حسابات الحرب والسلام في 2018

العالم – مقالات وتحليلات

نعم لم تعد امريكا قطبا واحدا مهيمنا وقادرا على فرض ارادته، ولكنه لم يصبح بعد امبراطورا عجوزا تتم وراثة امبراطورية هيمنته.

ومن المهم جدا القاء الضوء على استراتيجيات جيو بوليتيكية، تؤكد الاحداث التزام امريكا بها ونلمحها في ظلال سياساتها وتصريحاتها وممارساتها العملية.

وحتى لا يصيبنا الالتباس والتشوش من مستجدات عالمية تبدو متناقضة، وحتى لا نصل لاستنتاجات خاطئة وعليها نقوم ببناء ردود فعل او سياسات مضادة خاطئة، فان علينا ترك مجال التحليل بالقطعة واعتماد منهج التحليل لكامل رقعة الشطرنج العالمية.

فلربما نتفرغ لدراسة التقارب الهندي ـ الاسرائيلي اللافت، وقد كنا حتى سنوات قليلة نجد في جوازات السفر الهندية منعا للمواطنين من زيارة "اسرائيل"، وربما ايضا نتفرغ لتأمل بهلوانيات اردوغان وسياساته المتناقضة وخلافاته مع امريكا، وهي حليف استراتيجي تقليدي، وكي لا نقع في فخ الاستنتاجات المبتسرة الناشئة عن التفرغ لما شابه من مستجدات، فإن المنظور الشامل لا يفسر فقط الكثير من المستجدات ويفك تعقيداتها، وانما وهو الأهم، يوصلنا الى تحليلات واستنتاجات اقرب للصحة، وبالتالي سياسات اكثر نجاحا.

كتب المفكر البريطاني هالفورد ماكندر، إن من يسيطر على أوراسيا، يسيطر على العالم القديم “آسيا، أوروبا، إفريقيا”، وإن من يسيطر على العالم القديم يسيطر على العالم كله، وافترض أن العالم سينقسم الى مجالين متواجهين، اليابسة والبحر.

تحدث بريجينسكي في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى- السيطرة الأمريكية وما يترتب عليها جيواستراتيجياً” الصادر عام 1997 عن اوراسيا، واصفا اياها بانها مكمن التحدي السياسي والاقتصادي للسيادة الأمريكية على العالم.

وباختصار شديد، أوراسيا ( أوروبا- آسيا) تمتد من حدود أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى ضفاف الصين وروسيا على المحيط الهادئ في الشرق.

وتضم أوراسيا ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وهي أكبر قارات العالم، وفيها معظم ثرواته.

وتعددت التنظيرات الاستراتيجية ولكنها اتفقت على ان هناك قوسا ممتدا جنوب اوراسيا يشمل منطقتنا العربية ويمتد لافريقيا وتحتدم فيه الصراعات، وهذا القوس وتفاعلاته على صلة مباشرة بالصراع على الكنز الاوراسي.

وبالعودة لبريجنسكي لتأمل السياسات الحالية وليس لسرد التاريخ، فإن هناك محورين يهددان الهيمنة الامريكية:

الاول يتمثل في اللاعبين الجيواستراتيجيين، وهم القادرون على اللعب ما وراء الحدود ويمتلكون القدرة والارادة القومية على لعب هذا الدور، وحددهم في “روسيا والصين وفرنسا وألمانيا والهند”.

والمحور الثاني هو الدول الثابتة الجيوبولوتيكية، وهي تلك الدول التي لا تنبع أهميتها من قوتها، بل من موقعها الحساس الذي يعطيها في بعض الحالات دوراً مميزاً، إما في السماح بالوصول إلى مناطق ذات أهمية، أو في إعاقة الوصول إلى الموارد بالنسبة للاعب دولي هام، وحددها في “أوكرانيا، أذربيجان، كوريا الجنوبية، تركيا وإيران”.

ونصح باستراتيجية قائمة على التوازن والاستيعاب والسيطرة على الدول الجيواستراتيجية والجيوبولوتيكية، وأن يكون تحقيق ودعم التوازن الاقليمي هدفا رئيسيا في اي استراتيجية تجاه اوراسيا.

ونصح بمراحل متدرجة، وهي ثلاث مراحل، اولاها المناورة، والاحتواء وعدم الاستفزاز واحترام التعددية الجيوبولوتوكية حتى لا تقوم احلاف مضادة.

ونرى ان هذه المرحلة قد انقضت، وتليها مرحلة التشديد على وجود شركاء مهيمنين وملائمين استراتيجياً لتشكيل نظام امني عبر أوراسيا، واخيرا جعل المركز العالمي الاوراسي ذا مسؤولية سياسية مشتركة.

وقال ان توسيع غرب اوروبا، التي تهيمن عليها امريكا الى الشرق امر اساسي، وكذلك منع تشكل قطب في الوسط فانه سيشكل خطرا، فإما سيطرة على جنوب اوراسيا او التحالف مع الشرق، وهو ما سيقلص الهيمنة الامريكية، وذات الخطر قائم، اذا تحالف لاعبان رئيسيان شرقيان فانهما سيطردان امريكا من القواعد الساحلية في الشرق، والخطر الاخير هو طرد اوروبا لاميركا من غرب اوروبا بتبعيتهما للاعب بعث من جديد في المنطقة الوسطى.

ونلمح في سياسات امريكا تعثرا في المرحلة الثانية لا يمكنها من الانتقال للثالثة، وربما ذلك بفضل نظرية روسية لخصها المفكر الروسي ألكسندر دوغين في مؤلفات عدة له، منها “الدرب الثالث” و”الدرب الأوراسي كفكر قومي”، تؤكد على “أوراسية الدولة” الروسية والدور القيادي لروسيا في “أوراسيا”.

وخلال كل مراحل العلاقات بين واشنطن وعدد كبير من قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة، شكّل قلق أولئك القادة على أنظمة حكمهم من “نشر الديمقراطية الأميركية” ثغرة كبيرة في السياسة الأميركية في المنطقة.
وهو ما يفسر لجوء ترامب الى نهج انتقائي لطمأنة الحلفاء!

وللتأكد من التزام امريكا بالاستراتيجية، فاننا نحيل الى حوار حديث مع اش كارتر، مدير مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد ووزير الدفاع الامريكي السابق، حول التهديدات الراهنة التي تواجه الولايات المتحدة، حيث قال انها خمسة تهديدات كبيرة، روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية والارهاب، واضاف ان الشرق الاوسط مضطرب لكن ليس مهماً في المستقبل، وان المهم هو آسيا والمحيط الهادئ بحكم امتلاكهم لنصف سكان العالم، وبالتالي نصف التجارة العالمية.

كما القى حديث كارتر الضوء على مصطلح هام يبدو انه محور استراتيجية امريكا وتبدو ظلاله في ممارسات وتصريحات الادارة الحالية.

هذا المصطلح هو “الدبلوماسية القسرية”، وفي اطار حديثه عنه، يوضح اش كارتر انه يعني امتلاك الردع والدفاع ثم اللجوء للدبلوماسية، وهي دبلوماسية قائمة على العصا والجزرة.

امريكا لن تترك كوريا الجنوبية واليابان كموطئ قدم في الشرق ولن تترك الناتو كقاعدة ارتكاز في الغرب وستظل تشاغل روسيا في محيطها وتمنع تقاربها مع الاتحاد الاوربي، وستظل تمارس العصا والجزرة (الدبلوماسية القسرية) مع الدول الكبرى دوليا واقليميا لمنع المشروع الصيني ـ الروسي للهيمنة على اوراسيا والمتمثل في طريق الحرير الجديد.

كل ما نراه هو صراع رئيسي وصراعات ثانوية، وكل ما يعنينا مقاومة الهيمنة والوحدة لانها من ستعطينا قيمة استراتيجية.

قد تلجأ امريكا لحرب في الشرق الاوسط لمنع الهيمنة على اوراسيا وقطع طريق الحرير لانها مسألة حياة او موت للسيادة الامريكية، وقد يمولها المتضررة مراكزهم الاقتصادية في الخليج (الفارسي).

التحالفات الاستراتيجية تقوم على اعداء مشتركين وتشابه في هيكلية الاوضاع الامنية ووجهات النظر العالمية، ما هي تحالفاتنا اذاً؟

ايهاب شوقي – العهد

2-4