لماذا فشل اتفاق وقف النار في ادلب ؟

العالم – سوريا

الدكتور أسامة دنورة الباحث السياسي تحدث عن هذه النسخة من البنود، خاصة قرار وقف إطلاق النار الذي بدا هشّاً . وقال دنورة أنه في كل مرة تقريباً يصرح المسؤولون الروس حول إدلب يؤكدون انهم لن يسمحوا بأن يبقى الارهاب مستقراً في المحافظة السورية، ولا يوجد اي تعهد للإرهابيين يخالف هذا التوجه، لاسيما أن القرار ٢٢٥٤ يستثني كل من داعش والنصرة من اي ترتيبات محتملة لوقف اطلاق النار، ولكن عملياً يمنح الطرف الروسي الجانب التركي مساحة للمناورة في التعاطي مع الجماعات الارهابية لتحقيق أكثر من هدف تراوح ما بين التكتيكي والاستراتيجي، وذلك حسب قراءة د. دنورة الذي فند قوله بعدة بنود:

أولها ان الروسي يدرك الحساسية المتزايدة للتركي تجاه تدفق اللاجئين، لا سيما بعد ان تحول الامر الى ورقة انتخابية في الداخل التركي، فضلاً عن امكانية استغلال الملف من قبل بعض الجهات الدولية، والغرب بالتحديد، في حال لم يتم ضبط الملف بالتنسيق مع الاتراك.

ويضيف أيضا سبباً أن هناك سعيا روسيا الى تحقيق التفاهم الكامل مع التركي بخصوص معركة قادمة في ادلب، فمن شأن التفاهم مع التركي ان يضيق الخناق بشكل هائل على المجموعات الارهابية بمجرد ان يقطع الاتراك الدعم المباشر وغير المباشر عن الارهابيين، وفي هذه الحالة يضمن الروس نصراً سريعاً بالحد الادنى من الخسائر ويبتعد مشهد عملية عسكرية طويلة ومكلفة .

وثالث هذه الأسباب ان سياسة الاحتواء الروسية تجاه تركيا تنظر الى تحقيق اهداف استراتيجية ابعد من هزيمة الارهابيين في ادلب، فالغرب افشل عملياً مشروعين جيوبوليتيكيين لتركيا؛ الاول هو مشروع الانضمام الى الاتحاد الاوروبي الذي وصل الى طريق مسدود عملياً، والثاني هو مشروع “العثمانية الجديدة” – حسب دنورة – التي ارادها العدالة والتنمية مشروعاً للهيمنة على العالم العربي، وهذا المشروع بدوره افشله الغرب. ومن هنا يسعى الروس الى جذب تركيا خارج الحوض الغربي باتجاه مشروع جيوبوليتيكي بديل هو المشروع الأوراسي، وهذا الهدف هام جداً لروسيا في حقبة التعددية القطبية (او ما يصفها البعض انها حقبة حرب باردة جديدة)، يمكن وبنظرة بسيطة الى الخارطة ادراك الاهمية الاستراتيجية لتركيا في حال نصب الصواريخ النووية متوسطة المدى على ارضها.. ولذلك تسعى روسيا للتشبيك طويل الامد مع الاتراك بما يقطع الطريق على عودة تركيا الى دورها “الناتوي” التقليدي لدى سقوط اردوغان.

ولكن مع تعرقل وقف إطلاق النار، هذه القرار الهش منذ بدايته والمشروط من قبل الحكومة السورية وفق دستور البلاد يتابع الباحث السياسي في قراءته مشيرا ان التركي يمارس سياسة تقوم على تمرير الاستحقاقات السياسية بتقديم تعهدات لفظية ليعود ويحنث بها قبل ان يجف حبرها، فوقف اطلاق النار الذي وافقت عليه الحكومة السورية كان على اساس تنفيذ تركيا المباشر لما يترتب على عاتقها وما وافقت عليه ضمن اتفاق سوتشي مع الروس، ولكن ما حصل من الاتراك تعدي الإحجام عن التنفيذ الى منح ضوء اخضر للمجموعات الارهابية للقيام بهجوم ارهابي على مطار حميميم مما تسبب بوقوع خسائر بشرية كبيرة..

الامم المتحدة اكدت مؤخراً ان ادلب وافغانستان هما اكبر بؤرتان لتجمع الارهابيين في العالم، وهذا الامر الذي تعرفه كل دول العالم جيداً لم يعد بالإمكان التساهل معه، وأسلوب المناورة التركية القائم على التعهدات السياسية التي لا تجد طريقها للتنفيذ ووقف النار لا راحة المسلحين وحمايتهم لم يعد ممكناً تمريره بعد الآن..

يبدو ان التركي يحاول تمرير نوع من التقابل الضمني ما بين ملف ادلب وملف المنطقة الشمالية الشرقية، بمعنى ان تخليه عن ورقة إرهابية في إدلب لن يكون إلا في مقابل عملية عسكرية في مناطق الشمال الشرقي لضرب الوحدات الكردية وقسد، والحقيقة ان مثل هذه المقاربة هي هروب الى الامام، واعتداء جديد على الارض السورية.

‏لا يبدو المشهد بالنسبة للباحث السياسي أسامة دنورة باعثاً على التفاؤل فيما يتعلق بتنفيذ اتفاق سوتشي حول المنطقة منزوعة السلاح وفتح الطرقات بين المحافظات، لا سيما بعد رفض الجولاني لأي انسحاب، وعدم وضوح موقف باقي الجماعات بما فيها تلك العاملة مباشرة تحت الاشراف التركي، وهذا المشهد برمته يدفع الى الترجيح بأن تنفيذ سوتشي قد لا يتحرك بسرعة ما دام الموقف التركي موارباً حول عزل النصرة والتخلي عنها، الامر الذي قد يدفع بمحور محاربة الارهاب الى الفعل العسكري مجدداً بصورة تدريجية تفضي الى تبلور واقع ميداني جديد يبنى عليه سياسياً.

بالعموم فإن الموقف السوري كان واضحاً على لسان مندوب سوريا بشار الجعفري بأن الفرق ما بين اعلان النوايا ونص البيان من جهة، والتطبيق على ارض الواقع من جهة أخرى، ما زال كبيراً، وهو ما يعني ان غياب الثقة السورية بمصداقية التعهدات التركية ما يزال قائماً، والدليل ما يجري اليوم من اعلان استئناف العمليات العسكرية في الشمال بعد خرق واعتداء الإرهابيين.

خليل موسى – موقع المنار