بين اختراقات الدوحة وتمنّعات أبو ظبي.. تعطيل المصالحة أم تأجيلها؟

العالم – قطر

بدأت قطر مسيرة الاختراق هذه في نهاية شهر أيّار مايو 2019 بمشاركة رئيس الوزراء القطري الشيخ عبد الله بن ناصر بن خليفة، في قمم مكة الثلاث (عربية وخليجية وإسلامية)، ليكون بذلك أعلى مسؤول قطري يزور السعودية، منذ بدء الحصار.

وفي 3 تشرين أول أكتوبر 2019 تعود قطر للمشاركة في الاجتماع الاستثنائي لرؤساء أركان مجلس التعاون الخليجي بدعوة سعودية، وفي العاشر من الشهر نفسه تشارك قر في العاصمة العمانية مسقط بانطلاق اجتماع اللجنة العسكرية العليا لرؤساء أركان الدول الخليجية، وبعد ستة ايام من الشهر نفسه يشارك وزير الداخلية القطري في مسقط في الاجتماع السادس والثلاثين لوزراء داخلية الدول الخليجية.

تتالت بعد ذلك المشاركات القطرية في النشاطات الرياضية الخليجية والسياسية، كان أبرزها توجيه الملك سلمان دعوة للامير تميم لحضور اجتماع مجلس التعاون الخليجي بالرياض في 10 ديسمبر 2019، وكان سبق تلك الدعوة إعلان وزير الخارجية القطري بأربعة أيام فقط عن مباحثات قطرية سعودية حول الأزمة الخليجية معربا عن امله بنجاحها وكان هذا الاعلام اول اشارة رسمية لأبواب التفاوض القطري السعودي.

وبالرغم من أن الأمير تميم لم يشارك في قمة الرياض إلا أن رئيس الوزراء القطري شارك في تلك القمة في أواخر شهر يناير كانون ثاني 2020 عاد الإعلام السعودي لمهاجمة قطر واتهامها بدعم الإرهاب، مما فتح الباب للتكهن فيما إذا كانت جولات الحوار بين الرياض والدوحة قد وصلت الى طريق مسدود، وهو ما دفع بوزير الخارجية القطرية للإعلان في منتصف شهر شباط فبراير عن تعليق جهود حل الأزمة بين بلاده والسعودية بعد فشل المباحثات بينهما.

لكن وبعد أيام معدودة من الشهر نفسه يعود وزير الدفاع القطري خالد بن محمد العطية للإعلان عن أن “الدوحة منفتحة تجاه الحوار”، وفي أواخر شهر آذار مارس 2020 تعود قطر للمشاركة في الاجتماع الاستثنائي لوزراء مالية الدول الخليجية عبر تقنية الفيديو.

وفي وآخر شهر أيار (مايو) 2020 بعث أمير الكويت الراحل صباح الأحمد بآخر رسالة خطية يرسلها إلى الملك سلمان، تتعلق بالجهود الكويتية لحل الأزمة الخليجية.

في منتصف شهر تشرين الأول أكتوبر يجدد وزير الخارجية القطري انفتاح بلاده على الحوار، فيما يشير وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الى حل مرتقب للأزمة مع قطر، وتعلن مساعدة وزير الخارجية القطري لولوة الخاطر عن حل يلوح في الافق لحل الازمة الخليجية مستدركة بالقول إن الأمر سيستغرق وقتا.

عادت قطر في نهاية الشهر نفسه للمشاركة بالاجتماع الافتراضي السابع والثلاثين لوزراء دول مجلس التعاون الخليجي، وفي 27 تشرين ثاني (نوفمبر) تشارك الدوحة بالمؤتمر الافتراضي لوزراء الدفاع في مجلس التعاون.

عقد وزراء دفاع الدول الخليجية اجتماعا افتراضيا عبر تقنية “فيديو كونفرانس”، بمشاركة وزير الدفاع القطري.

وفي الثاني من شهر كانون الأول ديسمر 2020 يلتقي امير قطر مع جاويد كوشنر كبير مستشاري الرئيس الامريكي دونالد ترامب في خطوة وصفت في حينه بانها تستهدف وضع المصالحة القطرية السعودية على الطاولة، وبعد هذا الاجتماع بيومين ( 4 / 12 / 2020 ) يعلن وزير الخارجية الكويتي أحمد ناصر الصباح في بيان عما أسماه” مباحثات مثمرة جرت خلال الفترة الماضية أكد فيها كافة الأطراف حرصهم على التضامن والاستقرار الخليجي، والوصول لاتفاق نهائي”.

كوشنر كان أحد عرابي اتخاذ قرار مقاطعة قطر على مأدبة عشاء بحضور مسؤولين سعوديين وإماراتيين وبحضور ستيف بانون (مستشار سابق لترامب) الذي كشف عن تلك المعلومات مشيرا إلى أن وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون لم يحضر هذا العشاء لأنه كان يعارض قرار مقاطعة قطر بشدة.

ولربما تكون زيارة كوشنر واجتماعه بالأمير تميم هي الزيارة الأخيرة له للمنطقة، ومن المرجح الدوحة لا تثق بكوشنر، وتنتظر مغادرة ترامب وإدارته للبيت الأبيض لاستكمال المصالحة التي تبدو وكأنها تسير بخطى بطيئة لغايات استهلاك الوقت انتظارا لمغادرة ترامب وتسلّم جو بايدن الرئاسة.

من المرجح في هذا الصدد أن تبقى جولات التقارب السعودي القطري في غاية البطء، وقطر نفسها قالت ذلك وكذلك السعودية، وخبراء دوليين يعتقدون جميعهم أن قرار المصالحة سيحتاج لوقت طويل نسبيا لإنجازه في ظل المعارضة الاماراتية التي لم تبد أي رضا أو دعم لهذا القرار ولا تزال تضع العصي في دولاب المصالحة.

السعودية من جانبها لا تزال تمتلك جزءا مهما من اشتراطات قطر للمصالحة والمتمثلة بفتح المجال الجوي والبري، ويبدو أن السعودية تلعب بهذه الورقة باعتبارها مفتاحا مهما للمصالحة، وليس أمام قطر غير الحصول على مطلبها هذا لانخراط أكثر جدية في تفاصيل ملف المصالحة الذي ولد شائكا تماما وليس من المرجح أن تعود العلاقات السعودية القطرية، والخليجية القطرية إلى ما كانت عليه قيل 5 حزيران 2017 إلا بعد قطع شوط طويل من إبداء حسن النوايا بين جميع اطراف المعادلة خاصة مع الإمارات والبحرين.

قطر التي تبدو أكثر ارتياحا لخسارة ترامب وفوز بايدن تراهن على الرئيس الأمريكي الجديد الذي أبدى انفتاحا مبكرا على أزمات المنطقة وتحديدا الازمة الخليجية، ومن المرجح أن يحصل بايدن على فرصة جيدة لتحقيق أول انتصاراته في سياسته الخارجية عبر بوابة المصالحة السعودية القطرية، وما قد يتلوها من مصالحات أخرى ستعيد خلط الأوراق في الإقليم الخليجي بخلق أدوار بما في ذلك تعميق حالة التقارب السعودي التركي، حينها لن تجد الإمارات أمامها غير العودة لطاولة المصالحة مع قطر قبل أن تفوتها العربة الأخيرة في قطار لا يستطيع التوقف مطولا في محطات استراحة شائكة.

لا تظهر مصر والبحرين كدولتين في محور الحصار فاعلتين تماما، وكأنهما تجلسان على دكة الانتظار وترقّب ما يجري في محورهما الذي بدأ بالتفسّخ والتفكّك بالتقارب السعودي القطري، هنا تبرز فقط الإمارات كعدو متشدد ضد الدوحة لا يحسن المصافحة لاعتقاده بأن مجرد فتح قناة حوار مع الدوحة ستعني هزيمة له، في حين لا تزال قطر تستند إلى محورية دبلوماسية تعتمد خطاب الانفتاح والتصالح ورفض الإملاءات الثلاثة عشر التي تضمّنتها صحيفة المُقاطعة والتي استهدفت إعلان استسلام الدوحة بدون شروط لأربعة عواصم تنظر لقطر بعين العداء وبعقلية التخاصم.

”رأي اليوم”