ساعات حاسمة في قضية سد النهضة

العالم – مصر

وقالت مصادر دبلوماسية وفنية مصرية لـ"العربي الجديد"، إنّ جميع الأطراف الدولية والإقليمية متفقة على ضرورة حسم المسائل الفنية العالقة خلال الأسبوع الحالي، على عكس رغبة إثيوبيا التي سبق وأبدتها مرتين على الأقل خلال الأسبوع الماضي، لناحية إرجاء بعض النقاط إلى ما بعد توقيع الاتفاق، وأنّ هناك توافقاً واسعاً على عدم اللجوء إلى تجديد فترة المفاوضات بعد الأسبوع الحالي.

هناك توافق واسع على عدم اللجوء إلى تجديد فترة المفاوضات بعد الأسبوع الحالي

وأضافت المصادر أنّ القرار الإثيوبي سياسي في المقام الأول وليس فنياً، إذ إنّ جميع الصياغات التي اقترحتها مصر، أول من أمس الجمعة، لا تختلف كثيراً عما طرحه السودان في مفاوضات الشهر الماضي، كما أنها تمثل تراجعاً "محدوداً" عما تم الاتفاق عليه في واشنطن خلال مفاوضات فبراير/شباط الماضي، كذلك فإنّ المفاوضين الإثيوبيين لم تكن لديهم اعتراضات فنية موضوعية ملحوظة خلال اجتماعات يومي الثلاثاء والجمعة، بل اقتصرت التعقيبات على طلبات التأجيل.

وكشفت المصادر أنّ الصياغات المصرية الوسطية تتضمن تحديثاً لمسألة كمية المياه التي يجب أن تتدفق من السد خلال الفترة الفاصلة بين الملء الأول وتوقيت فيضان العام المقبل، وكذلك الكميات التي يجب ضمان تدفقها في فترات الجفاف المتقطع والمستدام، وأيضاً كيفية قياس معدل النزول عن الحدود المتفق عليها لضمان التدفق، والأماكن التي يمكن من خلالها مراقبة ورصد كمية الفيضان، والتي ستكون في الغالب عند سد الروصيرص في السودان ونقاط أخرى. وأخيراً منح مصر والسودان فرصة لاستكشاف الأوضاع في السد بضع مرات خلال العام الواحد، للتأكد من سلامة التشغيل والإنشاءات وتطابق ما يحدث على أرض الواقع مع ما سيتم الاتفاق عليه.

وذكرت المصادر أنه إزاء التعنت الإثيوبي في الاجتماعات الأخيرة، أعادت مصر أمام الوسطاء طرح ضرورة الربط بين مقاييس امتلاء سد النهضة وسد السرج الاحتياطي المجاور مجتمعين، وبين كمية المياه المتوافرة في بحيرة ناصر، وهو ما كرر الإثيوبيون رفضه. وأشارت المصادر إلى أنّ مصر والسودان اختتمتا كلمتيهما في اجتماع الجمعة، بالتأكيد على عدم تطرّق الاتفاق إلى إعادة توزيع الحصص أو السماح بدخول أطراف جديدة في الاتفاقيات الخاصة بالسد.

وشدّدت المصادر على أنّ موقف القاهرة مازال ثابتاً عند اقتراح ضمان تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه لمصر في أوقات الملء والجفاف، كرقم وسط بين ما تطالب به إثيوبيا وهو 32 مليارا، وما كانت تطالب به مصر وهو 40 مليار متر مكعب، على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث، نافية أن يكون هناك مقترح مطروح بتقليل كمية المياه أكثر من ذلك في الوقت الحالي.

ويزعم الإثيوبيون أنّ تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه في أوقات الجفاف سيجبرهم على الصرف المباشر من بحيرة سدّ النهضة، ولن يمكنهم من الحفاظ على منسوبها عند 595 متراً، لتضمن بذلك التوليد المستدام وغير المنقطع من الكهرباء لمدة 7 سنوات على الأقل.

أعادت مصر طرح ضرورة الربط بين مقاييس امتلاء سد النهضة وسد السرج الاحتياطي المجاور مجتمعين، وبين كمية المياه المتوافرة في بحيرة ناصر

يذكر أنّ المفاوضات الفنية انتهت حتى الآن إلى الاتفاق فقط على قواعد الملء الأول، وحجم التدفق البيئي، والمبادئ التوجيهية للملء الأول، والقواعد العامة لإدارة فترات الجفاف، وقواعد سلامة السد والمساعدة في استمرار تشغيله، ودراسات التقييم، وموعد تطبيق تلك القواعد، وهي لا تتعارض مع البنود التي مازالت في إطار التفاوض، والتي هي بطبيعتها أكثر تفصيلية، وأبرزها منسوب المياه المطلوب ضمان استمراره لبحيرة سد النهضة في حالات الشح المائي والجفاف الممتد.

وسبق وقدمت القاهرة مصفوفة توضح أنّ التدابير التي تضمنتها مسودة اتفاق واشنطن التي وقّعت عليها مصر منفردة نهاية فبراير الماضي، تبقي منسوب المياه، إذا توافرت كل حالات الاستثناء من جفاف وتمرير لأعلى نسبة مطلوبة من المياه، عند 605 أمتار تقريباً، علماً أنّ نقطة الجفاف النظرية هي 603 أمتار. وأوضحت المصفوفة أيضا أنّ تمرير كمية تتراوح بين 37 مليارا و38 مليار متر مكعب في أوقات الجفاف ستبقي السدّ ممتلئا بكمية تصل إلى 23 مليار متر مكعب، وهو ما يكفي تماماً لتوليد الطاقة المطلوبة، الأمر الذي يتعنت فيه الإثيوبيون.

أمّا الإشكاليات القانونية العالقة، فتتمثل في عدم قبول إثيوبيا بإلزامية كل بند في الاتفاق المزمع توقيعه، متذرعة بأنّ مثل هذا الاتفاق سيكون عرضة في أي وقت للتعديل والتغيير بناء على تنسيق الأطراف الثلاثة، وبالتالي فهي تطالب باللجوء فقط إلى اتفاق المبادئ الموقع في مارس/آذار 2015. لكن مصر ترغب في تلافي المشاكل العملية التي أظهرها اتفاق المبادئ، وبما يمنع الركون إلى افتراض "حسن النوايا" الذي كان مسيطراً على العلاقات بين الجانبين وقت توقيع الاتفاق، فهم يريدون أن يتم التوافق على طريقة واضحة للتحكيم بناء على طلب أي طرف، واختيار عناصر محددة لهيئة التحكيم أو جهة دولية موثوقة لجميع الأطراف، وإزالة العوائق التي تجعل اللجوء السريع للتحكيم مستحيلاً مثل اتفاق الدول الثلاث.

وكانت مصر قد أصدرت بيانين متتاليين أعلنت فيهما رفضها التام لأي صياغات منقوصة في اتفاق ملء وتشغيل سد النهضة، لا تراعي الشواغل المصرية، كما ترفض تأجيل مناقشة القضايا الخلافية، مشيرة إلى أنها قدمت العديد من البدائل التي تم رفضها من قبل إثيوبيا.

وقبلها، كشف مصدر حكومي مصري لـ"العربي الجديد" أنّ الإثيوبيين طلبوا بشكل صريح إرجاء الاتفاق على بعض النقاط العالقة إلى ما بعد بدء الملء الأول، وهو ما قوبل بالرفض حتى من بعض الأطراف المراقبة. وفي المقابل، رفض الإثيوبيون طلب مصر والسودان اطلاعهما على تحديث لدراسات الأمان الخاصة بالسد، بعد وصول نسبة الإنشاءات إلى نحو 74 في المائة.

موقف القاهرة مازال ثابتاً عند اقتراح ضمان تمرير 37 مليار متر مكعب من المياه لمصر في أوقات الملء والجفاف

وسبق وقال مصدر سياسي إثيوبي لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمفاوضين الإثيوبيين تجاوزها في المرحلة الحالية، أبرزها أن يكون الاتفاق الذي ستتوصل إليه المفاوضات ملزماً، كاشفاً عن عقد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، اجتماعات عديدة أخيراً في مقر الحكومة، بمجموعة من الخبراء القانونيين الإثيوبيين والأفارقة والعاملين بالاتحاد الأفريقي والمحاكم المنبثقة منه، إذ تلقى قائمة من النصائح، أبرزها الحذر من أي بند يضفي الطبيعة الإلزامية على الاتفاق.

وبحسب المصدر، فإنّ النصائح القانونية أوصت باتباع سياسة النفس الطويل في التفاوض، مع استمرار الاعتراض على أمر آخر إلى جانب مسألة الإلزام، وهو ذكر أي لجنة أو هيئة دولية دائمة أو تشكّل خصيصاً بغرض فضّ النزاع القانوني بين إثيوبيا ومصر والسودان، وفي النهاية يتم اقتراح اللجوء إلى منظمة دولية (الخيار الأول للإثيوبيين هو بالطبع الاتحاد الأفريقي) لتسوية الخلافات سياسياً وليس قانونياً.

وأشار المصدر إلى أنّ الموقف الإثيوبي في هذا الإطار لم يتم إعلانه رسمياً، ولكن تم ذكره ضمنياً خلال لقاءات عن بعد جمعت ممثل إثيوبيا تايي أثقيلاسيلاسي بمندوبي الدول الأعضاء بمجلس الأمن، وأن الموقف "مدعوم بشدة" داخل مجلس الأمن من الصين وروسيا وبلجيكا وجنوب أفريقيا والنيجر، لكن لا ترحب به باقي الدول.