوم، الحكومة الأمريكية، بنشر أي معلومات بشأن هذا الادعاء.

وأضاف السفير السعودي في تغريداته: "كما أخبرنا صحيفة واشنطن بوست، كان آخر اتصال أجريته مع السيد خاشقجي بواسطة المراسلة في 26 أكتوبر 2017. لم أتحدث معه هاتفيا قط، وبالتأكيد لم أقترح عليه قط الذهاب إلى تركيا لأي سبب من الأسباب.

والمشكلة الكبيرة التي تواجهها السلطات السعودية ان الروايات المتضاربة التي تنقلها عن مقتل خاشقجي، هي ضعيفة الى درجة لاتقوى على مجابهة الادلة القاطعة التي تملكها اجهزة الامن التركية والتي تكشف باليقين ان مؤامرة قتل خاشقجي جرى التخطيط لها قبل دخول خاشقجي لقنصلية بلاده الى تركيا.

وكان الادعاء العام السعودي الذي تبنى توضيح الجريمة قد زعم ان قرار قتل خاشقجي صدر بشكل آني من قبل رئيس الفريق المفاوض وانه لم يكن هناك مخطط لقتل خاشقجي قبل دخوله الى القنصلية، وهو مايعني انه لم تكن هناك نية مبيتة لاغتيال او قتل خاشقجي في القنصلية وانه كان المطلوب من فريق التفاوض هو محاولة اعادته الى البلاد لكن بسبب الشجار الذي حدث على اثر ذلك اتخذ رئيس الفريق قرارا بقتل الصحفي من دون ان تصدر اليه اوامر بذلك.

في غضون ذلك نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن صحيفة "حريّت" التركية قولها إنّ لدى تركيا مزيدا من الإثباتات تؤكد أن قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده كان مدبرا، وذلك عقب يوم من تقديم النيابة السعودية روايتها بشأن القضية وقالت الصحيفة التركية إنّ لدى السلطات تسجيلا صوتيا ثانيا من 15دقيقة يبيّن بوضوح أنّ جريمة قتل خاشقجي كانت متعمّدة.

كما يبيّن التسجيل أنّ فريق الاغتيال المؤلف من 15 فردا كان موجودا داخل القنصلية قبل وصول خاشقجي إليها، وناقش كيفية تنفيذ عملية القتل. واضافت الصحيفة إنّ الإثباتات الإضافية التي تملكها السلطات التركية تتضمن إجراء الفريق اتصالات دولية بعد عملية القتل.

اضافة الى ذلك فقد وصفت  صحيفة "واشنطن بوست" الاميركية الرواية السعودية التي قدمتها النيابة السعودية بشأن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بانها صادمة بوقاحتها.

وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تؤازر السعودية في التستر على جريمة قتل جمال خاشقجي، ودعت إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في الجريمة بقيادة الأمم المتحدة.

وأشارت إلى أن النائب العام السعودي لم يعف فقط ولي العهد السعوي محمد بن سلمان من المسؤولية – مشيرة إليه بالمشتبه به الرئيسي في جريمة القتل- بل أعفى ذلك اثنين من كبار مساعدي ولي العهد، في إشارة إلى أحمد عسيري وسعود القحطاني.

وقالت واشنطن بوست -التي كان خاشقجي كاتب رأي فيها قبل مقتله داخل القنصلية السعودية في إسطنبول إن النظام السعودي يتحدى بصفاقة كل من طالب بالشفافية التامة والمحاسبة بمن فيهم أعضاء بارزون في الكونغرس الأميركي.

وخاض المقال الافتتاحي في بعض تفاصيل الرواية السعودية الجديدة وما يتعلق بها فقال إن الرياض بعدما أقرت سابقا بأن قتل خاشقجي كان جريمة مدبرة عن سبق الإصرار ما لبثت أن عادت إلى رواية سابقة تقول إن خاشقجي قتل بدون تخطيط مسبق، وإن الفريق السعودي الذي أرسل إلى إسطنبول كان يهدف أصلا إلى إعادته للسعودية.

وأوضحت أن قبول هذه الرواية السعودية يعني تجاهل عدد من الحقائق التي ترسخت، ومنها التسجيل الصوتي الذي أسمعته السلطات التركية لمديرة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جينا هاسبل، والذي يشير إلى أن الفريق السعودي هاجم خاشقجي وخنقه فور دخوله القنصلية.

وعلى الرغم من الاتفاق الذي عقداه الرئيس الاميركي دونالد ترامب والرئيس التركي رجل طيب اردوغان خلالا اتصال هاتفي بينهما بشأن ضرورة التعاون والتنسيق فيما بينهما في سبيل رفع الغموض بشأن قضية خاشقجي لكن وسائل اعلام محلية ودولية ومنها امريكية عبرت عن تشكيكها في رغبة الادارة الاميركية في التوصل الى الحقيقة الكاملة بشأن هذه القضية وخاصة من اصدر الاوامر لفريق القتل بالتنفيذ.

الى جانب ذلك فقد حذرت صحيفة نيويورك تايمز من ان اتهام بن سلمان بقتل خاشقجي يولّد أزمة كبيرة لإدارة ترامب، الذي حاول كثيراً إبعاد التهمة عن محمد بن سلمان؛ الذي يعتبره حليفاً وثيقاً.

لكن المؤكد، وفق نيويورك تايمز، أن التقييم الجديد الذي أجرته وكالة المخابرات الأمريكية سيقوّي شوكة النواب الديمقراطيين في مواصلة الضغط من أجل التحقيق في مقتل خاشقجي، ومحاسبة السعودية.

كما حذرت صحيفة نيويورك تايمز من ان اقدام السلطات السعودية على اعدام الفريق المنفذ لعملية القتل ربما سيساعد على اخفاء القصة الكاملة لقضية مقتل خاشقجي وقالت الصحيفة  إن "الحقيقة قد لا تظهر أبدا إذا أعدمت السعودية “الشهود الرئيسيين”، كما رأت أن هذه الجريمة ومحاولات التستر عليها قد كشفت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان".

ومع ظهور كافة الدلائل والقرائن بشأن تورط محمد بن سلمان في جريمة قتل خاشقجي غير ان المخاوف تذهب الى احتمال ان تجري الادارة الاميركية الحالية صفقة مع تركيا لانقاذ بن سلمان من الورطة.

وقد انتشر في وسائل الاعلام بشكل واسع محاولات الادارة الاميركية استمالة الحكومة التركية لعقد صفقة بشأن تسليم المعارض التركي المعروف "فتح الله غولن" مقابل اخفاء بقية الادلة التي تملكها السلطات التركية والتي تدين الامير محمد بن سلمان.

وقد عبّرت منظمة "تحالف القيم المشتركة" المناصرة لرجل الدين التركي المعارض، فتح الله غولن، عن قلقها من تقارير إعلامية حول استخدام غولن كرقاقة مقايضة بقضية مقتل الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي.

وزارة العدل الاميركية نفت عزمها إبرام صفقة لتسليم فتح الله غولن، المطلوب في تركيا، مقابل تساهل أنقرة في تحقيقات قتل الصحفي السعودي، وقالت المتحدثة باسم وزارة العدل الأمريكية نيكول نافاس أوكسمان في بيان لها أمس الجمعة ردا على تقرير لشبكة "NBC" الإخبارية الأمريكية، إن الوزارة "لم تشارك وليست على علم بأي مناقشات" تتعلق بتسليم غولن ومقتل خاشقجي.

وفي وقت سابق من يوم الخميس، ذكرت "NBC" أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تبحث سبلا محتملة لتسليم رجل الدين فتح الله غولن، خصم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمطلوب في أنقرة لاتهامه بالضلوع في الانقلاب الفاشل عام 2016.

وفي مثل هذه الاجواء تم الكشف عن تسليم السلطات الاميركية لقيادي في منظمة غولن لتركيا  ووصلت إلى مطار "أتاتورك" في إسطنبول طائرة تقل "محمد صالح غوزاغير"، العضو السابق في مجلس إدارة مؤسسة تابعة للمنظمة، برفقة عناصر أمنية وتسلمت الشرطة التركية "غوزاغير" من باب الطائرة، ونقلته فورًا إلى مديرية الأمن لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.

السؤال الذي تثيره الاوساط السياسية هو هل سيسيل لعاب السلطات التركية لموجة الاغراءات التي تقدمها ادارة ترامب من اجل وضع قضية خاشقجي في الثلاجة، وهل سترضخ لمقتضيات الصفقة الاميركية؟

*طاهر قزويني